كشف أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، في وقت متأخر من ليل الاثنين، عن مسودة تشريع تهدف إلى إنشاء إطار تنظيمي شامل للعملات الرقمية؛ مما سيوفر وضوحاً قانونياً للقطاع المزدهر ويعزز اعتماد الأصول الرقمية في حال إقراره.
ولطالما طالب قطاع العملات الرقمية بمثل هذا التشريع، مؤكداً أنه ضروري لمستقبل الأصول الرقمية في الولايات المتحدة وحل المشكلات المزمنة التي تواجه الشركات في هذا المجال، وفق «رويترز».
ويحدد مشروع القانون متى تُصنَّف رموز العملات الرقمية بوصفها أوراقاً مالية أو سلعاً أو غير ذلك، ويمنح «هيئة تداول السلع الآجلة الأميركية» – الجهة التنظيمية المفضلة لدى القطاع على عكس «هيئة الأوراق المالية» والبورصات الأميركية – سلطة مراقبة أسواق العملات الرقمية الفورية.
كما يوفر مشروع القانون إطاراً تنظيمياً فيدرالياً للعملات الرقمية المستقرة المرتبطة بالدولار، وهو ما لطالما سعى إليه القطاع المصرفي.
ودعت جماعات الضغط المصرفية الكونغرس إلى سد ثغرة في مشروع القانون قد تجعل الوسطاء يدفعون فوائد على العملات المستقرة، عادّةً أن ذلك قد يؤدي إلى هروب الودائع من النظام المصرفي ويهدد الاستقرار المالي.
من جانبها، أكدت شركات العملات الرقمية أن منع الأطراف الثالثة، مثل منصات التداول، من دفع فوائد على العملات المستقرة يُعد ممارسة منافية للمنافسة.
ويحظر مشروع القانون على شركات العملات الرقمية دفع فوائد للمستهلكين لمجرد حيازتهم عملة مستقرة، لكنه يسمح بدفع مكافآت أو حوافز مقابل أنشطة محددة، مثل إرسال دفعات مالية أو المشاركة في برامج ولاء.
وستلزم «هيئة الأوراق المالية» و«البورصات» و«هيئة تداول السلع الآجلة» الشركات بالكشف بوضوح عن المكافآت المدفوعة مقابل استخدام العملات المستقرة.
وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، قد حصل على تمويل من قطاع العملات الرقمية، متعهداً بأن يكون «رئيساً للعملات المشفرة»، وأسهمت مشروعات عائلته في دفع القطاع نحو التيار الرئيسي.
كما أنفق القطاع بكثافة خلال انتخابات 2024 لدعم المرشحين المؤيدين للعملات المشفرة على أمل تمرير مشروع القانون التاريخي.
وقد أقر مجلس النواب النسخة الخاصة به من المشروع في يوليو (تموز) الماضي، لكن المفاوضات في مجلس الشيوخ تعثرت العام الماضي؛ بسبب انقسام المشرعين بشأن بنود مكافحة غسل الأموال ومتطلبات منصات التمويل اللامركزي، التي تسمح للمستخدمين بشراء وبيع الرموز دون وسيط، وفقاً لمصادر مطلعة.
ومع تحول تركيز الكونغرس نحو انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، التي قد يفوز فيها الديمقراطيون بمجلس النواب، يشكك بعض جماعات الضغط في إمكانية إقرار «مشروع قانون هيكلة سوق العملات المشفرة»، فيما يرى مسؤولون تنفيذيون في القطاع أن ذلك قد يضطر الشركات إلى الاعتماد على توجيهات تنظيمية قد تلغَى في ظل إدارة مستقبلية.
واصل الذهب صعوده يوم الأربعاء ليسجل مستويات قياسية جديدة، بينما حققت الفضة إنجازاً تاريخياً بتجاوزها حاجز 90 دولاراً للمرة الأولى على الإطلاق. يأتي هذا الزخم مدفوعاً ببيانات تضخم أميركية أقل من المتوقع، مما عزز التوقعات بخفض أسعار الفائدة، وسط حالة من الضبابية الجيوسياسية المستمرة.
أرقام قياسية غير مسبوقة
بعد أن سجل قمة عند 4 634.33 دولار يوم الثلاثاء، واصل الذهب زخمه الصعودي ليخترق مستويات جديدة عند 4639.28 دولار. كما ارتفعت العقود الأميركية الآجلة لتصل إلى 4635.60 دولار.
كما قفزت الفضة الفورية بنسبة 4.6 في المائة لتصل إلى 90.95 دولار للأوقية بعد اختراق حاجز الـ90 دولاراً التاريخي، لتسجل مكاسب مذهلة بلغت 28 في المائة في أول أسبوعين فقط من عام 2026.
وصعد بنسبة 4.7 في المائة ليصل إلى 2432.80 دولار للأوقية.
محركات الصعود
صرح برايان لان، المدير الإداري لشركة «غولد سيلفر سنترال»، بأن البيانات الإيجابية المتمثلة في انخفاض معدلات التضخم والبطالة في الولايات المتحدة كانت المحرك الرئيسي للمعادن الثمينة، متوقعاً أن يكون المستهدف القادم للفضة هو حاجز الـ100 دولار.
وفي سياق متصل، أظهرت بيانات مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي في الولايات المتحدة نمواً بنسبة 0.2 في المائة شهرياً و 2.6 في المائة سنوياً، وهو ما جاء دون توقعات المحللين، مما منح المستثمرين ضوءاً أخضر للمراهنة على خفض الفائدة.
ضغوط ترمب
رحب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأرقام التضخم، وجدد ضغوطه على رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول لخفض أسعار الفائدة «بشكل ملموس».
وتزامن ذلك مع موجة دعم دولية لباول من رؤساء بنوك مركزية ومديرين تنفيذيين في «وول ستريت»، رداً على قرار إدارة ترمب التحقيق معه، وهو ما أثار مخاوف بشأن استقلالية الفيدرالي والثقة في الأصول الأميركية، مما زاد من الطلب على الذهب كـ«ملاذ آمن».
المشهد الجيوسياسي
لم تكن العوامل الاقتصادية وحدها هي المحرك، حيث تلعب الاضطرابات في إيران دوراً جوهرياً. فقد حث الرئيس ترمب الإيرانيين على مواصلة احتجاجاتهم، مؤكداً أن «المساعدة في الطريق»، في وقت تشهد فيه إيران أكبر تظاهرات منذ سنوات، مما يعزز جاذبية المعادن النفيسة التي تزدهر عادة في فترات عدم الاستقرار السياسي وانخفاض أسعار الفائدة.
شهدت الصناعة المالية الإسلامية نمواً متسارعاً، لم يقتصر على المؤسسات المالية الإسلامية المتكاملة، بل امتد ليشمل «النوافذ المالية الإسلامية» التي تقدم خدمات متوافقة مع الشريعة ضمن مظلة المؤسسات المالية التقليدية. ومع تزايد حجم هذه النوافذ وتوسع نطاق منتجاتها، برزت الحاجة الماسة إلى إطار حوكمة شرعية شامل وفعّال يضمن النزاهة والالتزام الشرعي، ويحمي سمعة الصناعة ككل. في هذا السياق، يأتي إصدار مجلس الحوكمة والأخلاقيات بهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI) لمعيار الحوكمة الشرعية رقم (23)، بعنوان «تطبيق مبادئ الحوكمة الشرعية على النوافذ المالية الإسلامية»، ليمثل خطوة محورية نحو سد الفجوات التنظيمية وتعزيز الثقة في هذا النموذج الهجين. يهدف هذا المعيار إلى وضع إطار شامل يحدد المبادئ والقواعد الإرشادية وأفضل الممارسات لضمان حوكمة شرعية سليمة وفعّالة للنوافذ الإسلامية.
النوافذ الإسلامية: تعريف جديد ومسؤولية كاملة:
يعرّف المعيار النافذة المالية الإسلامية بأنها: «مؤسسة تعد التقارير المتضمنة على الخدمات المالية الإسلامية التي تقدمها مؤسسة مالية تقليدية من خلال الفروع و/أو الأقسام القائمة بذاتها». وبموجب هذا التعريف، فإن المعيار يتطلب تطبيق مبادئ الحوكمة الشرعية على هذه النوافذ باعتبارها ضمن تعريف المؤسسات المالية الإسلامية، وبالتالي تخضع لجميع معايير أيوفي ذات الصلة.
إن أهمية هذا المعيار تنبع من كونه يضع حداً لاحتمالية ضعف الحوكمة الشرعية أو عدم الالتزام الكامل بها في النوافذ، وهو ما قد يؤدي إلى مخاطر سمعة عالية. لذا، فإن التطبيق الشامل لمبادئ الحوكمة الشرعية على هذه النوافذ يعد أمراً حيوياً لضمان النزاهة والالتزام الشرعي في كل عملياتها، والوفاء بمسؤولياتها الاستئمانية تجاه جميع أصحاب المصالح بطريقة عادلة وشفافة.
ركائز الاستقلالية: نموذج «مؤسسة داخل مؤسسة» :
لتحقيق الفعالية المطلوبة، يحدد المعيار متطلبات صارمة لضمان الاستقلالية القصوى للنافذة الإسلامية عن المؤسسة التقليدية الأم، ويتبنى نموذج «مؤسسة داخل مؤسسة». وتتركز هذه المتطلبات في عدة جوانب أساسية. أولاً، على صعيد فصل الأموال والحسابات، يجب الاحتفاظ بأموال النافذة المالية الإسلامية بشكل منفصل كلياً عن أموال المؤسسة التقليدية الأم، على أساس التقاص في نهاية اليوم، ويشمل ذلك الاحتفاظ بحسابات منفصلة مع المصرف المركزي وغرف المقاصة، مما يضمن عدم اختلاط الأموال الشرعية وغير الشرعية ويعزز الشفافية والمساءلة المالية. ثانياً، فيما يتعلق بهيكل الحوكمة الشرعية، يجب أن يتألف إطار الحوكمة الشرعية للنافذة من نفس المكونات التي تتألف منها أي مؤسسة مالية إسلامية 100%، بما في ذلك هيئة الرقابة الشرعية، والتدقيق الشرعي الداخلي والخارجي، لضمان تطبيق الرقابة الشرعية المستقلة والمحايدة على جميع العمليات والمنتجات. ثالثاً، يجب أن يكون النظام المصرفي الآلي / نظام تقنية المعلومات قادراً على تمييز الطبيعة الخاصة للعقود والمصطلحات وآليات التنفيذ في المالية الإسلامية، واحتساب الربح والمعالجة المحاسبية وفق المتطلبات الشرعية، مما يضمن دقة المعالجات المحاسبية والشرعية ويقلل من مخاطر الأخطاء التشغيلية. وأخيراً، فيما يخص قيادة النافذة، يجب أن يكون لمدير النافذة منصب عالٍ في التسلسل الهرمي للمؤسسة، وأن يكون مكرساً لعمليات النافذة الإسلامية فقط، ويرفع التقارير مباشرة إلى الرئيس التنفيذي للمؤسسة الأم، لضمان التزام الإدارة العليا بأهداف النافذة ومنع تضارب المصالح.
التحول إلى شركة تابعة: توصية استراتيجية :
لم يكتفِ المعيار بوضع إطار للحوكمة، بل قدم توصية استراتيجية بعيدة المدى. يوصى بشدة بأن يسمح للنافذة المالية الإسلامية بالانفصال إلى شركة تابعة مملوكة بالكامل أو بشكل جزئي للشركة التقليدية الأم عندما تصل إلى حد معين من الموجودات ورأس المال التنظيمي. هذه التوصية تهدف إلى تحقيق الاستقلالية الكاملة للنافذة، مما يتيح لها النمو والنضج ككيان مالي إسلامي مستقل، ويقلل من المخاطر التشغيلية والسمعة المرتبطة بالتبعية للمؤسسة التقليدية.
متطلبات الكفاءة والنزاهة في القيادة :
يولي المعيار أهمية قصوى لكفاءة ونزاهة القيادة في النافذة الإسلامية. حيث يجب أن يتمتع رئيس (مدير) النافذة بالمعرفة والمؤهلات والخبرة الكافية في مجال المصرفية والمالية الإسلامية، مع الحرص على استيفاء متطلبات النزاهة المالية والأخلاقية والسمعة الحسنة. هذا التركيز على الكفاءة يضمن أن القرارات المتخذة لا تلتزم بالمتطلبات الشرعية فحسب، بل تكون أيضاً سليمة من الناحية التجارية والمالية.
تعزيز الثقة والشفافية :
يمثل معيار أيوفي رقم (23) خطوة نوعية في مسيرة التمويل الإسلامي، فهو لا يفرض قواعد فحسب، بل يرسم مساراً واضحاً لتعزيز الشفافية والمصداقية في نموذج النوافذ الإسلامية. من خلال تطبيق مبادئ الاستقلالية المالية والإدارية والرقابية، يساهم المعيار في تخفيف مخاطر السمعة النظامية، ويعزز الثقة لدى العملاء والمستثمرين بأن الخدمات المقدمة متوافقة تماماً مع الشريعة الإسلامية، مما يدعم استدامة ونمو الصناعة المالية الإسلامية ككل.
المصدر:
مجلس الحوكمة والأخلاقيات بهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI)، معيار الحوكمة الشرعية رقم (23): تطبيق مبادئ الحوكمة الشرعية على النوافذ المالية الإسلامية.
ربما يكون البعض قد قرأ بالفعل العديد من المقالات التي تُفصّل توقعات المحللين للاقتصاد الكلي والأسواق لعام 2026.
لكنني هنا أستعرض عدداً من المخاطر المحتملة: أحداث ذات احتمالية منخفضة نسبياً، لكنها قد تكون ذات تداعيات كبيرة. لماذا؟ لأن استكشاف أقصى الاحتمالات يساعد أحياناً في التغلب على «ضيق الأفق».
وبالنظر إلى التفاؤل السائد (بقيادة الولايات المتحدة) مع بداية العام – بدءاً من التوقعات المتفائلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنهاية عام 2026 وصولاً إلى التوقعات القوية للنمو الاقتصادي الأمريكي – فقد وجدت أنه قد يكون من الأفضل التركيز على أسوأ السيناريوهات المحتملة.
لذلك، فإنه مع بعض التعديلات التي أجدها ضرورية والاستعانة بآراء الخبراء، إليكم أسوأ ثمانية سيناريوهات، بدءاً من الاقتصاد، ثم الجغرافيا السياسية، وانتهاءً ببعض سيناريوهات التكنولوجيا التي تُذكّرنا بمسلسل «المرآة السوداء»:
– الأول: رئيس متساهل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي يُطلق العنان للتضخم: عندما سألتُ كريس جايلز، المعلق الاقتصادي في صحيفة فايننشال تايمز، عن أسوأ سيناريو مُحتمل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، فقال: يتم ترشيح رئيس لمجلس الاحتياطي الفيدرالي مُوالٍ لدونالد ترامب، ويُقرّه الكونغرس في مطلع العام. ولنُسمّه كيفن هاسيت.
ثم يصدر قرار من المحكمة العليا يُفيد بعدم جواز بقاء ليزا كوك في مجلس الاحتياطي الفيدرالي ريثما يُنظر في قضيتها ضد إقالة ترامب. وهذا من شأنه أن يُمكّن ترامب من الحصول على أغلبية مرشحيه في مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
ثم يُمكنهم تخفيف السياسة النقدية بشكل مُفرط. وقد يأتي ضغط إضافي على الأسعار من الإجراءات المالية، بينما تُحمّل الشركات تكاليف رسوم الاستيراد المرتفعة بشكل جدي. ويصبح ارتفاع التضخم أكثر وضوحاً مع اقتراب نهاية العام، وتُصاب أسواق السندات بالذعر، وترتفع علاوات الأجل نتيجة لتوقعات التضخم المرتفعة والمخاوف المالية القائمة.
وهذا من شأنه أن يُؤدي إلى انهيار تقييمات الأسهم المرتفعة. ويمكن أن تُؤدي المؤتمرات الصحفية التي يعقدها هاسيت خلال اجتماعات لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، ويُردد فيها رسائل ترامب بشأن أسعار الفائدة واستقلالية البنك المركزي، إلى اضطرابات في السوق.
– الثاني: عودة حراس السندات: مع استمرار مشكلة الانضباط المالي في العديد من الأسواق المتقدمة، يبقى حراس السندات خطراً قائماً. وتُعد المملكة المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا واليابان من أكثر الدول عرضة للخطر، نظراً لأعباء ديونها.
كذلك، فإن سعي ترامب لحل مشكلة القدرة على تحمل التكاليف في أمريكا قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، إلى جانب إضعاف استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، قد يُؤديان إلى ارتفاع علاوات سندات الخزانة الأمريكية، وبالتالي رفع العوائد في الدول التي تعاني من اختلالات في حسابات الميزانية.
وفي بريطانيا، هناك عدة سيناريوهات يجب أخذها في الاعتبار. فاستمرار انخفاض النمو وتراجع الثقة يعني أن المخاوف بشأن المزيد من الزيادات الضريبية قد تعود للظهور مع اقتراب الأحداث المالية (خاصة وأن وزيرة الخزانة راشيل ريفز قد أرجأت الكثير من إجراءات ضبط الأوضاع إلى نهاية الدورة البرلمانية). ومن المخاطر الأخرى استقالة رئيس الوزراء كير ستارمر أو ريفز، ربما بعد الأداء الضعيف في الانتخابات المحلية في مايو.
وكما تشير روث غريغوري، نائبة كبير الاقتصاديين البريطانيين في «كابيتال إيكونوميكس»: «فإنه إذا تم استبدال ستارمر وريفز بفريق قيادي جديد ذي ميول يسارية يُضعف الضوابط المالية العامة ويتعهد بزيادات كبيرة في الإنفاق والاقتراض الحكوميين، فقد نشهد ارتفاعاً حاداً في العائدات، ربما إلى ما يزيد على 5% على عائد السندات لأجل 10 سنوات».
– الثالث: أن يكون لقرار المحكمة العليا بشأن الرسوم الجمركية عواقب غير مقصودة: تشير منصات التنبؤ الإلكترونية إلى أن احتمالية رفض المحكمة العليا الأمريكية للرسوم الجمركية التي فرضها ترامب بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية تبلغ حالياً حوالي 75%. ومن المتوقع صدور القرار قريباً. وإذا صدر، فسيكون بمثابة ارتياح للاقتصاد العالمي. ولكن سيكون هناك تداعيات يجب أخذها في الاعتبار.
أولاً، قد يُصعّد ترامب الغاضب من فرض الرسوم باستخدام أدوات تشريعية أخرى. وقد يستغرق تنفيذ بعضها وقتاً، لكنها قد تؤدي مع ذلك إلى فرض رسوم عقابية على دول وقطاعات معينة. بل من الممكن فرض رسوم جمركية أعلى على الصين، التي تُعد الأسواق الأكثر حساسية لها. وعلى أي حال، قد يؤدي هذا إلى تفاقم حالة عدم اليقين في التجارة وسلاسل التوريد مقارنة بعام 2025.
ثانياً، قد تُجبر المحكمة البيت الأبيض على ردّ الإيرادات التي دفعها المستوردون الأمريكيون. ويمكن أن يحدث هذا في نهاية المطاف حالة من الذعر في أسواق الدخل الثابت الأمريكية، لا سيما إذا ما استُنفدت السبل القانونية الأخرى لرفع الرسوم الجمركية. وفي الواقع، يُؤكد مستثمرو السندات ووكالات التصنيف الائتماني على الدور المهم الذي يُتوقع أن تلعبه مصادر الإيرادات الجمركية الحالية في كبح عجز الميزانية الأمريكية.
وبالنسبة للجغرافيا السياسية، فقد قلبت إدارة ترامب الثانية تعريف «البجعة السوداء» رأساً على عقب. وفي ما يلي سيناريوهات ثلاثة وضعها ماركو بابيتش، كبير الاستراتيجيين في شركة «بي سي أيه ريسيرش»:
– الأول: سقوط الغرب: بعد نجاح عملية احتجاز الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الأراضي الأمريكية، يأمر ترامب الجيش الأمريكي بالاستيلاء على غرينلاند. ومن ثم تنسحب الدنمارك من حلف الناتو، وتنضم إليها دول الشمال الأوروبي في تحالف عسكري جديد. وهكذا، ينهار عماد التحالف الغربي. كما تبدأ كندا مبادرة لإعادة التسلح لردع الولايات المتحدة.
بينما قد يؤدي هذا إلى عزوف المستثمرين عن المخاطرة في الأسواق، يرى بابيتش أن هناك مجالاً لازدهار الأصول الأوروبية أيضاً، حيث سيؤدي الانفصال عن الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى إجبار الأوروبيين على تعميق التكامل بشكل جذري. وسيتم حسم مسألة ما إذا كانت أوروبا كياناً جيوسياسياً.
– الثاني: نسخة خاصة من «تشاك نوريس» (الفنان الأمريكي الذي اشتهر ببراعته في مجال الفنون القتالية): فقد يبدأ الرئيس ترامب بتطبيق تكتيك مادورو على دول أخرى، لكنه سيختار في النهاية دولة لديها القدرة على الرد: إيران مثلاً. حينها قد ترد طهران باستخدام أدوات منخفضة التكلفة – طائرات بدون طيار أو قوارب زودياك محملة بمادة تي إن تي – لتعطيل شحن النفط عبر مضيق هرمز.
وترتفع أسعار النفط بشكل حاد قبيل انتخابات التجديد النصفي، مما يُوقع ترامب في دوامة من تراجع شعبيته، ويُعيق النمو الاقتصادي العالمي، ويُثير حالة من التشاؤم.
– الثالث: نسخة مميزة من «عصر الإمبراطوريات»: تكون مستوحاة من احترام ترامب الجديد لعالم مناطق النفوذ، لتُقرر الصين ترسيخ نفوذها.
وفي ظل حالة الفوضى التي تعصف بحلف الناتو بسبب الحرب الأمريكية المحتملة مع الدنمارك، وعودة الفوضى إلى الشرق الأوسط مع تهديد ترامب بتغيير النظام في إيران، تُقرر بكين غزو تايوان.
وسيكون هذا هو الخطر الأكبر لعام 2026، مع انخفاض أسواق الأسهم، وارتفاع أسهم شركات الدفاع، وتقلب أسعار السلع الأساسية بشكل كبير. وبحسب بابيك، تبلغ احتمالية تحقق هذه المخاطر خلال العام الجاري: 10 %، 40 %، 10% على التوالي.
والآن، ننتقل إلى قطاع التكنولوجيا، حيث يمكن أن نجد سيناريوهين بارزين:
– الأول: تتسبب برامج الدردشة الآلية في انهيار السوق: وهذا السيناريو مستوحى من كتاب جيمس يكاردز «MoneyGPT» الصادر عام 2024. وفي أحد السيناريوهات، قد تنتشر البيانات الصحفية المُولّدة بالذكاء الاصطناعي أو تقنية التزييف العميق بسرعة كبيرة، مُسببة معلومات مضللة عن الشركات أو البنوك أو الحكومات، مما يُؤدي إلى عمليات بيع بدافع الذعر.
كما يمكن أن تُثير الشائعات حول الأوضاع المالية لشركات التكنولوجيا السبع الكبرى ضجة كبيرة، نظراً لتركزها العالي في السوق. وقد يتفاقم هذا الوضع بسبب خوارزميات التداول الآلي التي تتفاعل مع نفس الإشارات الخاطئة، مما يُضاعف من حدة التقلبات.
ويقول ريكاردز: «يؤدي غياب الخبرة المتخصصة في مرحلة تصميم الذكاء الاصطناعي إلى اعتماد الجميع على استراتيجية تداول واحدة. ولا وجود لمن يخالف التيار. ولا يوجد سوى الذعر والبيع المتواصل، لأن هذا كل ما يعرفه الذكاء الاصطناعي».
وللمقارنة، يُقدّر حجم التداولات الخوارزمية بنحو 60 – 70% من حجم التداول في الأسواق العالمية الرئيسية. (بل إن هذه النسبة أعلى في بعض القطاعات، مثل العملات المشفرة).
– الثاني: الهجمات على البنية التحتية: فقد كلّف الهجوم الإلكتروني الذي استهدف شركة جاكوار لاند روفر العام الماضي الاقتصاد البريطاني حوالي 1.9 مليار جنيه إسترليني، وأوضح كيف يمكن لاختراق شركة واحدة أن ينتشر عبر سلاسل التوريد.
والآن، لننظر إلى هذا على نطاق مختلف. على غرار مسلسل الإثارة «يوم الصفر» على نتفليكس، حيث يمكن أن تتسبب الهجمات على شبكات الطاقة في انقطاعات طويلة للتيار الكهربائي، ما يؤدي إلى توقف الأعمال، والأهم من ذلك، الخدمات المالية. (شهدت برلين هذا الشهر أطول انقطاع للتيار الكهربائي منذ الحرب العالمية الثانية، إثر هجوم متعمد ألحق أضراراً بالعديد من كابلات الجهد العالي بالقرب من محطة توليد كهرباء).
كما قد يؤدي تعطل أنظمة الدفع أو شبكات التحويلات المصرفية إلى تجميد المعاملات، بينما قد تُشلّ الهجمات على الموانئ أو الخدمات اللوجستية أو أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS) سلاسل التوريد العالمية.
ربما أثار كل هذا قلقك. لكن المخاطر النادرة ليست تنبؤات، بل هي أدوات مساعدة، حيث يمكن أن يسهم استكشاف السيناريوهات غير المحتملة لكن ذات التأثير الكبير في تحديد نقاط الضعف وتجاوز الثغرات.
ومن المهم أن نتذكر أن هذه السيناريوهات ليست حالات أساسية، لكن تقييمها الآن على الأقل يُبقينا منفتحين على الاحتمالات. في عام شهد العديد من الأحداث غير المتوقعة خلال أيام معدودة، فهذا أمر يمكن أن يكون محموداً ومفيداً بدرجة كبيرة.
حذّر أكثر من 60 خبيراً اقتصادياً من أن فشل مشروع اليورو الرقمي سيجعل منطقة اليورو أكثر اعتماداً على الشركات الأميركية، بما يهدد سيادة أوروبا النقدية ويعرضها لمخاطر جيوسياسية خارج سيطرتها.
وفي رسالة مفتوحة إلى أعضاء البرلمان الأوروبي، قال الاقتصاديون، ومن بينهم الفرنسي الشهير توماس بيكيتي، إن “اليورو الرقمي ليس رفاهية، بل هو ضمانة أساسية لحماية سيادة أوروبا واستقرارها ومتانتها”. وجاءت الرسالة قبل جلسة مرتقبة للبرلمان الأوروبي الأسبوع المقبل لمناقشة المشروع، بحسب ما ذكرته صحيفة “فاينانشال تايمز”، واطلعت عليه “العربية Business”.
المجلس الأوروبي كان قد أيد خطة البنك المركزي الأوروبي لإطلاق نسخة إلكترونية من النقد بحلول عام 2029، لكن التصويت الحاسم في البرلمان الأوروبي لاحقاً هذا العام لا يزال غير مضمون.
مخاطر الاعتماد على الخارج
الرسالة، التي وقعها 68 أكاديمياً بينهم إريك مونيه من فرنسا، ويان بيتر كراهنن من ألمانيا، ودانييلا غابور من لندن، شددت على أن أوروبا تعتمد بشكل مفرط على خدمات الدفع الرقمية الأميركية مثل “فيزا” و”ماستركارد” و”باي بال”، وهو ما يفتح الباب أمام “نفوذ جيوسياسي ومصالح تجارية أجنبية ومخاطر نظامية خارج نطاق السيطرة الأوروبية”.
وأشار الموقعون إلى أن 13 دولة في منطقة اليورو لا تملك أي خيار محلي للدفع الرقمي، وتعتمد بالكامل على الشبكات الدولية.
ضغوط البنوك الأوروبية
في المقابل، تكثف البنوك الأوروبية جهودها للضغط من أجل تقليص المشروع. ففي نوفمبر الماضي، حذرت 14 مؤسسة مصرفية كبرى، بينها “دويتشه بنك” و”بي إن بي باريبا” و”آي إن جي”، من أن اليورو الرقمي قد يضر بمساعي القطاع الخاص لمنافسة أنظمة الدفع الأميركية.
اللجنة المصرفية الألمانية وصفت خطط البنك المركزي الأوروبي بأنها “معقدة للغاية” و”باهظة التكلفة”، معتبرة أنها تقدم “فوائد محدودة للمستهلكين”. كما دعا النائب الإسباني المحافظ فرناندو نافاريتي، المكلّف بتقييم المشروع، إلى نسخة مخففة منه.
سقف 3 آلاف يورو لكل فرد
الرسالة المفتوحة أطلقتها مجموعة “سستينابل فاينانس لاب” الهولندية بالتعاون مع بنك “تريودوس” المتخصص في التمويل المستدام، والذي يدعم خطة البنك المركزي الأوروبي.
وقال كبير اقتصاديي البنك، هانز ستيغمان، إن البنوك تخشى فقدان جزء من ودائع الأفراد التي تمثل مصدراً رخيصاً ومستقراً للتمويل، إذ تسمح الخطة الحالية لكل شخص بالاحتفاظ بما يصل إلى 3 آلاف يورو في محفظة رقمية، وهو مبلغ لن يكون متاحاً كوديعة مصرفية.
وأضاف ستيغمان: “نريد نظاماً مالياً يخدم المجتمع، لا العكس”، مؤكداً أن وجود نظام دفع إلكتروني عام يعد جزءاً أساسياً من ذلك.
قفزت أسعار الذهب متجاوزة حاجز 4600 دولار للأونصة التاريخي يوم الاثنين، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية وتوقعات بتبني الولايات المتحدة سياسة نقدية تيسيرية. وسجَّل المعدن النفيس بذلك أول مستوياته القياسية لعام 2026، مواصلاً سلسلة من الارتفاعات التاريخية التي شهدها العام الماضي.
فيما يلي استعراض لأهم قنوات الاستثمار في الذهب:
1- السوق الفورية
عادة ما يقوم كبار المشترين والمؤسسات الاستثمارية بشراء الذهب من البنوك الكبرى؛ حيث تتحدد الأسعار في السوق الفورية بناءً على ديناميكيات العرض والطلب في الوقت الفعلي.
وتُعد لندن المركز الأكثر تأثيراً في سوق الذهب الفورية؛ حيث تضع «جمعية سوق السبائك في لندن» (LBMA) المعايير المنظمة للتداول، وتوفر إطاراً للتعاملات خارج البورصة (OTC) لتسهيل الصفقات بين البنوك والتجار والمؤسسات. كما تُعتبر الصين والهند والشرق الأوسط والولايات المتحدة مراكز عالمية رئيسية لتداول الذهب، وفق «رويترز».
2- سوق العقود الآجلة
يمكن للمستثمرين الحصول على «انكشاف» على الذهب عبر بورصات العقود الآجلة؛ حيث يتم شراء أو بيع السلعة بسعر ثابت وتاريخ تسليم محدد في المستقبل.
وتُعد بورصة «كومكس»، التابعة لبورصة نيويورك التجارية، أكبر سوق للعقود الآجلة للذهب من حيث أحجام التداول. كما تبرز بورصة شنغهاي للعقود الآجلة في الصين، وبورصة طوكيو للسلع، كلاعبين رئيسيين في السوق الآسيوية.
3- المنتجات المتداولة في البورصة (ETFs)
تُصدر صناديق المؤشرات المتداولة أوراقاً مالية مدعومة بمعدن فيزيائي، مما يتيح للمستثمرين الاستفادة من تحركات أسعار الذهب دون الحاجة إلى التسلُّم الفعلي للمعدن.
ووفقاً لبيانات «مجلس الذهب العالمي»، شهدت صناديق المؤشرات المتداولة عالمياً في عام 2025 أقوى تدفقات وافدة في تاريخها، بقيادة الصناديق في أميركا الشمالية؛ حيث ارتفعت التدفقات السنوية لتصل إلى 89 مليار دولار.
4- السبائك والعملات المعدنية
يمكن لصغار المستثمرين شراء الذهب من تجار المعادن الذين يبيعون السبائك والعملات في المتاجر التقليدية أو عبر الإنترنت، وكلاهما يعد وسيلة فعالة للاستثمار المباشر في الذهب الفيزيائي.
ما هي محركات السوق؟
– اهتمام المستثمرين ومعنويات السوق: يعد ازدياد إقبال صناديق الاستثمار في السنوات الأخيرة عاملاً حاسماً في تحركات أسعار الذهب؛ حيث تتأثر المعنويات باتجاهات السوق والأنباء والأحداث العالمية، مما يغذي عمليات البيع والشراء المضاربية.
– أسعار صرف العملات الأجنبية: يُعد الذهب أداة تحوط شهيرة ضد تقلبات أسواق العملات. وتقليدياً، يتحرك الذهب في اتجاه معاكس للدولار الأميركي؛ إذ إن ضعف العملة الأميركية يجعل الذهب المقوم بالدولار أقل تكلفة لحائزي العملات الأخرى، والعكس صحيح.
– السياسة النقدية والتوترات السياسية: يُصنف المعدن الأصفر على نطاق واسع كـ«ملاذ آمن» في أوقات عدم اليقين. وقد أدت الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على مدار العام الماضي إلى إشعال حرب تجارية عالمية أربكت أسواق العملات. كما ساهمت تحركات ترمب بشأن فنزويلا وتصريحاته حول الاستحواذ على «غرينلاند» في زيادة حدة التقلبات.
علاوة على ذلك، تؤثر قرارات البنوك المركزية العالمية على مسار الذهب؛ إذ إن خفض أسعار الفائدة يقلل من «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة الذهب الذي لا يدر عائداً.
– احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية: تحتفظ البنوك المركزية بالذهب ضمن احتياطياتها، وقد ظل الطلب من هذا القطاع قوياً نتيجة عدم اليقين الاقتصادي والسياسي.
وأظهر مسح سنوي لمجلس الذهب العالمي في يونيو (حزيران) أن مزيداً من البنوك المركزية تخطط لزيادة احتياطياتها من الذهب خلال عام رغم الأسعار المرتفعة. وقد بلغ صافي مشتريات البنوك المركزية في نوفمبر (تشرين الثاني) 45 طناً مترياً، ليصل إجمالي المشتريات في أول 11 شهراً من عام 2025 إلى 297 طناً، مع استمرار البنوك المركزية في الأسواق الناشئة في عمليات الشراء المكثفة. كما واصلت الصين تعزيز احتياطياتها للشهر الرابع عشر على التوالي، ليصل إجمالي حيازاتها إلى 74.15 مليون أونصة تروي بنهاية ديسمبر (كانون الأول).
أكد وزير المالية الألماني، لارس كلينغبايل، يوم الاثنين، أن استقلالية البنوك المركزية تُعد «خطاً فاصلاً واضحاً» بالنسبة له، وذلك رداً على سؤال حول التحقيق الذي تجريه وزارة العدل الأميركية مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول.
وقال كلينغبايل في واشنطن: «نحن في ألمانيا نولي أهمية بالغة لاستقلالية البنوك المركزية. بالنسبة لي، بصفتي وزيراً للمالية، هذا خط فاصل واضح»، وفق «رويترز».
وتأتي تصريحاته في وقت صعّدت فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مهددة بتوجيه اتهامات إلى باول بسبب شهاداته أمام الكونغرس بشأن مشروع ترميم مبنى الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما وصفه باول بأنه «ذريعة» تهدف إلى ممارسة مزيد من النفوذ على سياسة أسعار الفائدة التي يسعى ترمب إلى خفضها بشكل كبير.
وأضاف كلينغبايل أن ألمانيا تبذل جهوداً كبيرة للحفاظ على التواصل مع الشركاء الأميركيين، لكنه أقر بأن المناقشات تزداد صعوبة وتتفاقم الخلافات. وقال: «أعتقد أن الانقسام بين أوروبا والولايات المتحدة يضر بالعالم، ولهذا السبب أنا هنا لأوجه رسالة واضحة: نريد التعاون والتنسيق».
والوزير الألماني موجود في واشنطن لحضور اجتماع وزراء مالية مجموعة الدول السبع الاقتصادية المتقدمة، الذي ستشارك فيه أيضاً أستراليا والمكسيك وكوريا الجنوبية والهند.
تجاوز سعر الذهب 4600 دولاراً للأونصة (الأوقية) للمرة الأولى اليوم الاثنين، في حين قفزت الفضة أيضاً إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق، مدعومة بحالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي وتزايد التوقعات بخفض أسعار الفائدة الأميركية.
ارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنحو 1.5 بالمئة ليصل إلى 4478.79 دولاراً للأونصة بحلول لساعة 01:27 بتوقيت غرينتش. وكان المعدن النفيس سجّل مستوى قياسيّاً جديداً عند 4600.33 دولار في وقت سابق من الجلسة.
ارتفعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم شباط/ فبراير اثنين بالمئة إلى 4591.10 دولاراً.
وقالت منظمة حقوقية أمس الأحد، إنّ الاضطرابات في إيران أسفرت عن مقتل أكثر من 500 شخص، في حين هددت طهران باستهداف القواعد العسكرية الأميركية إذا نفّذ الرئيس دونالد ترامب تهديداته المتجددة بتوجيه ضربات للبلاد من أجل المحتجين.
وتأتي الاضطرابات الإيرانية في الوقت الذي يستعرض فيه ترامب قوّة الولايات المتحدة على الصعيد الدولي، بعد أن أطاح بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ويناقش الاستحواذ على غرينلاند بالشراء أو بالقوة.
وأظهرت بيانات يوم الجمعة أن نمو التوظيف في الولايات المتحدة تباطأ أكثر من المتوقع في كانون الأول/ ديسمبر، وسط فقدان للوظائف في قطاعات البناء والتجزئة والتصنيع.
ومع ذلك، أشار انخفاض معدل البطالة إلى أن سوق العمل لم يتدهور بسرعة.
ويتوقع المستثمرون حاليّاً أن يقوم مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) بخفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل هذا العام. ويزيد ضعف سوق العمل من احتمالية خفض أسعار الفائدة.
وقد ترتفع أسعار الذهب إلى 5000 دولار للأونصة في النصف الأول من عام 2026 بسبب ارتفاع المخاطر الجيوسياسية والديون، وفقا لما ذكره بنك (إتش.إس.بي.سي).
ارتفعت الفضة في المعاملات الفورية 4.4 بالمئة إلى 83.50 دولاراً للأونصة بعد أن سجلت أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 83.96 دولاراً في وقت سابق من اليوم.
وزاد البلاتين في المعاملات الفورية 2.9 بالمئة إلى 2338.54 دولاراً للأونصة بعد أن سجل أعلى مستوى قياسي عند 2478.50 دولاراً في 29 كانون الأول/ ديسمبر.
كما ارتفع البلاديوم 4.2 بالمئة إلى 1892.18 دولاراً للأونصة.
اتفقت كبرى البنوك والمؤسسات المالية العالمية على أن الذكاء الاصطناعي كان المحرك الأبرز للنشاط الاقتصادي والاستثماري في عام 2025، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها هذا القطاع. ورغم الإجماع على استمرار موجة الاستثمار خلال عام 2026، فإن التقديرات اختلفت بشأن حجم العوائد المتوقعة، والمخاطر المصاحبة، وما إذا كانت الأسواق تقترب من ذروة دورة استثمارية استثنائية أم لا تزال في بدايتها.
يُعد «جيه بي مورغان» من أكثر البنوك تفاؤلًا بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي، إذ يرى أن هذه التقنية ستواصل إحداث تحولات عميقة في الاقتصاد العالمي والفرص الاستثمارية. ويتوقع البنك أن تتجاوز استثمارات شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى 500 مليار دولار، مقارنة بنحو 150 مليار دولار في 2023، بما يعادل قرابة ربع إجمالي الإنفاق الرأسمالي في السوق الأمريكية، وفق الشرق بلومبيرغ.
ويشير البنك إلى أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا يزال محدودًا نسبيًا قياسًا بحجم الاقتصاد العالمي، إذ لا يتجاوز حاليًا %1 من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل نسب تراوحت بين %2 و%5 خلال دورات استثمارية تاريخية كبرى، مثل الكهرباء والسكك الحديد والاتصالات، ما يعني أن الطفرة الحالية لا تزال في مراحلها الأولى.
من جهتها، ترى «بلاك روك» أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل الاقتصادات والأسواق خلال 2026، مشيرة إلى أن الاستثمار في هذا القطاع في الولايات المتحدة تضاعف ثلاث مرات مقارنة بمتوسطه التاريخي.
من هم المستفيدون الحقيقيون؟
يؤكد بن باول، كبير إستراتيجيي الاستثمار لمنطقة آسيا في «بلاك روك»، أن موجة الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لم تبلغ ذروتها بعد، وأن شركات التكنولوجيا الكبرى لا تزال تتسابق لتعزيز قدراتها التنافسية دون مؤشرات واضحة على تباطؤ الاستثمار.
ويرى باول أن المستفيدين الرئيسيين من هذه الدورة لا يقتصرون على مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي، بل يشملون بالأساس الشركات التي توفر البنية التحتية اللازمة، مثل مصنعي الرقائق، وشركات الطاقة، وموردي النحاس، ومعدات الشبكات، في ظل الطلب المتسارع على مراكز البيانات وقدرات المعالجة.
أما «باركليز» فيتوقع أن ينتقل مركز الثقل الاستثماري تدريجيًا من الشركات المطورة للتقنية إلى الشركات التي تتبناها وتوظفها، خصوصًا في قطاعات الرعاية الصحية والدفاع والأمن السيبراني.
محرّك للأرباح
من بريطانيا، يرى «إتش إس بي سي» أن التشاؤم بشأن ضعف العوائد من استثمارات الذكاء الاصطناعي مبالغ فيه، مؤكدًا أن الابتكار سيظل المحرك الرئيسي لنمو أرباح الشركات عالميًا خلال 2026. كما يشير إلى أن آسيا ستشكل إحدى أهم ساحات النمو، مع بروز الصين واليابان وكوريا الجنوبية كاقتصادات تقودها الابتكارات، في حين تظل هونغ كونغ وسنغافورة جذابتين بفضل تقييماتهما المنخفضة وعوائد الأرباح المرتفعة.
ويضيف البنك أن موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تدفع إلى تسارع الإنفاق على مراكز البيانات، ما يعزز الطلب على الطاقة ويوفر فرصًا واسعة في قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات المالية والمرافق.
وفي السياق نفسه، يرى «دويتشه بنك» أن الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي سيكون من العوامل الداعمة لارتفاع الأسواق خلال 2026.
عوائد أقل
على الجانب الأكثر تحفظًا، يتوقع «غولدمان ساكس» أن يستمر إنفاق الشركات الكبرى على الذكاء الاصطناعي بوتيرة تفوق التوقعات، لكنه يرجح أن تبقى العوائد محدودة نسبيًا في المدى القريب. ويشير إلى أن هذه التقنية تقود نموًا غير مسبوق في قطاعات أشباه الموصلات والبرمجيات والأمن السيبراني والخدمات المالية، وأن المحللين دأبوا على التقليل من حجم الإنفاق الفعلي خلال العامين الماضيين.
ورغم عدم تقديمه رقمًا محددًا لاستثمارات 2026، يتوقع البنك أن يقترب الإنفاق السنوي من تريليون دولار بحلول 2027.
مخاطر التركّز
يتفق «فانغارد» مع الرأي القائل إن دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا تزال في بدايتها، مشيرًا إلى تعهد شركات كبرى مثل «أمازون» و«ألفابت» و«مايكروسوفت» و«إنفيديا» و«أبل» و«تسلا» و«أوراكل» بإنفاق يصل إلى 2.1 تريليون دولار حتى 2027. لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن هذه المرحلة قد تنتج مشهدًا استثماريًا محدود الفرص وعالي المخاطر في حال لم تتحقق العوائد المرجوة.
وفي السياق ذاته، يشدد «ستاندرد تشارترد» على ضرورة عدم حصر الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا وحده، في ظل اتساع الفجوات بين القطاعات والأسواق.
من الإنفاق إلى العائد
يحذر «بنك أوف أمريكا» من أن العوائد المستقبلية على استثمارات الذكاء الاصطناعي قد تكون أقل من دورات الاستثمار السابقة، رغم استمرار التدفقات النقدية القوية. ويشير إلى أن التركيز بدأ يتحول من كثافة الإنفاق إلى تحقيق العوائد وتعزيز المزايا التنافسية.
ويقدّر البنك أن الإنفاق على مراكز البيانات ساهم في رفع نمو الناتج المحلي في الولايات المتحدة والصين بنحو 1.4 إلى 1.5 نقطة مئوية في الفصول الأخيرة، ويتوقع استمرار هذا الأثر خلال 2026. كما يرى أن فرص الإيرادات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تتجاوز تريليون دولار خلال خمس سنوات.
أما «مورغان ستانلي» فيتوقع أن يهيمن التمويل المرتبط بالتكنولوجيا على أسواق الائتمان، مع إنفاق رأسمالي على مراكز البيانات قد يصل إلى 3 تريليونات دولار، لم يُنفذ منها سوى أقل من %20 حتى الآن.
تباطؤ في الأفق
تتوقع «فرانكلين تمبلتون» أن يشهد الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي تباطؤًا في 2026 بعد تجاوز المستويات التاريخية في 2025، نتيجة سياسات التجارة العالمية وتسريع الشركات مشترياتها قبل فرض رسوم جمركية. لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن الاستثمار في هذا القطاع لا يزال في بدايته، وأن خطط الإنفاق الضخمة ستطلق دورة جديدة في استثمارات الطاقة.
ورغم الحديث المتزايد عن احتمال تشكل «فقاعة ذكاء اصطناعي»، ترى الشركة أن التركيز يجب أن يبقى على الإمكانات طويلة المدى للتقنية.
تحديات التبني وأسعار الطاقة
يتبنى «سيتي» موقفًا حذرًا، محذرًا من مخاطر في التقييمات، رغم إقراره بدور الذكاء الاصطناعي في دعم النشاط الاقتصادي خلال 2025. ويرى أن تبني التكنولوجيا لن يكون سلسًا بالكامل، وأن تراجعًا حادًا في القطاع غير مرجح لكنه يبقى أحد المخاطر المحتملة.
أما «بي إن بي باريبا» فيتوقع أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى رفع الإنتاجية على المدى الطويل، لكنه قد يفرض ضغوطًا على أسعار الطاقة في الأجل القريب.
ناشد أكثر من 60 خبيراً اقتصادياً أعضاء البرلمان الأوروبي دعم اليورو الرقمي، محذرين من أن منطقة اليورو ستفقد السيطرة على عملتها وتصبح أكثر اعتماداً على الشركات الأميركية في حال فشل المشروع.
ويؤكد هؤلاء الاقتصاديون، بمن فيهم الأكاديمي الفرنسي توماس بيكيتي، في رسالة مفتوحة إلى أعضاء البرلمان الأوروبي قبل جلسة استماع البرلمان الأوروبي حول هذا الموضوع الأسبوع المقبل، أن “اليورو الرقمي العام القوي ليس مجرد أمر ثانوي، بل هو ضمانة أساسية للسيادة والاستقرار والمرونة الأوروبية”.
أيد المجلس الأوروبي خطة البنك المركزي الأوروبي لإطلاق نظام إلكتروني بديل للنقد بحلول عام 2029. إلا أنه من غير الواضح ما إذا كان هذا المقترح سيحظى بالدعم اللازم من أغلبية البرلمان الأوروبي في تصويت حاسم سيُجرى في وقت لاحق من هذا العام.
ويؤكد الموقعون الـ 68 على الرسالة المفتوحة، والذين يضمون أيضاً أكاديميين أوروبيين مثل الفرنسي إريك مونيه، والألماني يان بيتر كراهنين، والمقيمة في لندن دانييلا غابور، أن المنطقة تعتمد بشكل مفرط على خدمات الدفع الرقمي الأميركية، مما قد يعرضها لـ “تأثيرات جيوسياسية، ومصالح تجارية أجنبية، ومخاطر نظامية خارجة عن سيطرة أوروبا”.
يشير الاقتصاديون إلى أن ثلاثة عشر دولة في منطقة اليورو تفتقر إلى أي خيار للدفع الرقمي المحلي، وتعتمد “كلياً على أنظمة البطاقات الدولية” مثل فيزا وماستركارد وباي بال.
ودون ذكر اسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تشير الرسالة إلى “تطورات حديثة” جعلت هذه المخاطر “واقعية”.
تحذير وسط الضغوط
وجاء في الرسالة التي أُرسلت إلى 720 عضواً في البرلمان الأوروبي يوم الجمعة، واطلعت عليها صحيفة فايننشال تايمز: “ستفقد أوروبا السيطرة على العنصر الأساسي في اقتصادنا: عملتنا. إن وجود يورو رقمي عام قوي هو دفاعنا الوحيد”.
يضغط القطاع المصرفي الأوروبي لتقليص مشروع اليورو الرقمي. ففي نوفمبر/تشرين الثاني، حذّرت 14 من أكبر البنوك في المنطقة، بما فيها دويتشه بنك، وبي إن بي باريبا، وآي إن جي، من أن اليورو الرقمي قد يُقوّض جهود القطاع الخاص في أوروبا لمنافسة أنظمة الدفع الأميركية.
وصفت لجنة الصناعة المصرفية الألمانية، وهي أعلى هيئة ضغط مصرفية في البلاد، خطط البنك المركزي الأوروبي بأنها “معقدة للغاية” و”مكلفة للغاية”، محذرةً من أنها “لا تُقدّم سوى فائدة ملموسة ضئيلة للمستهلكين”.
من جانبه، دعا فرناندو نافاريتي، عضو البرلمان الأوروبي المحافظ من إسبانيا، والذي عُيّن من قبل البرلمان الأوروبي لتقييم اليورو الرقمي، إلى نسخة مُصغّرة بشكل كبير من المشروع.
وحثّ 68 خبيراً اقتصادياً صانعي السياسات في الاتحاد الأوروبي على “مقاومة جماعات الضغط المالية قصيرة النظر”.
وقد أُطلقت هذه الرسالة المفتوحة بمبادرة من مركز الأبحاث الأكاديمي “مختبر التمويل المستدام” في أوتريخت، وبنك “ترايودوس” الهولندي، وهو بنك مُتخصص في الاستدامة ويدعم خطة البنك المركزي الأوروبي.
أحد الموقعين على الرسالة كبير الاقتصاديين في بنك ترايودوس، هانز ستيجمان، قال إنه يعتقد أن البنوك الأخرى قلقة من احتمال فقدانها جزءاً كبيراً من ودائع عملاء التجزئة، الذين يمثلون حالياً مصدر تمويل رخيصاً ومضموناً.
وبموجب الخطط الحالية، سيتمكن كل فرد من الاحتفاظ بما يصل إلى 3000 يورو في محفظته الرقمية. ولن يكون هذا المبلغ متاحاً كوديعة نقدية لدى بنوك القطاع الخاص.
وأضاف ستيجمان: “نريد نظاماً مالياً يخدم المجتمع لا العكس”، مؤكداً أن نظام المدفوعات الإلكترونية العامة عنصرٌ أساسي في ذلك.
بعد أن سجلت بيتكوين مستوى قياسي تجاوز 126 ألف دولار في أكتوبر الماضي ثم هبطت إلى نحو 80 ألف دولار بنهاية العام، يرى خبراء الصناعة والمستثمرون أن العملة المشفرة قد تصل إلى قمم جديدة في 2026، لكن مع تقلبات ضخمة محتملة، حسب تقرير لشبكة CNBC الأربعاء 7يناير/كانون الثاني.
في تقرير CNBC السنوي لتوقعات بيتكوين، جاءت التقديرات ضمن نطاق واسع: من 75 ألف دولار إلى 225 ألف دولار.
خلفية السوق
العام الماضي استفاد سوق العملات المشفرة من بيئة تنظيمية أكثر ملاءمة في الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إضافة إلى دخول مؤسسات مالية كبرى ومستثمرين تقليديين.
شهدت السوق أيضاً طفرة في شركات “خزائن الأصول الرقمية” (DAT) التي تراكم كميات كبيرة من بيتكوين والعملات الرقمية الأخرى.
مع نهاية العام، أدى بيع واسع للعملات الرقمية إلى تصفيات قسرية، مما زاد الضغوط على السوق.
قال أليكس ثورن، رئيس الأبحاث في Galaxy: “نحن في بيئة استثمارية معقدة: تقييمات الأسهم مرتفعة، الوضع الجيوسياسي مضطرب، هناك مخاوف بشأن استدامة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، والسياسة النقدية في حالة تحول، إضافة إلى الانتخابات النصفية الأميركية المقبلة.”
وأضاف: “في ظل هذا المشهد، من الصعب التنبؤ بمسار بيتكوين في 2026.”
أبرز التوقعات:
كارول ألكسندر (جامعة ساسكس): بين 75,000 و150,000 دولار، مع متوسط حول 110,000 دولار.
– CoinShares (جيمس باترفيل): بين 120,000 و170,000 دولار، مع تحسن الأداء في النصف الثاني من العام.
– ستاندرد تشارترد: 150,000 دولار، بعد خفض توقعاته من 300,000 دولار.
– Bit Mining (يووي يانغ): نطاق واسع بين 75,000 و225,000 دولار، مع تقلبات قوية متوقعة.
– Nexo (إيليا كالتشيف): بين 150,000 و200,000 دولار، مع تراجع ضغط البيع وارتفاع تخصيص المؤسسات.
توقعات بيتكوين لعام 2026 تتراوح بين سيناريوهات متحفظة عند 75 ألف دولار وتقديرات متفائلة تصل إلى 225 ألف دولار، وسط بيئة استثمارية مليئة بالتقلبات والمخاطر الجيوسياسية، لكن أيضاً بفرص نمو مع توسع المؤسسات وتراجع أسعار الفائدة.
توقع تقرير الأمم المتحدة “الوضع الاقتصادي العالمي وآفاقه لعام 2026” أن ينمو الناتج الاقتصادي العالمي 2.7% في 2026، أقل من 2.8% في 2025، وأدنى بكثير من متوسط ما قبل الجائحة البالغ 3.2%.
وأوضح التقرير أن المرونة غير المتوقعة في مواجهة الزيادات الحادة في الرسوم الجمركية الأمريكية -بدعم من قوة الإنفاق الاستهلاكي وتراجع التضخم- أسهمت في استمرار النمو، لكنه حذر من نقاط ضعف هيكلية تتمثل في ضعف الاستثمار وضيق الحيز المالي، ما قد يثبت مسارًا أبطأ للنمو مقارنة بفترة ما قبل الجائحة.
وأفاد أن التخفيف الجزئي للتوترات التجارية حدّ من الاضطرابات في التجارة الدولية، لكنه توقع أن يصبح أثر الرسوم المرتفعة، مع تصاعد عدم اليقين الاقتصادي الكلي، أكثر وضوحًا خلال 2026.
وأشار التقرير إلى تحسن الأوضاع المالية مع التيسير النقدي وتحسن المعنويات، مع بقاء المخاطر مرتفعة بسبب ارتفاع التقييمات، خاصة في القطاعات المرتبطة بالتطورات السريعة في الذكاء الاصطناعي، بينما تقيد الديون وتكاليف الاقتراض المرتفعة خيارات السياسات لدى كثير من الاقتصادات النامية.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: “إن التوترات الاقتصادية والجيوسياسية والتكنولوجية تعيد تشكيل المشهد العالمي وتولد حالة جديدة من عدم اليقين ونقاط ضعف اجتماعية”، مؤكدًا أن معاناة الاقتصادات النامية تبقي التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة بعيدًا عن المنال في معظم الدول.
وبحسب المناطق، توقع التقرير في 2026: الولايات المتحدة 2.0% (مقابل 1.9% في 2025) مع احتمال إبطاء ضعف سوق العمل لوتيرة النمو, شرق آسيا 4.4% (مقابل 4.9% في 2025), الصين 4.6% (أقل قليلًا من 2025), أفريقيا 4.0% (مقابل 3.9% في 2025) مع مخاطر الديون وصدمات تغير المناخ, وغرب آسيا 4.1% (مقابل 3.4% في 2025) مع استمرار التعرض للتوترات الجيوسياسية والمخاطر الأمنية.
وأكد التقرير أن التجارة العالمية نمت 3.8% في 2025 رغم تصاعد عدم اليقين السياسي وارتفاع التعريفات، بينما ظل الاستثمار ضعيفا في معظم المناطق, وفي التضخم، تراجع المعدل العام من 4.0% في 2024 إلى نحو 3.4% في 2025، ومن المتوقع أن يتباطأ إلى 3.1% في 2026.
وخلص إلى أن إعادة تنظيم التجارة، وضغوط الأسعار المستمرة، وصدمات المناخ تتطلب تنسيقًا عالميًا أعمق وعملًا جماعيًا في وقت تتزايد فيه التوترات وتميل السياسات إلى الانغلاق ويتراجع الزخم نحو الحلول متعددة الأطراف.
أفاد مسؤول أميركي ومصادر مطلعة بأن الرئيس دونالد ترمب سيتوجه شخصياً إلى مدينة دافوس السويسرية؛ للمشاركة في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي، وذلك للمرة الأولى في ولايته الثانية، مصطحباً معه وفداً وزارياً واستشارياً رفيع المستوى يعكس أولويات إدارته الجديدة في قطاعات التجارة، والطاقة، والتكنولوجيا.
وكشفت المصادر، لـ«رويترز»، أن الوفد المرافق لترمب سيضم أبرز صانعي السياسة الاقتصادية، وعلى رأسهم: وزير الخزانة سكوت بيسنت، ووزير التجارة هوارد لوتنيك، ووزير الطاقة كريس رايت، والممثل التجاري للولايات المتحدة جيمسون غرير.
كما يضم الوفد شخصيات بارزة في ملفات نوعية، من بينهم ديفيد ساكس المسؤول عن ملف العملات الرقمية (Crypto Czar)، ومايكل كراتسيوس رئيس سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، بالإضافة إلى المبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف.
أجندة ترمب
أعلن الرئيس ترمب، عبر منصة «تروث سوشيال»، أنه يخطط لاستخدام خطابه في المنتدى، المقرر عقده في الفترة من 19 إلى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، لمناقشة مقترحات جديدة تتعلق بملف الإسكان والقدرة على تحمل التكاليف.
تأتي هذه المشاركة الشخصية لتُعزز نبرة ترمب الصارمة التي تبنّاها في خطاباته السابقة، حيث سبق أن طالب بخفض أسعار النفط والفائدة، موجهاً تحذيرات مباشرة لزعماء السياسة والأعمال في العالم بفرض تعريفات جمركية على أي منتجات تُصنَع خارج الولايات المتحدة.
تأتي زيارة ترمب إلى دافوس بعد أيام قليلة من عودته رسمياً إلى البيت الأبيض، مما يجعلها المنصة الدولية الأولى التي سيعرض من خلالها ملامح سياسته الخارجية والاقتصادية «أميركا أولاً» أمام النخبة العالمية، وسط توقعات بأن تركز المناقشات على إعادة صياغة سلاسل الإمداد والتعاون التكنولوجي.
لم يسبق أن كانت الفجوة في الثروة بين أغنى شخصين على وجه الأرض أوسع مما هي عليه مع بداية العام الجديد. فبينما تكبّد ستة من بين أغنى عشرة أشخاص في العالم خسائر في ثرواتهم خلال الشهر الماضي، نتيجة تراجع أسواق الأسهم، شكّل إيلون ماسك الاستثناء الأبرز.
ووفق تقديرات مجلة فوربس، ارتفعت ثروة ماسك بنحو 244 مليار دولار، لتصل إلى 726 مليار دولار عند الساعة الثانية عشرة صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة في الأول من كانون الثاني/يناير 2026. وبذلك أصبح أغنى شخص في العالم، متقدماً بفارق يقارب ثلاثة أضعاف ثروة أقرب منافسيه، الشريك المؤسس لغوغل لاري بايج.
صعود قياسي لإيلون ماسك
حقق ماسك سلسلة إنجازات تاريخية في عالم الثروة خلال الأسابيع الأخيرة من عام 2025. ففي 15 كانون الأولديسمبر، أصبح أول شخص في التاريخ تتجاوز ثروته 600 مليار دولار، بعد أن قُدّرت قيمة شركته الفضائية “سبيس إكس” بـ800 مليار دولار، مقارنة بـ400 مليار دولار في آبأغسطس الماضي. وبعد أربعة أيام فقط، تخطى حاجز 700 مليار دولار، إثر قرار المحكمة العليا في ولاية ديلاوير إعادة حزمة خيارات أسهمه في “تسلا”، والتي تبلغ قيمتها حالياً نحو 130 مليار دولار.
ويشغل ماسك منصب الرئيس التنفيذي لشركتي “تسلا” و”سبيس إكس”، إلى جانب رئاسته لمجلس الإدارة وتوليه منصب المدير التقني لشركة “إكس إيه آي”. ويملك نحو 12% من أسهم “تسلا”، إضافة إلى حصة تُقدّر بـ42% في “سبيس إكس”.
تراجع منافسيه مع تقلبات الأسواق
في المقابل، تراجعت ثروة لاري بايج بنحو 5 مليارات دولار لتستقر عند 257 مليار دولار، متأثرة بانخفاض سهم شركة “ألفابت” المالكة لـ”غوغل”. كما خسر الشريك المؤسس الآخر سيرغي برين نحو 6 مليارات دولار، لتبلغ ثروته 237 مليار دولار. أما لاري إليسون، مؤسس “أوراكل”، فقد تراجعت ثروته 8 مليارات دولار إلى نحو 245 مليار دولار، رغم احتفاظه بمركزه ضمن العشرة الأوائل.
وشهدت القائمة أيضاً خروج مايكل ديل من المراكز العشرة الأولى، بعد تراجع ثروته إلى 139 مليار دولار، في مقابل صعود ستيف بالمر، الرئيس التنفيذي السابق لـ”مايكروسوفت”، إلى المركز العاشر بثروة تُقدّر بـ147 مليار دولار. كما تقدّم وارن بافيت مركزاً واحداً ليحل في المرتبة التاسعة، رغم انخفاض ثروته إلى 149 مليار دولار.
الرابحون الآخرون
سجل جنسن هوانغ، الشريك المؤسس لشركة “إنفيديا”، أكبر زيادة بعد ماسك، إذ ارتفعت ثروته نحو 8 مليارات دولار لتصل إلى 162 مليار دولار، بدعم من صعود سهم الشركة. كما زادت ثروة مارك زوكربيرغ إلى 226 مليار دولار، وبرنار أرنو، رئيس مجموعة LVMH للسلع الفاخرة، إلى 195 مليار دولار.
أغنى عشرة أشخاص في العالم
بحسب “فوربس”، تبلغ الثروة الإجمالية لأغنى عشرة أشخاص في العالم نحو 2.6 تريليون دولار، بزيادة قدرها 200 مليار دولار مقارنة بالشهر السابق. وتخضع هذه الأرقام لتغيرات يومية تبعاً لتحركات الأسواق المالية.
أغنى رجل وامرأة في العالم
اعتباراً من أول كانون الثاني/ يناير 2026، يظل إيلون ماسك أغنى رجل في العالم بثروة تُقدّر بـ726 مليار دولار، بعد أن استعاد الصدارة في ايارمايو 2024.
أما أغنى امرأة في العالم فهي أليس والتون، ابنة مؤسس “وولمارت” سام والتون، بثروة تُقدّر بـ119 مليار دولار، ما يضعها في المرتبة الخامسة عشرة عالمياً.
شهد عام 2025 تغيرات جذرية، ومع ذلك، يبدو أن شيئاً لم يتغير.
فقد رفعت الولايات المتحدة الرسوم الجمركية إلى أعلى مستوى لها منذ قرن تقريباً، وردت الصين بالمثل، وازدادت حالة عدم اليقين في السياسات العالمية.
ومع ذلك، لا يزال النمو العالمي متوقعاً بنسبة 3.2%، وهو ما توقعه المتنبئون قبل عام عندما لم تكن هذه الاضطرابات تلوح في الأفق.
لكن لا تنخدعوا فمن الخطأ الاعتقاد بأن الاقتصاد العالمي بمنأى عن حروب الرسوم الجمركية والفوضى السياسية.
لقد رأينا هذا السيناريو من قبل، وذلك عندما تم إقرار استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم من الزيادة الحادة في حالة عدم اليقين، كان التأثير الاقتصادي ضئيلاً في البداية.
لكن بعد عقد من الزمان، تشير التقديرات إلى أن المملكة المتحدة خسرت ما بين 6 إلى 8% من ناتجها المحلي الإجمالي مقارنة بمسارها قبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. الدرس بسيط: الضرر الهيكلي يظهر ببطء، ودائماً بعد فوات الأوان لعكسه.
إذن، لماذا لم يشعر العالم بوطأة الرسوم الجمركية حتى الآن؟ يكمن جزء من الإجابة في أن الرسوم الجمركية الفعلية تبلغ حوالي نصف ما أعلنته الولايات المتحدة بفضل العديد من الاستثناءات. ومع ذلك، فإن نسبة 14% لا تزال تمثل ارتفاعاً كبيراً كان لتبعاته جانبان معاكسان:
أولاً، أسهم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي والارتفاع الكبير في سوق الأسهم، مدفوعاً بالتفاؤل بشأنه، في دعم النمو الأمريكي وإنعاش اقتصادات مثل تايوان وكوريا الجنوبية التي تصدّر سلعاً متعلقة بالذكاء الاصطناعي.
ثانياً، اتسمت السياسة المالية بتوسع أكبر، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل بشكل أكبر في ألمانيا والصين.
وقد حجبت هذه العوامل التأثير السلبي للرسوم الجمركية الأمريكية والردود الصينية. كما جعلت عام 2025 يبدو أكثر استقراراً مما كان عليه في الواقع.
إن الاقتصاد العالمي أكثر هشاشة مما توحي به الأرقام المعلنة، خاصة هشاشة قطاع الذكاء الاصطناعي.
وقد بدأ المستثمرون أخيراً في التساؤل عن الفجوة بين التقييمات المرتفعة للغاية للذكاء الاصطناعي والعوائد الفعلية منه.
ولذلك، عوقبت شركات مثل ميتا، التي أعلنت عن زيادات هائلة في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي دون وجود تدفقات مقابلة للإيرادات.
وهي ليست الوحيدة. وستواجه شركات الذكاء الاصطناعي قريبًا تحديًا كبيرًا: فالتكاليف عالية للغاية، ما يعني ضرورة رفع الاشتراكات. ولن يكفي مبلغ 20 دولاراً شهرياً لتغطية التكاليف أو دعم سباق تطوير البنية التحتية في مواجهة المنافسين الجدد.
ولا يتعلق الأمر هنا بإمكانيات الذكاء الاصطناعي، التي يُرجّح أن تكون تحويلية، بل يتعلق بالربحية. فمع الضغوط التنافسية الظاهرة والخفية، يبقى خطر حدوث تصحيح اقتصادي على غرار فقاعة الإنترنت قائماً.
في الوقت نفسه، فإنّ ما يشار إليه حول «المرونة» في مواجهة الرسوم الجمركية مُضلّل للغاية.
فقد كانت الرسوم الجمركية باهظة، خاصة على الأمريكيين، رغم أن الشركات الأمريكية تحملت نحو 95% من التكاليف، ولم يُنتقل سوى جزء ضئيل منها إلى المستهلكين.
ومع ذلك يبقى هذا «الجزء الضئيل» مهما: فقد أضافت الرسوم الجمركية وحدها 0.7 نقطة مئوية إلى التضخم.
ولولاها، لكان التضخم قد انخفض إلى 2% هذا العام، وهو الهدف الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي. لكن بدلاً من ذلك، تسببت الرسوم الجمركية في خسارة الأسرة الأمريكية العادية 600 دولار. وستتضح آثار الرسوم الجمركية بشكل أكبر في عام 2026 مع تراجع المرونة التي وفرتها الواردات المُسبقة.
من جانبها، يتعين على الصين مواجهة بعض الحقائق غير المريحة. فاستمرار الاعتماد على النمو القائم على التصدير أمر غير مستدام، وخطة بكين الخمسية الجديدة، التي تُعطي الأولوية لتخصيص الموارد لقطاعات التكنولوجيا على حساب تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي وزيادة الاستهلاك، تُنذر بتفاقم الاختلالات الهيكلية.
أما أوروبا، فقد تحلت بالمسؤولية من خلال الدفاع عن نظام عالمي قائم على القواعد، لكنها لا تزال بحاجة إلى إجراء إصلاحات داخلية خاصة بها.
لذلك، يجب على الاتحاد الأوروبي تعزيز سوقه الموحدة، ورفع الإنتاجية، وترسيخ مكانته كوجهة جاذبة لرؤوس الأموال العالمية الساعية إلى التنويع.
أما الولايات المتحدة، فهي لا تقدم أي مساعدة. فقطع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي – أكبر شركائها الاقتصاديين – يعد استراتيجية اقتصادية خاطئة.
وبينما لا تحدث أي كارثة بين عشية وضحاها، يحاول الأوروبيون بهدوء وتدريجياً فك ارتباطهم بالبنية التحتية المالية الأمريكية، وباتوا يشككون في اعتمادهم على فيزا وماستركارد. قبل عام واحد فقط، كان هذا الأمر مستحيلاً.
وهكذا، فإن حقيقة الأمور تقول إن 2025 كان عام التغيير الجذري. والسؤال الآن هو: هل سيكون 2026 عام تصحيح المسار؟ ثمة فرصة سانحة، حيث تتولى الولايات المتحدة رئاسة مجموعة العشرين، وفرنسا رئاسة مجموعة السبع.
وبإمكانهما معاً حث العالم على اتخاذ إجراءات لاستعادة الاستقرار إلى نظام عالمي مضطرب ومتزايد التشرذم. أما إذا تقاعسنا عن العمل، ستتدهور مستويات المعيشة في كل مكان، وستفقد السياسات الانعزالية التي تحظى اليوم بتأييد شعبي شعبيتها.
هبط سعر الذهب في المعاملات الفورية بأكثر من 1% إلى 4450.08 دولار للأوقية.
وكان سعر الذهب تراجع في المعاملات الفورية 0.7 بالمئة إلى 4466.19 دولاراً للأوقية (الأونصة) عند الساعة 02:05 بتوقيت جرينتش.
وسجل الذهب مستوى قياسيا مرتفعا بلغ 4549.71 دولاراً في 26 ديسمبر .
وانخفضت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم فبراير شباط 0.4 بالمئة إلى 4477.30 دولاراً.
واستقر الدولار في نطاق تعاملات ضيق، قرب أعلى مستوى له في أكثر من أسبوعين، قبيل صدور سلسلة من البيانات الاقتصادية الأمريكية، مما جعل الأصول المقومة به أكثر كلفة لحائزي العملات الأخرى.
وقال ستيفن ميران، عضو مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي)، الذي تنتهي ولايته هذا الشهر، أمس الثلاثاء إن خفض أسعار الفائدة الأمريكية بشدة ضروري هذا العام للحفاظ على استمرار نمو الاقتصاد.
ويتوقع المستثمرون حاليا خفض البنك المركزي الأمريكي أسعار الفائدة مرتين على الأقل هذا العام، بينما يترقبون بيانات الوظائف غير الزراعية المقرر صدورها يوم الجمعة للحصول على مزيد من المؤشرات على مسار السياسة النقدية لأكبر اقتصاد في العالم.
وأعلن الرئيس دونالد ترامب أمس أن كاراكاس وواشنطن توصلتا إلى اتفاق لتصدير ما يصل إلى ملياري دولار من النفط الخام الفنزويلي إلى الولايات المتحدة، وهي خطوة من شأنها تحويل الإمدادات من الصين في أعقاب ما وصفه مسؤولون فنزويليون بخطف الرئيس السابق نيكولاس مادورو.
وتميل الأصول التي لا تدر عائدا، مثل الذهب، إلى الارتفاع في ظل انخفاض أسعار الفائدة وفي أوقات عدم الاستقرار الجيوسياسي أو الاقتصادي.
وبالنسبة للمعادن النفيسة الأخرى، انخفض سعر الفضة في المعاملات الفورية 1.2 بالمئة إلى 80.34 دولاراً للأوقية بعد أن سجل أعلى مستوى له على الإطلاق عند 83.62 دولاراً في 29 ديسمبر.
ونزل سعر البلاتين في المعاملات الفورية 2.9 بالمئة إلى 2373.0 دولاراً للأوقية، بعد أن سجل أعلى مستوى له على الإطلاق عند 2478.50 دولاراً يوم الاثنين الماضي.
وكان قد ارتفع بأكثر من خمسة بالمئة في وقت سابق من الجلسة ليسجل أعلى مستوى له في أسبوع. وتراجع سعر البلاديوم 2.5 بالمئة إلى 1777.22 دولاراً للأوقية.
مع قليل من الحظ، يمكن للنمو في أفريقيا هذا العام أن يمضي بوتيرة أسرع من آسيا.
وإذا تمكنت الاقتصادات الأفريقية الـ 54 من تجاوز نظيراتها الآسيوية، فسيكون ذلك سابقة في التاريخ الحديث.
ولتحقيق ذلك، ستحتاج الاقتصادات الأفريقية إلى النمو بوتيرة أسرع قليلاً في المتوسط مقارنةً بالعام الماضي.
ففي عام 2025، ورغم الحرب في السودان، والتمرد في منطقة الساحل، والانقلابات في مدغشقر وغينيا بيساو، من المتوقع أن تحقق أفريقيا جنوب الصحراء نمواً بنحو 4.1%.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يرتفع هذا المعدل إلى 4.4% مع استمرار الاقتصادات في جني ثمار ضعف الدولار – الذي يُسهم في خفض مدفوعات خدمة الدين وتخفيف الضغوط التضخمية – وارتفاع أسعار السلع، بما في ذلك الذهب والنحاس.
في الوقت نفسه، يتوقع صندوق النقد الدولي أنه مع تباطؤ النمو الاقتصادي في الصين، سيتباطأ النمو الاقتصادي في آسيا مجتمعةً في عام 2026 إلى نحو 4.1%.
وهذا يُهيئ لاحتمال مثير للاهتمام، وهو أن تتقارب معدلات النمو في القارتين – إحداهما مرتبطة بتسارع اقتصادي هائل، والأخرى بفقر مستشرٍ. حتى لو لم يحدث ذلك في عام 2026، فإن التباين الديموغرافي ومراحل التنمية المختلفة تجعل هذا الاحتمال وارداً في السنوات المقبلة.
وهذا ليس بالأمر المفاجئ، فمن الأسهل بكثير على الدول الفقيرة أن تنمو بسرعة مقارنةً بالدول الغنية.
فالصين، التي كانت فقيرة في السابق، شهدت نمواً متسارعاً على مدى أكثر من أربعة عقود منذ أن أطلق دينغ شياو بينغ، مهندس الإصلاح، العنان للرأسمالية.
ومع معدل نمو سنوي يقارب 10% خلال معظم تلك الفترة، نما اقتصاد الصين – المحرك الأكبر لنمو آسيا، وبالتالي المساهم الأكبر في تباطؤها حالياً – من 150 مليار دولار عام 1978 إلى نحو 20 تريليون دولار. واليوم، يبلغ حجم اقتصادها سبعة أضعاف حجم اقتصاد أفريقيا، مع عدد سكان مماثل تقريباً.
ولكن مع اقترابها من مصاف الدول ذات الدخل المرتفع (ومع بدء شيخوخة القوى العاملة وتقلصها)، لم يعد النمو بتلك المعدلات المرتفعة ممكناً.
ومن الجيد القول إن أفريقيا تسير في الاتجاه المعاكس، نحو مزيد من الإيجابية، لكن القارة لا تزال تعاني من ركود.
وكانت تنمو بوتيرة أسرع في مطلع القرن، عندما حفزت شهية الصين النهمة للسلع – واستثماراتها في البنية التحتية الأفريقية – نمواً بنسبة 5%. وقد أدى ذلك إلى ظهور سردية «نهضة أفريقيا» المبالغ فيها. وكما هي الحال مع قارب على مدٍّ متصاعد، كان من الأنسب وصف ما يحدث بـ«طفو أفريقيا».
ومنذ ذلك الحين، خلّفت المديونية المرتفعة والسياسات الخاطئة والفساد والصراعات والصدمات العالمية آثاراً سلبية. كما لا تزال معدلات الادخار منخفضة، وحجم رأس المال المتدفق إلى أفريقيا غير كافٍ لتحفيز نمو تحويلي.
وقد أحجم المستثمرون الأجانب عن الاستثمار بسبب التصورات المبالغ فيها للمخاطر الأفريقية، والتقييم المعقول لحجم الاقتصاد، نظراً لتجزئته إلى 54 دولة، علماً بأن اقتصادها البالغ 3 تريليونات دولار مقسم إلى 54 دولة.
ومع ذلك، تبقى المتوسطات غير دقيقة. فقد حققت بعض الدول تقدماً مطرداً، بل وملحوظاً، إذ نما اقتصاد ساحل العاج بنسبة تتراوح بين 6 و7% على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، في ظل تعافيها من الحرب الأهلية وتنويع اقتصادها.
وقد تمتلك البلاد المقومات اللازمة لاستخدام عائدات النفط والغاز الجديدة لتحقيق هدفها بالوصول إلى مصاف الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى بحلول عام 2035.
ومن بين الدول الأخرى التي حققت نمواً قوياً على مدى سنوات: إثيوبيا، وغانا، وموريشيوس، ورواندا، والسنغال.
وقد حققت بعض هذه الدول هذا النمو رغم الحرب الأهلية والأزمات السياسية والتخلف عن سداد الديون.
وفي العام المقبل، ستكون نصف الاقتصادات العشرين الأسرع نمواً على الأقل أفريقية، وفقاً لصندوق النقد الدولي.
ورغم أن مصر ونيجيريا، وهما من أكبر الاقتصادات الأفريقية، لن تكونا ضمن هذه القائمة، إلا أنه من المتوقع أن يقترب معدل نموهما من المتوسط القاري.
أما جنوب أفريقيا، الاقتصاد الكبير الآخر، فلا تزال متأخرة. فنسبة نمو تتراوح بين 4 و5% لا تُعدّ إنجازاً يُذكر.
ويُعزى أكثر من 2% من هذا النمو إلى التوسع السكاني، مما يترك 2 – 3% فقط لنمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما لا يكفي لتحقيق تحول مماثل للتحولات الآسيوية.
يتطلب ذلك نمواً مستداماً بنسبة 7% على الأقل. هناك أسباب تدعو للتفاؤل بإمكانية حدوث ذلك مع اكتساب القارة زخماً اقتصادياً.
هناك في المقابل أسباب تدعو للخوف من عدم إمكانية ذلك، حيث يفتقر العديد من الاقتصادات الأفريقية إلى المقومات الأساسية اللازمة للانطلاق الصناعي: الطاقة، والبنية التحتية، ومستوى تعليمي كافٍ.
كما أنه في عصر الأتمتة والذكاء الاصطناعي، ليس من المسلّم به أن يبقى طريق التنمية عبر التصنيع المكثف مفتوحاً. عموماً، ينبغي للعالم أن يتطلع إلى نجاح أفريقيا، فبحلول عام 2050، سيشكل الأفارقة أكثر من ربع سكان العالم.
وسيتجاوز عدد سكان القارة في سن العمل عدد سكان الصين والهند مجتمعتين. وإذا لم تكن أفريقيا تسير على مسار أفضل، فسندرك جميعاً تأثير ذلك.
كشف مجلس الذهب العالمي عن تطورات جديدة في سوق الذهب، مؤكدًا أن المعدن النفيس يشهد حالة من التماسك المؤقت عقب الارتفاعات القوية التي حققها خلال عام 2025، في ظل متغيرات اقتصادية وجيوسياسية مستمرة تؤثر على حركة الأسواق العالمية.
أوضح مجلس الذهب العالمي في تقرير حديث له أن الذهب يمر حاليًا بمرحلة تماسك مؤقتة عقب الصعود الكبير الذي شهده خلال عام 2025، مشيرًا إلى أن صناديق الاستثمار في الذهب سجلت حالة من الهدوء النسبي في معدلات الإقبال عليها مع نهاية العام الماضي، بالتزامن مع تراجع الطلب في بعض الأسواق الآسيوية.
كما أكد مجلس الذهب العالمي أن الصورة العامة للأسواق لا تزال داعمة للذهب، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية الحالية، إلى جانب تحركات الدولار وأسعار النفط، والتي من المتوقع أن يكون لها تأثير واضح على أداء الأسواق خلال الفترة المقبلة.
أسعار الذهب اليوم الأربعاء 7 يناير 2026
وفيما يخص أسعار الذهب اليوم فجاءت على النحو التالي:
بعد مرور سبعة عشر عاماً على الأزمة المالية العالمية التي اندلعت أواخر عام 2007، بدأت الهيئات التنظيمية حول العالم في تخفيف الإجراءات البيروقراطية المفروضة على البنوك، سعياً منها للحفاظ على قدرة المقرضين على المنافسة وتحفيز اقتصاداتها.
وتقود إدارة ترمب هذه الجهود، بما في ذلك اتخاذ تدابير لتقليل حجم رأس المال الذي يُلزَم المقرضون بتخصيصه. ويثير خفض متطلبات رأس المال قلق بعض المراقبين من أن الولايات المتحدة قد أشعلت شرارة تراجع عالمي عن اللوائح المصممة لحماية الأنظمة المالية، في وقت تزداد فيه المخاوف بشأن فقاعات السوق ومخاطر الاستقرار المالي، وفق «رويترز».
المشهد العالمي
على المستوى الدولي، يُفترض أن تتوافق الهيئات التنظيمية في كل دولة مع نظام «بازل» التنظيمي، الذي وُضع بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، ويهدف لضمان تطبيق معايير دنيا لرأس المال في جميع أنحاء العالم، بما يتيح للمقرضين تجاوز خسائر القروض خلال فترات الأزمات، ويُحقق تكافؤ الفرص بين البنوك.
لكن في الواقع، هناك مساحة واسعة للمناورة، كما يتضح من اختلاف طرق تطبيق أحدث القواعد المعروفة باسم «نهاية بازل 3».
وأرجأ كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا تطبيق أجزاء رئيسية من هذه القواعد، مثل تلك المتعلقة بأنشطة التداول المصرفي، في انتظار الخطوات التي ستتخذها الولايات المتحدة.
الولايات المتحدة مقابل أوروبا
تبدو متطلبات نسبة رأس المال للبنوك في منطقة اليورو وبريطانيا والولايات المتحدة متشابهة نظرياً.
يحدد الاحتياطي الفيدرالي نسبة رأس المال الأساسي من المستوى الأول (CET1) – وهو المقياس الأكثر شيوعاً لرأس المال – بين 10.9 في المائة و11.8 في المائة بعد إضافة بنود خاصة ببنوك «وول ستريت» الكبرى، مثل «جي بي مورغان» و«سيتي» و«غولدمان ساكس».
أما في منطقة اليورو، فيبلغ متوسط نسبة رأس المال الأساسي من المستوى الأول لدى البنك المركزي الأوروبي 11.2 في المائة للمقرضين، بما في ذلك «دويتشه بنك» و«سانتاندير» و«بي إن بي باريبا»، بالإضافة إلى متطلبات «الركيزة الثانية» الخاصة بكل بنك، والتي تبلغ نحو 1.2 في المائة.
وخفضت لجنة السياسة المالية في بنك إنجلترا الحد الأدنى لنسبة رأس المال الأساسي من المستوى الأول إلى 11 في المائة، دون احتساب الإضافات الخاصة بكل بنك، والتي قد تصل حالياً إلى حوالي 2.5 في المائة للبنوك الكبرى.
وتحتفظ جميع البنوك الكبرى برأس مال يفوق المطلوب، حيث تهدف هذه الاحتياطيات الذاتية لتهدئة المخاوف التنظيمية وتعزيز ثقة المستثمرين.
هل يمكن المقارنة بين البنوك؟
وفقاً للرؤساء التنفيذيين للبنوك الكبرى، تواجه بنوكهم تحديات أكبر من مجرد أرقام رأس المال. فمقارنة النسب البسيطة قد تكون مضللة، إذ تتبنى الهيئات الرقابية الاحترازية مناهج مختلفة تعكس اختلاف القطاعات المصرفية المحلية.
وتتألف قواعد رأس المال من جزأين: ترجيح المخاطر، الذي يقيس مخاطر أصول البنك، ونسبة رأس المال، التي تحدد حجم رأس المال الذي يجب على البنك الاحتفاظ به كنسبة من تلك الأصول.
على عكس المملكة المتحدة ومنطقة اليورو، لا تستطيع البنوك الأميركية الاعتماد على نماذجها الداخلية لتحديد ترجيح المخاطر، ما يعني غالباً قيوداً أكثر صرامة للبنوك الكبيرة.
وقالت جاكي إينيك، كبيرة مسؤولي الاستثمار في شركة «سبرينغ إنفستمنتس» ومحللة مصرفية سابقة: «قد يكون النهج الأميركي أكثر صرامة، على سبيل المثال». كما يعكس ارتفاع ترجيح المخاطر في الولايات المتحدة اختلاف النماذج؛ إذ تميل البنوك الأميركية إلى بيع قروض الرهن العقاري السكني إلى مؤسستي «فاني ماي» و«فريدي ماك»، بينما تبقى هذه القروض في الميزانيات العمومية للبنوك الأوروبية والبريطانية.
التخفيف التنظيمي في الولايات المتحدة
تعمل الهيئات التنظيمية الأميركية، التي عينها الرئيس ترمب، على تأجيل وتخفيف تطبيق القواعد الجديدة، بالإضافة إلى مراجعة وإعادة صياغة لوائح رأس المال الحالية، بحجة جعلها أكثر ملاءمة للمخاطر الفعلية.
وتشمل المقترحات، بقيادة ميشيل بومان من مجلس الاحتياطي الفيدرالي، تعديل قواعد الرافعة المالية، والرسوم الإضافية على المؤسسات المالية ذات الأهمية النظامية العالمية، وإعادة النظر في متطلبات المرحلة النهائية من اتفاقية «بازل 3».
كما يُجري الاحتياطي الفيدرالي إصلاحاً شاملاً لاختبارات الضغط السنوية للبنوك الكبيرة، وهو تحول متوقع أن يقلص رأس المال الذي يجب على البنوك الاحتفاظ به لمواجهة الخسائر المحتملة، ما يمنح المقرضين الأميركيين فائضاً أكبر بكثير في رأس المال. وقدّر محللو «مورغان ستانلي» أن هذه التغييرات المحتملة قد تُتيح للبنوك الأميركية تريليون دولار إضافية في قدرتها على الإقراض.
مع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة أن البنوك ستزيد من القروض، إذ قد تفضل بعضها زيادة توزيعات الأرباح على المستثمرين أو تمويل عمليات الاستحواذ.
موقف منطقة اليورو وبريطانيا واليابان
يسعى كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا إلى تخفيف الأعباء عن البنوك، لكن بطرق محدودة، مع الإشارة إلى عدم وجود سباق نحو تبسيط الإجراءات التنظيمية.
وأعلن البنك المركزي الأوروبي في ديسمبر (كانون الأول) عن خطط لتبسيط قواعده مع الحفاظ على مستويات رأس المال، رغم ضغوط البنوك التي ترى أن مرونة أكبر ستتيح مزيداً من الإقراض لتعزيز النمو الاقتصادي. وقال خوسيه مانويل كامبا، الرئيس السابق للهيئة المصرفية الأوروبية: «البنوك ذات رأس المال الجيد أفضل بكثير في اتخاذ قرارات الإقراض، ولا يعني انخفاض متطلبات رأس المال بالضرورة زيادة القدرة التنافسية».
وخفض بنك إنجلترا الشهر الماضي تقديره الرئيسي لاحتياجات رأس المال المصرفي على مستوى النظام المصرفي بنسبة نقطة مئوية واحدة إلى 13 في المائة، وهذا هو أول انخفاض في الأسعار منذ الأزمة المالية. وأعلن عن مراجعة نسبة الرافعة المالية التي تحدد الحد الأدنى لرأس المال الواجب الاحتفاظ به نسبةً إلى إجمالي الانكشافات. ووصف المحللون هذه التغييرات بأنها مهمة لكنها مدروسة.
أما في اليابان، فقد مضت هيئة تنظيم القطاع المصرفي قدماً في تطبيق إطار «بازل 3» النهائي، الذي دخل حيز التنفيذ بالنسبة للبنوك الثلاثة الكبرى في نهاية مارس (آذار) 2024، بعد أن أرجأت سابقاً تطبيق القواعد خلال جائحة «كورونا» والحرب في أوكرانيا.
ما وراء رأس المال
هناك جوانب أخرى تتجاوز مجرد حجم متطلبات رأس المال.
في سويسرا، على سبيل المثال، ترغب الحكومة في تشديد القواعد المتعلقة بما يُعد رأس مال، ما أثار استياء بنك «يو بي إس». وهناك أطر خاصة بكل دولة، مثل نظام الفصل المصرفي البريطاني الذي يُلزم بنوكاً مثل «باركليز» و«إتش إس بي سي» بفصل رسملة وحدات التجزئة المصرفية عن عملياتها الاستثمارية.
وفقاً للخبير الاقتصادي إنريكو بيروتي من جامعة أمستردام، غالباً ما يكون إنفاذ الرقابة أهم من نسب رأس المال المعلنة في تحديد ما تحتفظ به البنوك فعلياً. وأضاف أن هذا ينطبق بشكل خاص على الولايات المتحدة، حيث تعكس السياسات التنظيمية لعهد ترمب توجهاً لإبعاد الجهات الرقابية عن البنوك، ما يجعل التركيز أقل على الأرقام وأكثر على التنفيذ العملي.
يدخل المستثمرون العالميون عام 2026 وهم في حالة من «اليقظة الاستثمارية»؛ إذ بدأت بوصلة التداول تتحول عملياً من أسهم التكنولوجيا ذات التقييمات الفلكية إلى ما يُعرف بـ«الجيوب منخفضة التقييم» في الأسواق المالية. هذا التحول جاء نتيجة تصاعد المخاوف بشأن احتمالية تشكّل «فقاعة» في قطاع الذكاء الاصطناعي، مما دفع المتداولين إلى تبني استراتيجية أكثر حذراً، تركز على الأصول التي لم تحظَ بعد بفرصة الصعود الكامل.
وكان عام 2025 بمثابة «مدرسة للتقلبات»، فقد اقتربت الأسهم الأميركية في أبريل (نيسان) من مستويات سوق الدببة (الاتجاه النزولي الحاد) عقب صدمة الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الأميركية، قبل أن تستعيد زخمها وتبلغ مستويات قياسية بنهاية العام. ومع مطلع 2026، يتفق المحللون على أن «الزخم الصعودي» مستمر، إلا أن تحقيق العوائد لم يعد يعتمد على السوق ككل، بل أصبح يتطلب انتقاءً دقيقاً للأصول النوعية والفرص الاستثمارية المنسية.
ويتوقع المحللون استمرار الزخم الصعودي في 2026، رغم أن المستثمرين قد يضطرون إلى انتقاء الأصول التي يستثمرون فيها بعناية. وقال استراتيجيون في معهد «بلاك روك» للاستثمار: «هذا المناخ مناسب جداً للاستثمار النشط»، وفق «رويترز».
وشهدت أسعار المعادن أداءً متميزاً في 2025 مع تراجع الدولار، نتيجة توقعات خفض الفائدة من «الاحتياطي الفيدرالي»، الأمر الذي دعم أيضاً أصول الأسواق الناشئة. ومع ذلك، يراهن الاستراتيجيون على فئات أصول أخرى لتحقيق زخم هذا العام.
الأسهم صغيرة رأس المال
بعد سنوات من التراجع عن دائرة الضوء، قد تعود الأسهم الأميركية صغيرة رأس المال إلى الواجهة مع تحسن توقعات الأرباح وانخفاض تكاليف الاقتراض. وقال مدير المحافظ في «لازار» لإدارة الأصول، أورين شيران: «الفرق الكبير في 2026 هو أننا أخيراً نشهد عودة نمو الأرباح إلى الأسهم الصغيرة».
ويتوقع المتداولون حدوث خفضَين بمقدار 25 نقطة أساس من البنك المركزي الأميركي في 2026، وفق تقديرات جمعتها «إل إس إي جي». وغالباً ما تحمل شركات الأسهم الصغيرة ديوناً أعلى، لذا فهي من بين أول المستفيدين عند انخفاض أسعار الفائدة.
ويتوقع استراتيجي الأسهم في «جيفريز»، ستيفن دي سانتيس، أن يرتفع مؤشر «راسل 2000»، الذي يتتبع الأسهم صغيرة رأس المال، إلى 2.825 نقطة بحلول نهاية 2026، مسجلاً مكاسب تقارب 14 في المائة مقارنة بعام 2025.
الذهب
حقق الذهب أداءً تاريخياً في 2025، ليكون أفضل عام له منذ أزمة النفط عام 1979. ويتوقع بنكا «جيه بي مورغان» و«أوف أميركا» أن تصل أسعار الذهب إلى 5 آلاف دولار للأونصة هذا العام، مقارنة بـ 4314.12 دولار في عام 2025.
ويتوقع محللو معهد «ويلز فارغو» للاستثمار استمرار الظروف المواتية، لكنهم أشاروا إلى أن المكاسب قد تأتي بوتيرة أبطأ. وقد يدعم الذهب أيضاً شراء البنوك المركزية التي تعمل على تنويع احتياطياتها بعيداً عن الأصول المقوّمة بالدولار.
القطاعان الصحي والمالي
قد يكون قطاع الرعاية الصحية من القطاعات البارزة، مدفوعاً بموجة من السياسات الداعمة. وقالت «مورغان ستانلي» إن توسع استخدام أدوية فقدان الوزن قد يدعم الصناعة.
كما يُتوقع أن تتفوق المؤسسات المالية، خصوصاً البنوك، مع تسارع نشاط الاندماج والاستحواذ وانتعاش نمو القروض. ويظل تقييم القطاع جذاباً بدعم من تخفيف القيود التنظيمية وكفاءة مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، مع تقديم البنوك متوسطة الحجم فرصاً مبكرة مغرية، وفق «مورغان ستانلي».
العملات
من المتوقع أن يظل الدولار الأميركي ضعيفاً في 2026، وفق المحللين، مع توقع خفض الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة لتخفيف تباطؤ سوق العمل. ويضيف عدم اليقين السياسي، بما في ذلك تعيين رئيس جديد للبنك المركزي، عامل تقلب إضافي.
وأي عمليات بيع للدولار قد تزيد جاذبية بدائل العملات في الأسواق الناشئة مثل اليوان الصيني والريال البرازيلي، مع تزايد تأثير السياسات المختلفة على تحركات العملات. وقد تحصل الكرونة التشيكية على دفعة من رفع أسعار الفائدة من البنك الوطني التشيكي، وفقاً لمحللي بنك «آي إن جي». كما قد تستفيد العملات المرتبطة بالسلع مثل الدولار الأسترالي والنيوزيلندي من تحسن توقعات النمو العالمي، حسب محللي «إم يو إف جي».
أما بين دول مجموعة السبع فمن المتوقع أن يدعم اليورو التحفيز المالي، في حين قد يظل الين الياباني معرضاً للضغوط على المدى القصير قبل أن يتعافى، وفق «إم يو إف جي».
الأسواق الناشئة
من المتوقع أن تحافظ الأسواق الناشئة على تدفقات قوية بسبب ضعف الدولار الأميركي والتقييمات الملائمة نسبياً. وقال الاستراتيجيون في بنك «أوف أميركا غلوبال»: «أصبحت الأسواق الناشئة أقل تقلباً من الأسواق المتقدمة». وأضافوا: «هناك تركيز كبير على أن نمو الأسواق الناشئة ليس بمستوى (الأيام الخوالي) نفسه. هذا صحيح، لكن مؤشرات الاستقرار الكلي أفضل مما كانت عليه منذ وقت طويل».
ومع ذلك، قد تؤثر السياسة الداخلية سلباً، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات في دول مثل البرازيل وكولومبيا.
السندات عالية العائد وسندات الشركات
قد تشهد أسواق السندات عالية العائد وسندات الشركات نشاطاً في 2026، مع زيادة الطلب على تمويل عمليات الاستحواذ، واستمرار عمالقة الذكاء الاصطناعي في البحث عن رأس المال لتمويل مراكز البيانات، وفق الاستراتيجيين.
وبحلول منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2025، بلغ إصدار السندات عالية العائد 325 مليار دولار، بزيادة 17 في المائة عن 2024، وهو أقوى أداء منذ الرقم القياسي في عام 2021 في أثناء جائحة «كوفيد»، وفق بيانات «بتش بووك».
وقال مديرو المحافظ في «جانوس هندرسون»: «لدينا رؤية بناءة تجاه السندات عالية العائد في 2026. على مدار العام الماضي، كان الطلب قوياً بما يكفي لاستيعاب العرض المرتفع نسبياً».
عقود الأحداث (السوبر سايكل)
من المتوقع أن تصبح عقود الأحداث، التي تسمح للمستخدمين بالمراهنة على نتائج أحداث واقعية عبر السياسة والرياضة والأسواق المالية، واحدة من أسرع فئات الأصول نمواً، مدفوعة بزيادة الطلب من المستثمرين الأفراد.
وأصبحت هذه العقود شائعة قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في 2024، وأدت إلى ظهور موجة من الشركات الناشئة لإطلاق عقود الأحداث. وقال الرئيس التنفيذي لشركة «روبن هود»، فلاد تينيف، في مؤتمر: «نحن في المراحل الأولى من (سوبر سايكل) لهذه الفئة النامية من الأصول».
وأصبحت «روبن هود» واحدة من أكبر اللاعبين في هذا المجال، في حين تحاول «كوين بيس» أيضاً الحصول على موطئ قدم في الصناعة. وقدرت وكالة «سيتيزنز فاينانشال» أن أسواق التنبؤ تحقق حالياً نحو ملياري دولار من العائدات، التي قد تتضاعف 5 أضعاف بحلول 2030 مع بدء مشاركة المؤسسات.
لكن النمو السريع يجذب أيضاً اهتمام الهيئات التنظيمية، التي اتهمت هذه العقود بأنها تشبه المراهنات الرياضية، وقد تشجع على السلوك المضاربي.
بدأ العام الماضي بإجماع شبه عالمي على أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة الجديرة بالاستثمار.
وانتهى العام بتفوق الأسواق المنافسة على الولايات المتحدة بفارق كبير، محققة عوائد أعلى بمرتين، ما جعل أمريكا تبدو أقل تميزاً بوضوح.
لم تشهد الولايات المتحدة انهياراً؛ لأن اقتصادها وأسواقها كانت مدعومة بتدفق الأموال إلى الذكاء الاصطناعي.
السؤال الآن هو: كيف ومتى سينتهي جنون الذكاء الاصطناعي، وماذا سيعني ذلك للعالم؟ إليكم مجموعة من أهم الاتجاهات المتوقعة لعام 2026:
استناداً إلى إطار عملي لرصد الفقاعات، يستوفي الذكاء الاصطناعي الآن جميع المعايير بدرجات متفاوتة؛ فالسوق الأمريكية التي يقودها الذكاء الاصطناعي مبالغ في تقييمها، وهي تشهد إفراطاً في الاستثمار، وإفراطاً في المديونيات، وربما الأهم من ذلك، مفرطة في التملك، فأمريكا اليوم هي الدولة الكبرى الوحيدة التي تمتلك فيها الأسر ثروات في الأسهم تفوق ثرواتها في العقارات.
والفقاعات لا تنهار من تلقاء نفسها، بل تنتهي عندما يُقلّل حدث ما من قدرة الناس على المضاربة والاستثمار.
فعلى مدار القرن الماضي، سبق انفجار كل فقاعة كبيرة، من الولايات المتحدة عام 1929 إلى اليابان عام 1989 والصين عام 2015، تشديدٌ للسياسة النقدية من قِبل البنوك المركزية.
وتاريخياً، أدى تشديد السياسة النقدية إلى انفجار الفقاعات حتى قبل وجود البنوك المركزية في معظم الدول. ففي عام 1720، انفجر الهوس البريطاني بأسهم شركة «ساوث سي» أو (بحر الجنوب) عندما أوقفت البنوك الهولندية منح القروض الجديدة.
وخلال القرن التاسع عشر، انفجرت سلسلة من فقاعات السكك الحديد في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وسط أشكالٍ مختلفة من التشديد، منها تشديد الرقابة على الإقراض بالهامش والتحوّل إلى معيار الذهب، الذي حد من المعروض النقدي.
لذلك، يمكن أن تبقى فقاعة الذكاء الاصطناعي متضخمة حتى يبدأ نقص السيولة، لكن هذا الخطر لا يقتصر على رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة قصيرة الأجل، لأنه إذا فقد الاحتياطي الفيدرالي مصداقيته لأي سبب من الأسباب، أو تباطأت تدفقات رؤوس الأموال إلى الولايات المتحدة، فمن المرجح أن ترتفع أسعار الفائدة طويلة الأجل، وقد يكون ذلك بمنزلة الشرارة التي تُفجر فقاعة الذكاء الاصطناعي.
– أزمة القدرة على تحمل التكاليف تدفع أسعار الفائدة إلى الارتفاع:
تدفع «أزمة القدرة على تحمل التكاليف» في أمريكا أسعار المنازل الجديدة إلى مستويات بعيدة المنال عن المشترين الشباب، كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 30% مقارنةً بخمس سنوات مضت.
وينفق ما يقرب من ثلث الأمريكيين ذوي الدخل المنخفض 95% على الأقل من دخلهم على الضروريات اليومية فقط.
لذلك، يتزايد الغضب الشعبي. وتشعر إدارة دونالد ترامب بضغط متزايد، وتتحدث عن تقديم شيكات إغاثة بقيمة 2000 دولار، خاصة في ظل استمرار تقدم الديمقراطيين في استطلاعات الرأي قبل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026.
ولن يؤدي المزيد من الإنفاق إلا إلى زيادة ترسيخ التضخم. وقد فشل الاحتياطي الفيدرالي بالفعل في تحقيق هدفه البالغ 2% لمدة 55 شهراً متتالية.
والمثير للدهشة أن عجز الميزانية الأمريكية انخفض في عام 2025، مدعوماً بعائدات الرسوم الجمركية الضخمة، لكن الآن، وفي ظل إدارة أقرت تخفيضات ضريبية جديدة وتخطط لمزيد من الحوافز، يبدو أن عجز الميزانية سيعود ليتجاوز 6% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام.
وتواجه أسواق متقدمة أخرى، تعاني مشكلات أقل حدة في الديون والعجز، مقاومة من سوق السندات، منها فرنسا والمملكة المتحدة، واليابان بصفة خاصة، حيث ارتفع عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات بشكل حاد العام الماضي.
وقد تكون الولايات المتحدة هي الآتية في عام 2026، ويمكن أن تواجه عواقب وخيمة محتملة، نظراً لاعتماد اقتصادها المالي المفرط بشكل كبير على ثقة المستثمرين.
– تفوق الأسواق العالمية
لم تكن الولايات المتحدة يوماً أكثر اعتماداً على تدفقات رؤوس الأموال الساخنة منها حالياً.
ففي عام 2025، ضخّ المستثمرون الأجانب أموالاً في الأسهم والسندات الأمريكية بمعدل 1.7 تريليون دولار، وهو ما يكفي لتمويل عجز الحساب الجاري الأمريكي بالكامل، وأسهم في تحقيق توازن أكبر في الميزانية الأمريكية مقارنةً بأي وقت مضى منذ بدء تسجيل البيانات، لكن في حال تراجعت الثقة بالولايات المتحدة، ستؤدي التدفقات الخارجة إلى إضعاف الدولار بشكل ملحوظ.
تاريخياً، ثمَّ ارتباط وثيق بين انخفاض قيمة الدولار وتسارع عوائد أسواق الأسهم العالمية.
وقد ساعد ضعف الدولار بقية دول العالم في التفوق على الولايات المتحدة عام 2025، ما قلل حصة البلاد في مؤشر سوق الأسهم العالمي من ذروتها البالغة 66% في نهاية عام 2024 إلى 64% حالياً.
ورغم أن «الاستثنائية الأمريكية» ربما تكون قد بلغت ذروتها، إلا أن هذا التحول لا يزال أمامه مجال كبير للاستمرار، نظراً للفجوة الكبيرة بين القيمة السوقية الأمريكية وحصتها البالغة 26% من الاقتصاد العالمي.
وجاء الانتعاش في الأسواق الدولية مدفوعاً بشكل رئيسي بالاستثمارات المحلية حتى الآن.
ومع إدراك المستثمرين العالميين للأخطار في الولايات المتحدة والفرص المتاحة في أماكن أخرى، من المرجح أن تزداد التدفقات إلى الأسواق المنافسة في عام 2026.
وتشهد الأسواق الدولية تداولاً بخصم كبير يصل إلى الثلث مقارنةً بالولايات المتحدة، على الرغم من تحسن المؤشرات الأساسية لمصلحتها.
وبعد أن تخلفت عن الولايات المتحدة على مدى السنوات الـ15 الماضية، أصبح نمو أرباح الشركات الآن قوياً في الأسواق الدولية، بل وأقوى في الأسواق الناشئة.
وخلال العقد الماضي، لم يسجل سوى نصف الاقتصادات الناشئة نمواً أسرع في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي مقارنةً بالولايات المتحدة، لكن هذه النسبة ارتفعت بشكل حاد العام الماضي، وهي في طريقها للوصول إلى ما يقرب من 90% في السنوات الخمس المقبلة.
– تألق متوقع لأسهم الجودة
ألقى حماس المضاربات الذي يجتاح الأسواق العالمية بظلاله على أسهم الجودة، وهي فئة تتميز بعائد مرتفع على حقوق الملكية، ونمو قوي في الأرباح، وانخفاض في نسبة الرافعة المالية.
وقد أدى ازدهار الذكاء الاصطناعي إلى تغذية سلوك المخاطرة وارتفاع أسعار الأسهم ذات الربحية المنخفضة والديون المرتفعة والتقلبات العالية. كما قاد ذلك إلى ابتعاد المستثمرين عن أسهم الجودة العام الماضي.
وبالنسبة للأسهم عالية الجودة، شهد عام 2025 عموماً أحد أسوأ الانخفاضات النسبية لها على الإطلاق في الأسواق المتقدمة، والأسوأ في الأسواق الناشئة، أما الآن، فالوضع متوتر.
ومع ارتفاع عمليات البحث على جوجل عن «فقاعة الذكاء الاصطناعي» بشكل كبير، بدأ المستثمرون بالبحث عن خيارات أكثر أماناً.
وقد تفوقت الأسهم عالية الجودة، كفئة، على المؤشرات العالمية بنحو 2.5% سنوياً على مدى الثلاثين عاماً الماضية، ما يُترجم إلى تفوق هائل في العوائد التراكمية خلال تلك الفترة: نحو 2600% مقابل 1200%.
ويكمن الهدف هنا في مجموعة فرعية من الأسهم عالية الجودة التي يتم تداولها بأقل بكثير من قيمتها الحقيقية على المدى الطويل.
وتتركز هذه المجموعة عالمياً في القطاع الصناعي، يليه القطاع المالي وشركات السلع الاستهلاكية غير الأساسية.
وغالباً بعد فترات مماثلة من الأداء الضعيف وهذه التقييمات المنخفضة نسبياً، حققت هذه الأسهم عوائد برقمين. وهذا يضعها في وضع جيد للتعافي في عام 2026.
– قناعان يخفيان مشكلات الصين
تناول كثيرون دور الذكاء الاصطناعي في دعم الاقتصاد والأسواق الأمريكية. ويتكرر سيناريو مشابه في الصين، حيث تُنقذ الصادرات الاقتصاد، في حين يُحرك الذكاء الاصطناعي السوق.
فبعد سنوات من الأداء الضعيف، صنف مستثمرون عالميون عدة الأسواق الصينية على أنها «غير قابلة للاستثمار»، ما جعلها رخيصة بشكل غير منطقي وجذابة كثيراً بحلول نهاية عام 2024.
لذلك، فقد انتعشت بقوة العام الماضي، بشكل رئيسي بفضل التفاؤل المُعزز بالذكاء الاصطناعي، لأنه باستثناء قطاع التكنولوجيا، عانى باقي سوق الأسهم الصينية من نمو سلبي في الأرباح.
ويعكس هذا حقيقة أن الاقتصاد المحلي الصيني ينمو بصعوبة، لأنه مثقل بانهيار سوق العقارات، والديون المفرطة، وتناقص عدد السكان.
لكن قوة قطاع التصدير هي السمة المميزة له، خاصة أنه يُوسع حصته في الأسواق العالمية ويدعم الاقتصاد ككل. ومن دون طفرة الصادرات، لن يتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي 3%، وهو أقل بكثير من المعدل المعلن رسمياً البالغ نحو 4%.
ويواصل المحللون والاقتصاديون حث الصين على إطلاق حزمة تحفيزية جديدة، لكن تحيزاتهم تحجب عنهم المشكلات الأساسية.
فقد تجاوز إجمالي ديون الصين، ومنها ديون الأسر والشركات، 300% من الناتج المحلي الإجمالي، كما تجاوز عجزها المالي المُضخّم (الذي يشمل حكوماتها المحلية ذات النفوذ) 11% من الناتج المحلي الإجمالي.
ونظراً لنقص الأموال اللازمة للتحفيز، ستواجه بكين صعوبة بالغة في زيادة الإنفاق، وسيستمر أداء الاقتصاد المحلي في التراجع.
– «الإغراق الصيني» سيكون محوراً للنقاش
في ظل تزايد المؤشرات على أن دونالد ترامب قد توقف عن زيادة الرسوم الجمركية، نظراً لأزمة القدرة على تحمل التكاليف في الداخل، تبرز بقوة قضية تجارية عالمية: إغراق الصادرات الصينية، فعلى مدى العامين الماضيين، حققت الصين زيادة هائلة في حجم صادراتها من خلال خفض الأسعار وكبح قيمة اليوان.
ونتيجة لذلك، تواصل الصين اكتساب حصة كبرى في السوق العالمية على حساب الدول المُصدّرة المنافسة، ومنها ألمانيا وفرنسا واليابان من بين الاقتصادات المتقدمة، وقوى صناعية راسخة عدة في العالم النامي.
وتسعى الصين جاهدةً لتقليل اعتمادها على مبيعاتها للولايات المتحدة، وتحويل صادراتها إلى دول أخرى، ما يُضعف المزيد من المصانع في جميع أنحاء العالم.
وتُعدّ دول جنوب شرق آسيا وشرق أوروبا وأفريقيا الأكثر تضرراً، حيث انخفضت نسبة التصنيع فيها بشكل ملحوظ، لا سيما خلال العام الماضي.
وتتزايد بوادر ردود فعل حادة. فقد تضاعف عدد التحقيقات التجارية المتعلقة بالإغراق الصيني أكثر من مرتين منذ عام 2023 ليصل إلى 120 تحقيقاً على مستوى العالم.
ومن اليابان وكندا إلى المكسيك وتايلاند، بدأت دول عدة فرض تعريفات جمركية انتقامية على الصين. ويدرس الاتحاد الأوروبي تطبيق قواعد «صُنع في أوروبا». وقد حذّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً في بكين من اختلالات تجارية «لا تُطاق».
ونظراً لمشكلاتها الاقتصادية الداخلية، فمن غير المرجح أن تُصغي بكين. لذلك، في عام 2026، قد يُصبح «الإغراق الصيني» هدفاً للغضب العالمي، ومُنافساً لـ«تعريفات ترامب».
– أمريكا الجنوبية تتجه لليمين بشكل حاد
قد يُكمل التحول اليميني، الذي بدأ قبل عامين، اكتساحه لأكبر دول أمريكا الجنوبية هذا العام.
وكما قال الرئيس التشيلي السابق سيباستيان بينيرا ذات مرة، فإن أمريكا اللاتينية تتجه يساراً في أوقات الرخاء، ويميناً في أوقات الشدة. والأوضاع الآن ليست جيدة. فالناخبون قلقون بشكل متزايد بشأن الجريمة والفساد والتضخم.
وقد تولى قادة اليمين السلطة قبل عامين في الأرجنتين، وفازوا العام الماضي في الإكوادور وتشيلي، ومن المتوقع أن يفوزوا مجدداً هذا العام في بيرو وكولومبيا. أما الورقة الرابحة فهي البرازيل، أو الجائزة الكبرى. هناك، يتصدر السباق الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، لكنه قد يواجه منافسة قوية في الجولة الثانية من المرشح المفضل لدى السوق، حاكم ساو باولو اليميني تارسيسيو دي فريتاس.
ولعقود من الزمن، حققت أسواق الأسهم في المنطقة أداءً أفضل بكثير تحت قيادة قادة اليمين.
وخلال العام الماضي، كانت هذه المنطقة موطناً لأفضل الأسواق أداءً في العالم، حيث ارتفعت بنسبة تزيد على 50% في المتوسط، مقارنةً بنسبة 30% في الأسواق الناشئة ككل و16% في الولايات المتحدة.
– تحرير الأسواق ينتشر عالمياً
قد يكون ما سُمي بـ«وزارة كفاءة الحكومة» قد انتهى، لكن مساعي ترامب لتحرير الأسواق لم تنتهِ.
وتشير مؤشرات عدة إلى انخفاض التكاليف التي تفرضها اللوائح التنظيمية في الولايات المتحدة، ويحاول كثير من دول العالم الآن المنافسة.
وحتى أوروبا، «وادي سيليكون اللوائح التنظيمية»، يبدو أنها باتت تدرك أن ابتكار قواعد جديدة ليس بالضرورة في مصلحة اقتصاداتها.
وبعد بلوغها مستويات قياسية غير مسبوقة في عام 2024، أصدرت الولايات المتحدة أقل من نصف عدد اللوائح الجديدة ذات الأهمية الاقتصادية في العام الماضي، في حين أصدر الاتحاد الأوروبي ربع عدد «القواعد التشريعية» الجديدة تقريباً، مع توقعات بمزيد من التخفيضات.
ويمكن لأحد المقترحات أن يخفض عدد الشركات الخاضعة لقواعد الاستدامة البيئية للاتحاد الأوروبي من نحو 50 ألف شركة إلى أقل من 2000 شركة.
تقليص مماثل للإجراءات التنظيمية في الأسواق الناشئة: ألغت الأرجنتين ضوابط الإيجارات، ما ضاعف المعروض من الوحدات السكنية ثلاث مرات.
وأسهم «ترشيد الإجراءات البيروقراطية» في تقليص مدة تخليص البضائع من الجمارك في ماليزيا من أيام إلى دقائق.
وتُنشئ الهند هيئةً خاصةً بها لتحرير القطاع الحكومي، وإن كان ذلك بهدوءٍ أكبر بكثير مما شهدت الولايات المتحدة الأمريكية.
ها هو ذا التمرد الهادئ ضد الدولة التنظيمية يكتسب زخماً، ومن المرجح أن يتسارع هذا العام.
– انهيار الهجرة مع إغلاق دول غربية عدة أبوابها،
من المرجح أن يتزايد الأثر الاقتصادي لهذا التحول التاريخي ضد الهجرة وينتشر في عام 2026. ومن الواضح أن الانهيار مُذهل، ولا يقتصر على الولايات المتحدة.
تُشير أحدث التقديرات إلى أنه من ذروة غير مسبوقة في عام 2023، انخفض صافي الهجرة العام الماضي بنسبة 85% إلى 500 ألف وافد جديد فقط في الولايات المتحدة، وبنسبة 50% إلى 1.2 مليون في الاتحاد الأوروبي.
وفي المملكة المتحدة، كانت الهجرة بلغت ذروتها قبل عام، ليأتي بعد ذلك انخفاض حاد بالقدر نفسه. فقد تراجع صافي الهجرة بنسبة 75% ليصل إلى 200 ألف مهاجر.
وخارج الولايات المتحدة، كانت حملة مكافحة الهجرة أقل حدةً وأقل تغطيةً إعلامية، لكنها لم تخلُ من الحزم.
فقد خفّض الاتحاد الأوروبي حركة عبور الحدود بأكثر من 20% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، وسرع عملية رفض طلبات اللجوء، وقدّم حوافز مالية ودبلوماسية للدول الأجنبية لقبول العائدين ومنع المغادرة.
وقد أغلقت دول كانت تجذب المهاجرين سابقاً، مثل كندا وأستراليا، أبوابها أمامهم، ما أدى إلى انخفاض تدفق الطلاب الدوليين وخفض عدد تصاريح الإقامة الدائمة.
وحتى في إسبانيا، التي ربما تكون الدولة الغربية الكبرى الوحيدة التي لا تزال أبوابها مفتوحة، تتزايد المعارضة ضد المهاجرين في استطلاعات الرأي، ما يعزز حظوظ الأحزاب اليمينية.
ووسط مخاوف واسعة النطاق من تهديد الذكاء الاصطناعي للوظائف، فإن استمرار حملات مكافحة الهجرة سيدفع باتجاه معاكس، حيث يؤدي ذلك إلى تقلص القوى العاملة ومنح النقابات مزيداً من النفوذ التفاوضي، ما قد يزيد من تكاليف العمالة ويفاقم ضغوط التضخم في عام 2026.
في صباح يوم السبت الماضي، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب معلناً عن تفاصيل المهمة الأميركية لاعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، وتعهد بأن يدير البلاد بعد فراغ السلطة في كاراكاس.
ينذر إعلان ترامب بتدخل أميركي مفرط ومفتوح في هذا البلد اللاتيني، بحسب تحليل لصحيفة “فاينانشال تايمز”، اطلعت عليه “العربية Business”.
وقال ترامب للصحفيين، بحضور كبار مسؤولي الأمن القومي والجيش: “لن نفعل هذا عبثاً. نريد أن نُحيط أنفسنا بجيران طيبين. نريد أن نحيط أنفسنا بالاستقرار. نريد أن نحيط أنفسنا بالطاقة”.
هذه الأخيرة “الطاقة” هي مناط الأمر. ظاهرياً، تُمثّل العملية الأميركية في فنزويلا خروجاً صارخاً عن مبدأ عدم التدخل الذي كان سمة بارزة لأهداف ترامب المعلنة في سياسته الخارجية.
لم يكتفِ ترامب، الذي أعلن نفسه “رئيس السلام”، بالعودة إلى البيت الأبيض متعهداً بإبعاد بلاده عن الصراعات الخارجية، بل إن استراتيجيته الأخيرة للأمن القومي سخرت من “عقود من حروب بناء الدولة العبثية” التي خاضتها الإدارات السابقة.
ومع ذلك، فقد التزم ترامب الآن بجعل فنزويلا، وهي دولة تبلغ مساحتها ضعفي ونصف مساحة ألمانيا ويبلغ عدد سكانها حوالي 28 مليون نسمة، محميةً مؤقتة.
ولم يُفصح عن تفاصيل كثيرة حول كيفية تطبيق ذلك.
وقال الرئيس الأميركي إن وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث “سيعملان مع الشعب الفنزويلي لضمان إدارة فنزويلا بالشكل الأمثل”.
وأضاف ترامب: “لن نفعل ذلك مع مادورو ثم ننسحب كما يفعل الآخرون، ونتركها للجحيم. سنديرها بشكل صحيح. سنديرها باحترافية. ستستثمر أكبر شركات النفط في العالم مليارات الدولارات”.
بدا أن ترامب يستبعد ماريا كورينا ماتشادو، زعيمة المعارضة الفنزويلية والحائزة على جائزة نوبل للسلام والتي لا تزال تحظى بشعبية واسعة داخل البلاد، كخيار محتمل.
وقال: “أعتقد أنه سيكون من الصعب للغاية عليها أن تتولى القيادة، فهي لا تحظى بالدعم الكافي، ولا تحظى بالاحترام”.
ودعت ماتشادو حليفها إدموندو غونزاليس، الذي أظهرت نتائج فرز الأصوات فوزه الحقيقي في الانتخابات الرئاسية التي سرقها مادورو العام الماضي، إلى تولي السلطة. لكن ترامب لم يذكر غونزاليس.
وفي أعقاب العملية الأميركية مباشرة، برزت نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز، الشخص الثاني في السلطة بعد مادورو، كمتحدثة رئيسية مع واشنطن. وقال ترامب: “أفهم أنها أدت اليمين الدستورية للتو… وهي مستعدة أساساً لفعل ما نراه ضرورياً لجعل فنزويلا عظيمةً مرةً أخرى”، مضيفاً أن روبيو قد تحدث معها.
لكن في وقت لاحق من يوم السبت، ظهرت ديلسي على التلفزيون الفنزويلي محاطةً بكبار المسؤولين الحكوميين، وأشارت إلى عملية اختطاف مادورو من قبل الولايات المتحدة دون أي إشارة إلى أنها خلفته رسمياً.
وأصرت على أن مادورو لا يزال “الرئيس الوحيد للبلاد” وطالبت بالإفراج الفوري عنه. وقالت: “الشعب الفنزويلي يعاني. إنه غاضب من اختطاف مادورو والسيدة الأولى. ما يرتكب بحق فنزويلا عمل وحشي”.
وقد أثارت الاستراتيجية الأميركية حيرة بعض أعضاء المعارضة الفنزويلية.
وكتب بيدرو بوريلي، أحد شخصيات المعارضة المقربة من ماتشادو، على موقع “X” بعد المؤتمر الصحفي لترامب: “رأيي: عملية عسكرية محكمة، وخطة سياسية غريبة. فنزويلا مفلسة ومحتاجة، لكنها لن تستسلم لأهواء عبثية… كلمة “غريب” لا توفي ما سمعناه حقه”.
يخشى الفنزويليون من أن يتولى أحد المتشددين في النظام، مثل وزير الداخلية ديوسدادو كابيلو، زمام السلطة في الفراغ السياسي. وستتفاقم التحديات التي يواجهها روبيو في تعزيز العلاقات الأميركية في فنزويلا بسبب غياب وجود أميركي دائم في هذه الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية. فقد أغلقت الولايات المتحدة سفارتها في كاراكاس عام 2019.
في غضون ذلك، تعرف الحركة التشافيزية، نسبةً إلى مؤسسها هوغو تشافيز الذي حكم فنزويلا من عام 1999 حتى وفاته عام 2013، بمواقفها المناهضة للإمبريالية. وقد تشكل تصريحات ترامب يوم السبت، التي أكدت على إمكانات صناعة النفط في البلاد للشركات الأميركية، سلاحاً دعائياً قوياً للتشافيزيين.
وأي محاولة لفرض قوة احتلال ستواجه رد فعل عدائياً من الحكومة والقوات المسلحة الفنزويلية ذات التوجهات القومية المتشددة، فضلاً عن شبكة من الميليشيات المحلية المدججة بالسلاح.
وقد باءت جميع محاولات الولايات المتحدة لتغيير الأنظمة في العقود الأخيرة في العراق وأفغانستان وليبيا بالفشل.
رفض ترامب استبعاد إرسال المزيد من القوات الأميركية إلى فنزويلا، مصرحاً بأنه “لا يخشى” نشر القوات الأميركية، في إشارة إلى إمكانية الحاجة إليها لحماية قطاع النفط. كما لم يشر الرئيس الأميركي إلى ضرورة استعادة الديمقراطية أو إجراء انتخابات جديدة، وهي المبررات التي برر بها التدخلات العسكرية الأميركية السابقة في الخارج.
مع ذلك، استحضر ترامب مبدأ مونرو الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، نسبة إلى الرئيس جيمس مونرو، لترسيخ الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي.
وقال ترامب: “مبدأ مونرو مهم، لكننا تجاوزناه بكثير”.
وانتقد معارضو ترامب المحليون افتقار الرئيس إلى استراتيجية واضحة ووعد بتعميق التدخل الأميركي في فنزويلا.
وصرح السيناتور الديمقراطي عن ولاية فرجينيا، تيم كين، للصحفيين: “نهب دولة يتنافى مع حكمها، وهذا ما يقلقني بشدة بشأن دونالد ترامب ومن سيعهد إليهم بهذه المهمة العبثية تماماً”.
وأبدى بعض النقاد الجمهوريين حذرهم أيضاً.
قال النائب الجمهوري عن ولاية بنسلفانيا، برايان فيتزباتريك: “الدولة الوحيدة التي ينبغي للولايات المتحدة الأميركية أن تديرها هي الولايات المتحدة الأميركية نفسها”.
وأضاف: “ينبغي على الولايات المتحدة أن تنضم إلى المجتمع الدولي في مراقبة الانتخابات الحرة والنزيهة في فنزويلا والإشراف عليها، بما يتيح للشعب الفنزويلي طريقاً نحو ديمقراطية حقيقية”.
وافقت أكثر من 145 دولة، يوم الاثنين 5 يناير/ كانون الثاني، على تعديل اتفاقية الحد الأدنى العالمي لضريبة الشركات لعام 2021 معالجة مخاوف واشنطن من أن القواعد قد تعاقب الشركات الأميركية متعددة الجنسيات.
وأعلنت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يوم الاثنينعن تعديل اتفاقية الحد الأدنى العالمي لضريبة الشركات لعام 2021، وذلك استجابةً لمخاوف واشنطن من أن هذه القواعد قد تُلحق الضرر بالشركات الأميركية متعددة الجنسيات.
وقالت المنظمة إن أكثر من 145 دولة وافقت على ذلك وإن الحزمة الجديدة تحافظ على إطار الحد الأدنى العالمي للضريبة بنسبة 15%، المصمم لضمان دفع الشركات متعددة الجنسيات الكبرى حداً أدنى من الضرائب أينما تعمل.
ويتضمن التحديث تبسيطات واستثناءات لمواءمة قوانين الحد الأدنى للضريبة الأميركية مع المعايير العالمية، بما يتوافق مع الاعتراضات السابقة التي أثارتها إدارة ترامب.
وصرح رئيس منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ماتياس كورمان، في بيان له بأن الاتفاقية “تعزز اليقين الضريبي، وتقلل التعقيد، وتحمي القواعد الضريبية”.
واعتباراً من أكتوبر، بدأت أكثر من 65 دولة بتطبيق الاتفاقية الضريبية العالمية لعام 2021، والتي تلزم الدول بفرض ضريبة بنسبة 15% على الشركات، أو فرض رسوم إضافية على الشركات متعددة الجنسيات التي تسجل أرباحاً في مناطق ذات معدلات ضريبية أقل.
يعزز الاتفاق المعدل الدعم العالمي بعد أن توسطت دول مجموعة السبع، بما فيها الولايات المتحدة، في اتفاق في يونيو/حزيران يُعفي بعض الشركات الأميركية من أجزاء من الإطار الأصلي.
ويساعد اتفاق أوسع، تم التوصل إليه يوم الاثنين بعد أن ضغطت واشنطن على الدول المترددة لدعم الترتيب المُحدَّث، على استقرار الاتفاق العالمي.
وقد أُثيرت الشكوك حول مستقبل الاتفاق في يناير/كانون الثاني الماضي عندما انتقد الرئيس دونالد ترامب اتفاق 2021 الذي تفاوضت عليه إدارة بايدن، قائلاً إنه غير قابل للتطبيق في الولايات المتحدة.
وهددت إدارة ترامب بفرض ضرائب انتقامية على الدول التي فرضت رسوماً على الشركات الأميركية بموجب اتفاق 2021.
سجل الدين الفدرالي الأميركي قفزة تاريخية جديدة ليصل إلى 38.5 تريليون دولار مع نهاية عام 2025>
يعكس هذا الارتفاع زيادة قدرها 2.3 تريليون دولار خلال عام واحد فقط، أي ما يعادل 6.3 مليار دولار يومياً.
وبحسب وتيرة النمو الحالية، فإن إجمالي الدين قد يتجاوز حاجز 40 تريليون دولار بحلول أغسطس المقبل، ما يضع الاقتصاد الأميركي أمام أزمة ديون متسارعة غير مسبوقة.
الارتفاعات منذ 2020
منذ العام 2020، ارتفع الدين الأميركي بمقدار 15.3 تريليون دولار، بمتوسط زيادة سنوية يبلغ 2.6 تريليون دولار.
هذا التصاعد المستمر يعكس ضغوطاً مالية متراكمة ناجمة عن الإنفاق الحكومي الضخم، برامج التحفيز الاقتصادي، وتكاليف الفوائد المتزايدة.
ووفق هذه الأرقام، فإن الدين الفدرالي يعادل حالياً نحو 285,733 دولاراً لكل أسرة أميركية، وهو رقم صادم يوضح حجم العبء المالي الملقى على كاهل المواطنين والاقتصاد الوطني.
ويثير تسارع الدين الأميركي مخاوف واسعة في الأسواق العالمية، حيث يُنظر إليه كعامل ضغط على أسعار الفائدة، قيمة الدولار، واستقرار النظام المالي الدولي. كما أن استمرار هذا المسار قد يحد من قدرة الحكومة الأميركية على تمويل برامجها المستقبلية دون اللجوء إلى مزيد من الاقتراض أو رفع الضرائب.
وبحسب تقرير لـEconomictimes فالتسارع في وتيرة الاقتراض يعكس عمق الضغوط المالية التي تواجهها واشنطن، فخلال عام واحد فقط، أضيف أكثر من 2 تريليون دولار إلى الرصيد العام، ما دفع الأزمة سنوات إلى الأمام مقارنة بالتوقعات السابقة.
ويرجع التقرير جزءاََ كبيراََ من هذا الدين إلى الإنفاق الضخم خلال جائحة كورونا، حين ضخت الحكومة الفدرالية تريليونات لدعم الشركات والعمال والأسواق. لكن الضغوط الأكبر اليوم تأتي من تكاليف الفوائد التي تجاوزت تريليون دولار سنوياً، بعدما كانت لا تتعدى 345 مليار دولار في 2020، لتصبح واحدة من أسرع النفقات نمواً في الميزانية الفدرالية.
ورغم محاولات الإدارة الأميركية كخفض الضرائب وإطلاق برامج كفاءة حكومية، فإن النتائج محدودة أمام حجم الدين المتصاعد.
فالرئيس دونالد ترامب وقّع في 2025 حزمة تشريعية ضخمة عُرفت باسم “One Big Beautiful Bill” بكلفة تقدَّر بـ 3.4 تريليون دولار على مدى عشر سنوات، فيما أعلنت وزارة الكفاءة الحكومية عن توفير 202 مليار دولار منذ تأسيسها، وارتفعت إيرادات الرسوم الجمركية من 7 مليارات إلى 25 مليار دولار منتصف 2026، لكنها تبقى أرقاماً صغيرة أمام الدين الكلي.
كما يؤكد البيت الأبيض أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي انخفضت منذ تولي ترامب منصبه، مشيراً إلى أن السياسات التحفيزية ستواصل تحسين المؤشرات.
لكن خبراء الاقتصاد يحذرون من أن الأزمة باتت “الأكثر توقعاً” في العصر الحديث، على حد وصف جيمي ديمون الرئيس التنفيذي لـ JPMorgan، فيما اعتبر راي داليو مؤسس Bridgewater أن استمرار الاقتراض قد يقود إلى “أزمة قلبية اقتصادية”.
أما رئيس الاحتياطي الفدرالي جيروم باول فشدد على ضرورة “حوار جاد” بين صناع القرار. وفي ظل هذه الأرقام، تتضح المفارقات داخل الاقتصاد الأميركي، حيث يسيطر جيل “البيبي بومرز” على ثروة تقدر بـ 85 تريليون دولار مقابل 18 تريليون فقط لدى جيل الألفية، بينما شركات خاصة مثل SpaceX بقيمة 800 مليار دولار باتت تنافس أكبر المتعاقدين الدفاعيين الأميركيين.
توقَّع بنك «ستاندرد تشارترد»، البريطاني، أن يظل النمو العالمي في عام 2026 ثابتاً عند 3.4 في المائة، وهو المعدل نفسه الذي سُجل في عام 2025.
وفي تقريره السنوي «التوجهات العالمية 2026»، الذي يتناول مستقبل الاقتصاد العالمي، يشير البنك إلى أن المرونة على المستوى العام تخفي تحولات كبيرة في تركيبة النمو.
ومن المتوقع، وفقاً للتقرير، أن يكون عام 2026 عاماً انتقالياً للكثير من الاقتصادات، حيث «ستلعب السياسة المالية دوراً أكبر مع انتهاء دورات التيسير النقدي؛ ليحل النشاط القائم على الاستثمار تدريجياً محل الطلب الخارجي بصفته محركاً رئيسياً للتوسع».
نهاية تخفيض الفائدة
يرى البنك، أن معظم البنوك المركزية تقترب من نهاية دورات خفض أسعار الفائدة مع تباطؤٍ في انخفاض معدلات التضخم، حيث يسعى صناع السياسات إلى الحفاظ على فارق أسعار الفائدة مع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
وفي ظل هذه الديناميكية المتغيرة، تبرز مصر سوقاً واعدة، تسهم فيها جهود الاستقرار والإصلاحات السياسية في تعزيز ثقة المستثمرين؛ ما يرسم ملامح مستقبل أكثر تفاؤلاً لعام 2026.
السوق المصرية
يتوقع التقرير أن تدخل مصر عام 2026 «بوضع اقتصادي كلي أكثر قوة، مدعوماً بتدفقات قوية من العملات الأجنبية، وتحسن في الموازين الخارجية، وتقدم واضح في الإصلاحات الهيكلية». مشيراً إلى ما شهدته مصر خلال العامين الماضيين من دورة مهمة من تعديل السياسات، والتي «بدأت تنعكس الآن في مؤشرات أكثر وضوحاً على الاستقرار والتعافي، خصوصاً على الصعيدين الخارجي والنقدي».
وقد عززت التدفقات المستمرة من شركاء دول مجلس التعاون الخليجي والمستثمرين على المدى الطويل، إلى جانب عائدات برنامج الخصخصة الحكومي، الثقة وأسهمت في إعادة بناء صافي الأصول الأجنبية، وهذا ساعد في خلق بيئة صرف عملات أكثر تنظيماً، حيث يتوقع البنك أن يصل سعر صرف الدولار مقابل الجنيه المصري إلى 47.5 (بعد أن كان 49.0 سابقاً) بحلول نهاية الربع الأول من عام 2026، ونحو 49.0 (بعد أن كان 51.0 سابقاً) بحلول نهاية عام 2026؛ ما يعكس توقعات بتحسن تدريجي في ديناميكيات السوق.
التضخم المصري
ومع انحسار ضغوط الأسعار العالمية، يتوقع التقرير أن تستفيد مصر من انخفاض كبير في معدل التضخم، حيث تشير التوقعات إلى تراجع التضخم إلى نحو 11 في المائة بحلول يونيو (حزيران) 2026.
يأتي هذا الانخفاض مدعوماً بتراجع أسعار السلع الأساسية، وتحسن ظروف العرض المحلي؛ ما يقلل من تأثير تعديلات العملة السابقة. حسبما ذكر التقرير.
ومن المتوقع أن يمنح هذا الانخفاض البنك المركزي المصري مرونة أكبر في تيسير السياسة النقدية؛ ما يعزز مناخ الأعمال ويخفف الضغوط التمويلية على الشركات. و«في الوقت نفسه، يُنتظر أن يتحسن وضع النمو بشكل عام، مع ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 4.5 في المائة في السنة المالية 2026، بفضل نشاط أقوى في قطاعات التجارة والتصنيع والهيدروكربونات. كما يُتوقع أن تسهِم تدفقات السياحة واستقرار عائدات قناة السويس في هذا الانتعاش، مع انحسار الاضطرابات اللوجستية الإقليمية وعودة الثقة تدريجياً».
وفي حديثه عن التوقعات المحلية، صرّح محمد جاد، الرئيس التنفيذي لـ«ستاندرد تشارترد» مصر: «تدخل مصر عام 2026 على أسس اقتصادية كُلية أكثر قوة، مدعومة بتدفقات قوية من العملات الأجنبية، وتقدم مستمر في الإصلاحات الهيكلية، وتحسن مناخ الاستثمار. تسهم هذه العوامل جميعها في استقرار الاقتصاد واستعادة القدرة على التنبؤ. مع انخفاض معدلات التضخم وتعزيز الموازين الخارجية، نتوقع زيادة مستوى الثقة في القطاع الخاص؛ ما يفتح آفاقاً جديدة للنمو والاستثمار طويل الأجل».
ويرى البنك أن هذا المسار يدعم توقعات بصرف 2.5 مليار دولار ضمن برنامج التمويل الممتد لصندوق النقد الدولي بداية عام 2026؛ ما يعزز احتياطيات النقد الأجنبي ويقوّي زخم برنامج الإصلاح الاقتصادي. وبفضل هذه التطورات، تستعد مصر لمواجهة تحديات الاقتصاد العالمي بمرونة أكبر؛ ما يمهد الطريق لعام أكثر استقراراً وجاذبية للاستثمار.
منذ ظهور العملات الرقمية، وعلى رأسها البيتكوين، لم يتوقف الجدل حولها؛ هل هي ثورة مالية حقيقية أم مجرد موجة مضاربة موقتة؟ هذان السؤالان يعودان اليوم بقوة مع اقتراب عام 2026، في ظل تحولات اقتصادية عميقة، وتغير واضح في نظرة العالم إلى الأصول الرقمية.
خلال السنوات الأولى، كانت سوق العملات المشفرة أشبه بساحة مفتوحة للمضاربة الحادة. عمليات شراء وبيع سريعة، ارتفاعات صاروخية يعقبها هبوط حاد، وغياب شبه كامل للثقة، بخاصة من المستثمرين التقليديين. السبب كان واضحاً: هذه عملات لا مركزية، لا تخضع لبنوك مركزية، ولا تحميها مؤسسات، وهو أمر كان كفيلاً بإثارة الشكوك.
الأسعار تتحدث
كثيرون اشتروا البيتكوين عند ظهوره، ثم باعوه عند أول رقم بدا مرتفعاً في ذلك الوقت. قلّة فقط آمنت بالفكرة على المدى الطويل. لكن في عالم المال، القناعة وحدها لا تكفي، فالأسعار هي من تتحدث. ومع مرور الوقت، تكرر السيناريو ذاته: تظهر عملة جديدة، تشتعل الضجة، يدخل الناس، ترتفع الأسعار، ثم يبدأ التصحيح، فتخبو الأضواء. لكن البيتكوين كان مختلفاً. فبدلاً من أن يختفي، راكم الثقة، وبنى شبكة استخدام أوسع، إلى أن وصل اليوم إلى مرحلة يناقش فيها كأصل استراتيجي، بل وقريب من أن يطرح ولو نظرياً كجزء من احتياطيّات بعض البنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى.
وهنا تتضح حقيقة أساسية: القيمة لا تمنح من جهة واحدة، بل يصنعها الإنسان. وسواء أكانت العملة ورقية أم رقمية، فإن الإيمان بها، والطلب عليها، واستخدامها، هي ما يمنحها قيمتها. البيتكوين لم ترتفع لأنها مدعومة بذهب أو اقتصاد دولة، بل لأنها مدعومة بالثقة والندرة الرقمية والزمن. حالياً، يتم تداول البيتكوين قرب مستويات ستة وثمانين ألف دولار، منخفضة من قمتها التاريخية التي تجاوزت مبلغ مئة وستة وعشرين ألف دولار في تشرين الأول/ أكتوبر، عام ألفين وخمسة وعشرين. هذا التراجع، الذي تجاوز ثلاثين في المئة، جاء نتيجة تراجع شهية المخاطرة عالمياً، وتشديد السياسات النقدية، وارتفاع العوائد على الأصول الآمنة، إلى جانب حالة عدم اليقين الاقتصادي.
لكن هذا المشهد ليس صادماً. فهناك مقولة راسخة في الأسواق: لا يوجد صعود من دون تصحيح. وهذه ليست أول مرة يمر البيتكوين أو سوق الكريبتو بموجة هبوط بعد قمم تاريخية. ما يختلف اليوم هو السياق؛ فالأسواق بأكملها تعيش حالة توتر، ولم تعدّ العملات الرقمية معزولة عن المشهد المالي العالمي.
والآن ماذا عن عام 2026؟
نحن في الواقع لسنا على أعتاب دورة تيسير نقدي، بل في داخلها فعلياً، لكن بوتيرة حذرة ومجزأة. الاقتصادات الكبرى تعاني من تباطؤ واضح في النمو، وبيانات سوق العمل بدأت تظهر إشارات إنهاك، في حين أن معدلات التضخم لم تعد تشكل الخطر الأكبر كما في السنوات الماضية. في المقابل، يقف عبء الديون السيادية كأحد أكبر التحديات؛ فتكلفة خدمة الدين ارتفعت إلى مستويات تضغط على الحكومات، ما يجعل استمرار الفائدة المرتفعة أمراً غير قابل للاستدامة على المدى المتوسط.
هذا الواقع يدفع البنوك المركزية إلى التخفيف التدريجي، ليس تحفيزاً للازدهار بقدر ما هو إدارة للأضرار. ومع كل تحسن أو تراجع في البيانات، تعود السيولة إلى البحث عن بدائل. هنا يظهر تأثير مباشر على العملات، إذ يؤدي ضعف الثقة وارتفاع الدين إلى تقلبات أوسع. أما العملات المشفرة فتتأثر بالواقع ذاته، صعوداً وهبوطاً، ضمن مسار أطول أجلاً. بعبارة أبسط، نحن أمام إعادة تسعير، لا انهيار، ويمثل عام 2026 امتداداً لهذه المرحلة، لا نقطة بدايتها الأولى في تاريخ الكريبتو المالي الحديث.
عندما يضغط عميل في دبي زر التحويل بالدولار إلى القاهرة، لا تسافر أمواله مباشرة إلى وجهتها، بل تعبر أولاً نيويورك، حتى وإن لم تكن الولايات المتحدة طرفاً في الصفقة.
وفي عالم التجارة والتمويل الدولي، لا تنتقل الدولارات بين البنوك مباشرة، بل تمر عبر ما يُعرف بـ«بنوك المراسلة» (Correspondent Banks)، وهي بنوك كبرى – معظمها في الولايات المتحدة – تمسك فعلياً بمفاتيح التسوية والمقاصة بالدولار الأمريكي، وتُعد هذه البنوك العمود الفقري للتجارة العالمية، إذ تمر عبرها الغالبية الساحقة من المعاملات التجارية والمالية المقوّمة بالدولار، بما في ذلك تجارة النفط والسلع الأساسية والتحويلات العابرة للحدود.
هذه الرحلة غير المرئية ليست خللاً تقنياً، بل تعبير دقيق عن بنية مالية عالمية تتمحور حول الدولار الأمريكي، وتمنح واشنطن نفوذاً يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والسيادة.
وهذه البنية لا تعكس مجرد هيمنة نقدية، بل تكشف عن تبعية عميقة للبنية التحتية المالية الأمريكية، حيث تمر المدفوعات عبر أنظمة مثل CHIPS وFedWire، وتخضع لقواعد قانونية ورقابية أمريكية، وبذلك، تكتسب الولايات المتحدة سلطة فعلية على تدفقات الأموال العالمية، تمتد آثارها إلى الدول والشركات والأفراد، سواء كانوا خاضعين لعقوبات رسمية أم لا.
ومع أن هذه المنظومة وفّرت لعقود طويلة الاستقرار والكفاءة والسيولة للتجارة العالمية، إلا أنها في الوقت نفسه فتحت الباب أمام تسييس المال وتسليح العملة، ما دفع عدداً متزايداً من الدول إلى إعادة التساؤل:
هل أصبحت بنوك المراسلة الأمريكية مجرد وسيط تقني، أم أداة نفوذ تتجاوز حدود الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسية؟
بينما تظهر بدائل جديدة مثل العملات الرقمية للبنوك المركزية، ونظام المدفوعات الصيني (CIPS)، ومنصة «بُنى» العربية، يبقى الاعتماد على الدولار محورياً في التجارة والتمويل الدولي، مع كلفة هيكلية ودائمة على الدول العربية.
من هنا، يتتبع هذا التحقيق كيف تعمل بنوك المراسلة الأمريكية؟ ولماذا أصبحت بوابة إلزامية للمال العربي؟ وما الكلفة الاقتصادية والسيادية لهذا الاعتماد؟ وهل توجد بدائل واقعية تقلّص هذه الهيمنة دون تفكيك النظام المالي العالمي؟
فريقان متعارضان
استطلعت «البيان» آراء مجموعة من المصرفيين والخبراء الماليين العرب والأجانب يعملون أو عملوا سابقاً في مواقع بارزة بمؤسسات مالية حكومية أو شبه حكومية أو في القطاع الخاص، وبالفعل انقسمت الآراء حول دور بنوك المراسلة وهيمنتها، الفريق الأول يرى أن بنوك المراسلة الأمريكية تشكّل، بحكم الواقع، مفصلاً أساسياً في النظام المالي العالمي، في ظل الهيمنة الواسعة للدولار الأمريكي على التجارة الدولية وتسوياتها.
ويؤكد هؤلاء أن هذه الهيمنة لا تنبع بالضرورة من نيات سياسية مباشرة، بل من بنية تاريخية واقتصادية عميقة جعلت الدولار العملة الأكثر استخداماً في التجارة والاحتياطيات، ما فرض مرور المدفوعات عبر بنوك مراسلة وأنظمة مقاصة أمريكية.
ووفق هذا المنظور، يؤكد الفريق الأول أن البنوك المراسلة تُعد جزءاً من آلية تنظيمية تضمن الانضباط المالي والامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتُسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي العالمي، وإن كانت هذه الآلية مكلفة من حيث الرسوم ومتطلبات الامتثال، وخصوصاً في المعاملات العابرة للحدود.
في المقابل، يذهب الفريق الثاني إلى أن هذا الدور التنظيمي تحوّل مع الوقت إلى نفوذ بنيوي قابل للتفعيل سياسياً، معتمدين على حقيقة أن الوصول إلى أنظمة المقاصة الحيوية بالدولار بات شرطاً لا غنى عنه لأي بنك يسعى للمشاركة في التجارة والتمويل العالميين.
ويشير هؤلاء إلى أن الكلفة لم تعد اقتصادية فقط، بل سيادية أيضاً، إذ يفرض الاعتماد على الدولار التزاماً عملياً بالسياسات النقدية والتنظيمية الأمريكية، ويعرّض الدول والبنوك لمخاطر «خفض المخاطر» والعزل المالي حتى في غياب عقوبات رسمية.
وبينما يقرّ هذا الفريق بأن البدائل الناشئة سواء أنظمة مقاصة إقليمية أو عملات رقمية للبنوك المركزية لا تزال غير قادرة على استبدال النظام القائم بالكامل، إلا أنه يرى فيها مساراً تدريجياً لتقليص المخاطر وتنويع قنوات التسوية، بدلاً من الاستمرار في اعتماد أحادي على منظومة واحدة.
الدولار وسلاح النفوذ
يرى الدكتور ناصر السعيدي، الاقتصادي اللبناني المخضرم، مُؤسِّس ورئيس شركة ناصر السعيدي وشركاه، والذي عمل سابقاً كوزير للصناعة في الحكومة اللبنانية ونائب محافظ البنوك المركزية اللبنانية وكبير الاقتصاديين في مركز دبي المالي العالمي، أن الدولار الأمريكي يهيمن على التجارة والمعاملات المالية الدولية، بما في ذلك النفط، من خلال شبكة بنوك المراسلة الأمريكية، ما يمنح السلطات الأمريكية قدرة قانونية على أي معاملة بالدولار في العالم.
ويبلغ نصيب الدولار من حجم تمويل التجارة الدولية نحو 80.15%، مقابل 8.36% لليوان الصيني و6.17% لليورو، ما يعكس قدرة الدولار على التحكم في تدفقات الأموال العالمية، بما في ذلك الأموال العربية.
ويشير السعيدي إلى أن الولايات المتحدة تستخدم الدولار كأداة سياسية، عبر العقوبات الاقتصادية والاستبعاد من نظام سويفت ومصادرة الأصول، بما يعكس أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي، ويمتد هذا التأثير ليشمل حالات «سلاح ناعم» عبر قطع العلاقات المصرفية مع دول مثل لبنان وليبيا والسودان وسوريا، بذريعة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أو لأسباب جيوسياسية، ما يؤدي عملياً إلى عزل هذه الدول عن النظام المالي العالمي.
ويؤكد السعيدي أن هيمنة الدولار اليوم ترتكز أكثر على بنية المدفوعات وأنظمة التسوية، وليس فقط على دور العملة.
حيث يعالج نظام FedWire نحو 4 تريليونات دولار يومياً، وCHIPS حوالي 1.8 تريليون دولار، فيما تمر نحو 95% من المدفوعات بالدولار عبر هذه الأنظمة.
ورغم أن نظام سويفت ليس أمريكياً، إلا أنه التزم غالباً بتوجيهات الولايات المتحدة في حالات إيران وروسيا، ما يعكس قدرة أمريكية على التأثير على النظام المالي الدولي.
ويضيف السعيدي إن الاعتماد على الدولار يرفع تكاليف المعاملات ويزيد مخاطر سعر الصرف، وخصوصاً في المعاملات الخليجية مع الصين، ما يدفع إلى التفكير في استخدام اليوان الصيني الرقمي لتسوية معاملات الطاقة والتجارة المباشرة بين الطرفين.
كلفة اقتصادية وسيادية
ويشير السعيدي إلى أن الاعتماد على بنوك المراسلة الأمريكية يفرض كلفة مباشرة على الدول العربية، تشمل رسوم البنوك وفروق أسعار الصرف، كما يتيح للدول المصدرة للدولار تحقيق عوائد سك العملة (Seigniorage)، ويعكس ما يُعرف بـ«الامتياز المفرط» للولايات المتحدة.
وتربط معظم دول الخليج عملاتها بالدولار، ما يعني الالتزام بالسياسة النقدية الأمريكية.
ويرى السعيدي أن التنويع بسلة عملات تشمل الدولار واليورو واليوان قد يحقق استقلالاً نقدياً أكبر، في حين تبقى حيازات الصناديق السيادية الخليجية للدولار مرتفعة رغم بدء توجه تدريجي للتنويع بعيداً عن الأصول الأمريكية.
أما بالنسبة للبدائل، مثل نظام المدفوعات الصيني (CIPS)، والعملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs)، ومنصة «بُنى» العربية، فهي واعدة لكنها محدودة النطاق.
حيث عالج نظام CIPS نحو 12 تريليون دولار في 2024 عبر 1600 مؤسسة مالية في 100 دولة، فيما لا تتجاوز حصة اليوان من المدفوعات العالمية 3%.
وتتيح العملات الرقمية للبنوك المركزية إمكانية تحويل مباشر بين عملات سيادية دون المرور بالبنوك الأمريكية، كما نجحت الإمارات في أول تجربة دفع عبر الدرهم الرقمي مع الصين ضمن مشروع «إم بريدج» mBridge، ما يعكس إمكانيات تقنية لتقليل الاعتماد على الدولار مستقبلاً.
وتسمح منصة «بُنى» بتسوية المدفوعات بين الدول العربية باستخدام ست عملات، بما يقلل التكاليف والمخاطر الجيوسياسية، لكنها لا تزال غير قادرة على منافسة سيولة منصة سويفت العالمية، وتعالج نحو 15 ألف معاملة شهرياً بمشاركة 110 مؤسسات مالية، ما يجعلها في مرحلة نمو تدريجية لكنها واعدة.
آفاق مستقبلية
يختم السعيدي بقوله إن تطوير منصة «بُنى» وإدماج العملات الرقمية قد يشكّل خطوة أساسية نحو نظام مقاصة خليجي مشترك، بدعم البنوك المركزية الخليجية وقدرتها على إنشاء خطوط مقايضة ثنائية وإقليمية، ما يعزز المرونة ويقلص المخاطر الاقتصادية والسيادية، مع الاحتفاظ بالتكامل مع النظام المالي العالمي.
واقع المدفوعات الدولية
يرى جمال صالح، المدير العام لاتحاد مصارف الإمارات، أن اعتماد البنوك على المراسلة الأمريكية في معظم المدفوعات الدولية يشكّل حالة طبيعية في النظام المالي العالمي.
ويعود ذلك إلى أن نحو 60 – 70% من معاملات التجارة الدولية تتم بالدولار الأمريكي، ما يجعل المرور عبر البنوك الأمريكية جزءاً من آليات العرض والطلب وشعبية العملة على مستوى العالم.
ويشير صالح إلى أن أي عملية تجارية بين دولتين عادةً ما تمر عبر البنوك التابعة للدولة المصدرة للعملة المستخدمة في الدفع.
فعلى سبيل المثال، إذا أراد عميل في المغرب دفع مقابل بضائع لعميل في البحرين بالدولار، فمن الطبيعي أن تمر الحوالة عبر بنوك المراسلة في الولايات المتحدة، غالباً في نيويورك.
وقد يؤدي ذلك إلى تكاليف إضافية نتيجة تعدد الرسوم أو وجود أكثر من بنك مراسل في العملية، وهو أمر شائع وطبيعي في النظام المالي الدولي.
التسويات بالعملات الأجنبية
يوضح صالح أن هذا الأمر ينطبق على جميع العملات الصعبة، سواء الدولار الأمريكي أو الجنيه الإسترليني أو اليورو، أو أي عملة وطنية مستخدمة في التسويات الدولية.
ويؤكد أن مرور العمليات عبر بنوك المراسلة ليس هيمنة أو عقوبة، بل متطلب فني وبنيوي لا غنى عنه، حتى بالنسبة لتسويات بمليارات الدولارات.
ويشير إلى أن أي تسوية بعملة دولة معينة لا يمكن أن تتم من دون المرور بمنظومتها المصرفية، كما هو الحال عند تنفيذ معاملات بالدرهم الإماراتي بين هونغ كونغ والبرتغال.
ويعزز هذا من أهمية وجود أنظمة محلية متقدمة لضمان مرونة وأمان المعاملات المالية الدولية.
وفي ما يتعلق بالبدائل، يوضح صالح أن منصة «بُنى» تم إطلاقها لتسهيل التسويات بين الدول العربية الـ22 باستخدام العملات المحلية، ما يلغي الحاجة إلى تحويل المدفوعات إلى الدولار في معاملات مثل تحويل بنك بحريني إلى بنك تونسي.
كما تسمح المنصة بالتعامل مع حالات معقدة، مثل طلب جزء من الدفعة بعملة عربية وجزء بعملة صعبة، ما يبرز جاهزيتها للتعامل مع جميع السيناريوهات التجارية.
ويشير صالح إلى أن بعض السلع، مثل النفط، لا تزال تُسوى عالمياً بالدولار، وفي هذه الحالات تساعد منصة «بُنى» على تسهيل العمليات باستخدام الدولار، بالاعتماد على بنوك المراسلة الأمريكية عند الحاجة، ما يعكس قدرة المنصة على التعامل مع الواقع المالي العالمي.
الدرهم عملة صعبة
يعد صالح أن ازدياد شعبية الدرهم الإماراتي تطور إيجابي، مستشهداً بعمليات الدفع التي تمت مؤخراً من الهند إلى الإمارات بالدرهم.
ويؤكد أن الدرهم أصبح من العملات القادرة على التحول إلى عملة صعبة مستقبلاً، نظراً لارتفاع مستوى الثقة به واعتماده في المعاملات الدولية.
ويضيف إن هناك جهوداً حالية لتعزيز الطلب على الدرهم ليصبح وسيلة دفع دولية، بما في ذلك استخدامه في إصدار الصكوك والسندات بالعملة المحلية.
ويشير صالح إلى أن ترسيخ عملة كالدولار أو الجنيه الإسترليني أو اليورو استغرق مئات السنين، لكن الإمارات تسعى لاختصار هذا الزمن عبر تبني سياسات مالية واستراتيجية مدروسة، بما يعزز مكانة الدرهم على الساحة الدولية.
وتؤكد رؤية جمال صالح أن اعتماد البنوك على المراسلة الأمريكية يمثل حالة طبيعية ومتوقعة ضمن النظام المالي العالمي، وأن البدائل مثل منصة «بُنى» والعملات المحلية والدرهم الإماراتي توفر فرصاً لتعزيز الاستقلالية المالية وتقليل الاعتماد على الدولار تدريجياً.
ويعكس هذا التوجه نهجاً براغماتياً يوازن بين الامتثال للمعايير الدولية واستثمار الفرص الإقليمية لتعزيز قوة العملة المحلية، دون السعي إلى تغييرات مفاجئة قد تهدد استقرار النظام المالي.
دور بنوك المراسلة
أكد وسام فتوح، الأمين العام لاتحاد المصارف العربية، أن بنوك المراسلة الأمريكية لا تمثل هيمنة فعلية على حركة الأموال العربية، بل إن السيطرة الفعلية تأتي من هيمنة الدولار الأمريكي على التجارة الدولية، حيث لا يزال يشكل أكثر من 65% من المعاملات الدولية.
ويشير فتوح إلى أن أي عملية مقاصة أو تسوية مالية دولية غالباً ما تمر عبر بنوك المراسلة الأمريكية، إذ تلتزم هذه البنوك بإجراءات صارمة لضمان صحة المعاملات والامتثال للقوانين، ما يعزز الاستقرار المالي عالمياً وعلى مستوى المنطقة العربية.
ويضيف فتوح إن بنوك المراسلة الأمريكية تقوم بعمليات «العناية الواجبة» لأي تحويل مالي، للتحقق من خلوها من عمليات غسل أموال أو تمويل إرهاب أو فساد، ما يسهم في خلق نظم مالية مستقرة ومنتظمة.
ويشير إلى أن المصارف العربية يجب أن تلتزم بالقوانين الدولية الصارمة في هذا المجال، وأن البنوك المركزية العربية قامت بدور ممتاز في تطبيق تشريعات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يعزز الثقة بالنظام المصرفي الإقليمي.
وبين فتوح أن دور البنك المراسل إيجابي لكنه مكلف في الوقت نفسه، إذ يتعين على البنك الذي يتعامل معه – أي البنك المستفيد أو المجيب – الالتزام الكامل بجميع القوانين والأنظمة المرعية.
ويضيف إن الالتزام بهذه المعايير يضمن وصول المعاملات المالية إلى الأسواق العالمية بسلاسة، ويجنب البنوك أي مخاطر مرتبطة بالعقوبات أو الرقابة الدولية، ما يحافظ على استقرار النظام المالي ويحد من المخاطر التشغيلية.
العملات الرقمية للبنوك المركزية
تطرق فتوح إلى العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs)، موضحاً أنها تصدر فعلياً عن البنك المركزي ومدعومة منه، وتختلف عن العملات المشفرة مثل البتكوين، التي تُعد سلعة وليست وسيلة دفع قانونية عامة.
ويشير إلى أن العملات الرقمية للبنوك المركزية تُعد أداة رسمية للمدفوعات، مدعومة بحسابات مصرفية فعلية، لكنها لا تشكل بديلاً عن عمليات التسوية والمقاصة التي تنفذها بنوك المراسلة التقليدية، على الأقل في المرحلة الحالية.
مشروع «بُنى» الإقليمي
في ما يخص مشروع «بُنى»، أوضح فتوح أنه منصة ممتازة أنشأتها البنوك المركزية العربية برعاية صندوق النقد العربي، وتختص بالمقاصة الإقليمية داخل الدول العربية وليست الدولية.
وتتيح المنصة تسوية المدفوعات بين الدول العربية بفعالية، مع الالتزام الكامل بجميع القوانين الدولية المعمول بها، بما في ذلك توصيات مجموعة العمل المالي وتوصيات بازل.
وأشار فتوح إلى أن منصة «بُنى» معترف بها دولياً، وتمتلك تواصلاً مباشراً مع الجهات الرقابية العالمية، وتطبق أعلى مستويات الحوكمة والشفافية، ما يعزز الثقة بالنظام المصرفي الإقليمي، ويسهم في تقليل الاعتماد على آليات التسوية الدولية بالدولار عند الحاجة.
وخلص رأي وسام فتوح إلى أن بنوك المراسلة الأمريكية تسهم في الاستقرار والانتظام المالي العالمي، وأن الهيمنة الفعلية على الأموال العربية تعود إلى اعتماد الدولار الأمريكي عملة رئيسة في التجارة الدولية، وليس لبنوك المراسلة دور استراتيجي في فرض السيطرة السياسية.
ويبرز كذلك أن العملات الرقمية للبنوك المركزية ومنصة «بُنى» تشكل بدائل مهمة لتسهيل المدفوعات الإقليمية، لكنها لا تزال مكملة للنظام القائم ولا تشكل تهديداً مباشراً للدولار أو للبنية التحتية المالية التقليدية.
ويعكس هذا التوجه نهجاً متوازناً بين الاستفادة من الاستقرار العالمي الذي توفره بنوك المراسلة الأمريكية، وبين تطوير أدوات إقليمية حديثة لتعزيز السيولة والمرونة المالية في العالم العربي، بما يدعم الاستقلال المالي التدريجي دون الإخلال بالاندماج في النظام المالي الدولي.
أداة فعّالة للسيطرة
يرى حمزة دويك، رئيس قسم التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا في ساكسو بنك، أن بنوك المراسلة الأمريكية تمثل أداة مؤسسية فعّالة للسيطرة على تدفقات رأس المال العربي، حتى في الدول غير الخاضعة لعقوبات مباشرة.
وأوضح أن هذه السيطرة ليست نتاج قرارات سياسية ظرفية، بل متجذرة في البنية التحتية لنظام المقاصة بالدولار الأمريكي، الذي يُلزم البنوك العربية بالحفاظ على علاقات مراسلة مع مؤسسات مالية أمريكية للوصول إلى أنظمة التسوية الحيوية، وعلى رأسها نظاما فيدواير وتشيبس.
ويشكل هذان النظامان عصب المعاملات الدولية بالدولار، حيث يعالج نظام فيدواير نحو 4 تريليونات دولار يومياً، فيما يتولى تشيبس تسوية 1.8 تريليون دولار يومياً.
ونتيجة لذلك، يصبح الوصول إلى هذه الأنظمة شرطاً أساسياً لأي بنك يسعى للمشاركة الفاعلة في التجارة والتمويل العالمي.
قدرة استثنائية لواشنطن
أكد دويك أن هيمنة الدولار لا تقتصر على دوره النقدي، بل تمتد إلى السيطرة على البنية التحتية للنظام المالي العالمي.
فالدولار يشكل نحو 60% من الاحتياطيات العالمية و40% من المدفوعات الدولية، وتتحكم الولايات المتحدة في مفاصل رئيسة من أنظمة التسوية والمقاصة، بما في ذلك FedWire وCHIPS ومسارات سويفت الخاصة بالدولار.
ويشير دويك إلى أن أكثر من 95% من المدفوعات العابرة للحدود بالدولار تمر عبر بنوك أمريكية في مرحلة ما من مراحل التسوية، ما يمنح واشنطن قدرة استثنائية على الرصد والتنفيذ والضغط التنظيمي على التدفقات المالية العالمية، ما يعزز تأثير الدولار بما يتجاوز أدوات السياسة النقدية التقليدية مثل أسعار الفائدة.
كلفة الهيكلة
يشدد دويك على أن الاعتماد على بنوك المراسلة الأمريكية يُمثل كلفة هيكلية دائمة للبنوك العربية، وليست مجرد ظرفية أو مرتبطة بالأزمات.
فالمؤسسات المالية تتحمل ملايين الدولارات سنوياً لتلبية متطلبات اعرف عميلك ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهذه التكاليف جزء أساسي من التشغيل اليومي.
وخلال فترات الضغط المالي، كما حدث أثناء الأزمة المالية العالمية 2008 أو جائحة كوفيد 19، أدى شح الدولار إلى ارتفاع تكاليف التمويل وتأخير تسويات التجارة وزيادة هشاشة الأنظمة المصرفية المحلية.
كما أشار دويك إلى أن أكثر من 20% من البنوك العربية بين 2016 و2020 فقدت علاقات المراسلة الأمريكية، ما أدى إلى زيادة تكاليف المعاملات بنسبة 15 – 20% وتقييد الوصول إلى السيولة العالمية.
من زاوية السيادة الاقتصادية، يحد هذا الاعتماد من قدرة الدول العربية على تنفيذ سياسات مالية وتجارية مستقلة، ويجعل استقرار أنظمتها المصرفية مرتبطاً بقرارات خارج نطاق سيادتها.
البدائل الناشئة
وأشار دويك إلى أن البدائل الناشئة تسجل زخماً متزايداً، لكنها لا تزال محدودة النطاق والتأثير.
فقد عالج نظام المدفوعات بين البنوك الصيني (CIPS) أكثر من 12 تريليون دولار عام 2024، وضم 1600 مؤسسة مالية في نحو 100 دولة، إلا أن حصة اليوان في المدفوعات العالمية لا تزال عند حدود 3%، ما يقيّد قدرته على منافسة الدولار على نطاق واسع.
أما مشاريع العملات الرقمية للبنوك المركزية، مثل مشروع إم بريدج mBridge بين الصين والإمارات والسعودية، فقد أثبتت جدواها التقنية عبر معاملات تجريبية بقيمة 22 مليون دولار، لكنها لم تصل بعد إلى حجم تجاري يمكنه إحداث تحول هيكلي.
كما تجري مناقشات حول إنشاء أنظمة مقاصة إقليمية داخل مجلس التعاون الخليجي، لكن تحديات مثل تشتت السيولة، وصعوبة التشغيل البيني، واختلاف الأطر التنظيمية، لا تزال عوائق رئيسة أمام البدائل الإقليمية.
وختم دويك بالقول إن النظام المالي المتمركز حول الدولار راسخ بعمق، ومن المرجح أن يكون أي تحول مستقبلي تدريجياً وبطيئاً، بعيداً عن أي انقلاب أو تغيير مفاجئ.
نفوذ مالي
ويرى المصرفي البريطاني المخضرم ديفيد جيبسون – مور، الرئيس التنفيذي لشركة جلف أناليتيكا، أن بنوك المراسلة الأمريكية تمارس نفوذها على النظام المصرفي العربي بشكل غير مباشر، من خلال أطر الامتثال وليس عبر السيطرة المباشرة.
ويأتي ذلك نتيجة الهيكل البنيوي للنظام المالي العالمي، حيث تتم معظم التجارة العالمية والاستثمارات والخدمات المصرفية العابرة للحدود بالدولار الأمريكي، ويجري تسوية هذه المعاملات غالباً عبر بنوك المراسلة الأمريكية، حتى بين أطراف غير أمريكية.
وأوضح مور أن هذه البنوك تعتمد معايير صارمة للعناية الواجبة، ومراقبة المخاطر، والتحقق من الامتثال، متأثرة بالتوقعات التنظيمية الأمريكية، والتي أصبحت أفضل الممارسات العالمية.
وبما أن البنوك العربية ترغب في الحفاظ على الوصول إلى مقاصة الدولار والأسواق الدولية، فإنها تُكيّف عملياتها وأنظمتها مع هذه المعايير، ما يؤثر في سلوكياتها التجارية وأولويات المعاملات، بما في ذلك تأجيلها أو رفضها أحياناً رغم قانونيتها.
تكاليف تشغيلية
رغم النفوذ غير المباشر، يرى مور أن هذه المتطلبات ساهمت بشكل إيجابي على المدى الطويل في تعزيز الحوكمة والشفافية وزيادة مرونة القطاع المصرفي الإقليمي.
فاستجابة المؤسسات المالية العربية تشمل تنويع علاقاتها مع بنوك المراسلة، وتطوير تقنيات الامتثال، وتوسيع استخدام العملات البديلة وقنوات الدفع، ما يقلل من مخاطر التركيز على الدولار ويعزز مرونة التعاملات المالية.
وأكد مور أن تأثير بنوك المراسلة الأمريكية هيكلي وليس سياسياً، إذ يعتمد على بنية النظام المالي الدولي، وليس على نوايا سياسية محددة تجاه المنطقة العربية.
ويُبرز أن الأنظمة مثل FedWire وCHIPS وشبكات بنوك المراسلة العالمية تشكّل العمود الفقري لمعظم عمليات التسوية الدولية بالدولار، بما في ذلك المعاملات بين أطراف غير أمريكية، ويُعد الوصول إليها ضرورة تشغيلية للبنوك الدولية.
وأشار مور إلى أن الاعتماد على سلاسل التسوية الدولارية يترتب عليه تكاليف هيكلية، تتجلى في ارتفاع تكاليف الامتثال، وتشدد متطلبات التوثيق، واعتماد نهج أكثر تحفظاً في معالجة المعاملات.
وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات أسهمت في تعزيز الشفافية والاستقرار المالي، إلا أنها رفعت التكاليف التشغيلية الثابتة، وخصوصاً بالنسبة للبنوك الأصغر حجماً.
كما أن الاعتماد على قنوات مقاصة خارجية يمكن أن يحدّ من هامش المناورة في أوقات الأزمات، عندما تكون السرعة أو الخصوصية مطلوبة في اتخاذ القرار. في المقابل، ساهم الالتزام بالمعايير الدولية في تعزيز المصداقية المالية وبناء الثقة بالأسواق.
البدائل والتحديات
أكد مور أن البدائل المطروحة لبنوك المراسلة القائمة على الدولار، مثل CIPS الصيني، أنظمة المقاصة الإقليمية، والعملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs)، تكتسب مصداقية متزايدة، لكنها لا تزال تعمل كقنوات مكمّلة وليست بديلاً كاملاً.
وقدرتها على التوسع تختلف باختلاف المنطقة وأنماط التجارة ونظام سعر الصرف في كل دولة.
وأشار إلى أن نظام CIPS توسع تدريجياً لتسوية المعاملات بالرنمينبي، وخصوصاً في المسارات التجارية المرتبطة بالصين، فيما أسهمت أنظمة المقاصة الإقليمية في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا في تسهيل التسويات بالعملات المحلية للتجارة البينية، لكنها لا تستطيع محاكاة السيولة والانتشار العالمي للبنية التحتية الدولارية.
كما لفت إلى أن المبادرات المرتبطة بمجموعة بريكس (BRICS) عززت استخدام العملات المحلية في التجارة الثنائية، بما في ذلك معاملات الطاقة والسلع الأساسية بين الصين والمنتجين الخليجيين، وأيضاً بين الصين والهند وروسيا، والتي جرى تسويتها جزئياً بالرنمينبي أو الروبية أو الدرهم الإماراتي، بعد أن كان الدولار العملة الافتراضية سابقاً.
أما العملات الرقمية للبنوك المركزية والمنصات متعددة العملات (multi-CBDC) فتمثل مستقبلاً محتملاً لتقليل الاحتكاك والكلفة التشغيلية، لكنها تواجه تحديات تتعلق بالتشغيل البيني، الحوكمة، والنهائية القانونية للتسوية.
وخلص مور إلى أن التحدي الاستراتيجي للدول العربية يكمن في تنويع خيارات التسوية والمدفوعات، مع الحفاظ على اندماج كامل وفعال في النظام المالي العالمي، بدلاً من محاولة استبدال مفاجئ للنظام القائم الذي أثبت قدرته على توفير السيولة والاستقرار لعقود.
كما أشار إلى أن أي قيود على المقاصة الدولية تنشأ من سياسات الحكومة الأمريكية، ما يدفع بنوك المراسلة لتبني ممارسات محافظة واستباقية لضمان الوصول المستمر إلى مقاصة الدولار والبنية التحتية العالمية للمدفوعات.
النظام المالي العالمي شبكة ساعي بريد دولية
يمكن تشبيه النظام المالي العالمي بشبكة ساعي بريد دولية: إذا أردت إرسال رسالة داخل المدينة، يكفي ساعٍ محلي، أما عند إرسالها إلى دولة أخرى، فإنها تمر عبر مراكز فرز رئيسة قبل الوصول إلى الوجهة النهائية.
الدولار الأمريكي يعمل بنفس الطريقة: الأموال لا تنتقل مباشرة من بنك إلى آخر، بل تمر عبر سلسلة من الوسطاء والبنية التحتية المصممة لتسوية المدفوعات الدولية بشكل آمن وفعال.
في هذا النظام، لا ينتقل المال مباشرة من بنك إلى آخر، بل يمر عبر سلسلة من الوسطاء والبنى التحتية، لكل منها دور محدد.
البداية مع بنوك المراسلة، وهي البوابات التي تسمح للبنوك حول العالم باستخدام الدولار، فالبنك في دبي أو القاهرة أو هونغ كونغ لا يمتلك حساباً مباشراً لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بل يفتح حساباً بالدولار لدى بنك أمريكي كبير مثل J.P. Morgan أو Citibank.
هذا البنك الأمريكي يصبح بمثابة ساعي البريد المعتمد، ينفّذ التحويلات نيابة عن البنك الأجنبي.
ولدينا أيضاً «نظام سويفت» (SWIFT)، الذي لا ينقل الأموال فعلياً، بل ينقل التعليمات، وهو أشبه بنظام مراسلة موحّد يخبر البنوك: من يدفع؟ لمن؟ وبأي عملة؟
ورغم أن سويفت مؤسسة دولية مقرها بلجيكا، إلا أن غالبية التحويلات الدولارية تمر عبره، وقد التزم تاريخياً بتوجيهات الولايات المتحدة في حالات العقوبات الكبرى.
ثم نأتي إلى قلب النظام المالي وهو CHIPS وFedWire، إذ هنا تنتقل الأموال فعلياً، إذ يعد CHIPS نظام مقاصة خاصاً تديره البنوك الأمريكية لتسوية المدفوعات الدولارية الكبرى والتجارة الدولية، أما FedWire فهو النظام الذي يديره الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ويُستخدم لتسوية التحويلات النهائية بين البنوك داخل الولايات المتحدة بشكل نهائي وفوري.
ويمكن تشبيه هذين النظامين بأنابيب المياه، إذا لم تكن متصلاً بها، فإن الدولار الذي تحمله يصبح بلا فائدة عملية، مهما بلغت قيمته.
أما مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) فهو بمثابة «المفتّش»، ففي الخلفية، يقف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، وهو الجهة التي تضع قواعد الامتثال والعقوبات، لا يتدخل المكتب في كل معاملة، لكنه يمتلك السلطة القانونية لمراجعة أو تعطيل أو معاقبة أي جهة تمر معاملاتها عبر النظام المالي الأمريكي، إذا رأت أنها تخالف القوانين أو العقوبات.
ولاستكمال شرح الموضوع تقنياً، لا بد من أن نعرج على حسابي (Nostro Account) وVostro Account وهما اسمان مختلفان ولكن لحساب بنكي واحد بحسب منظور كل بنك، أما نوسترو (Nostro Account) فهو حساب مصرفي يفتحه بنك ما لدى بنك آخر في دولة مختلفة وبعملة أجنبية، ويُستخدم لتنفيذ وتسوية التحويلات الدولية وتمويل التجارة، ومن منظور البنك الذي يملكه، يُعد هذا الحساب «حسابنا لدى بنك آخر»، ويشكّل الأداة الأساسية التي تُمكّن البنوك من استخدام العملات الصعبة، وعلى رأسها الدولار الأمريكي، والوصول إلى أنظمة المقاصة العالمية مثل CHIPS وFedWire.
وبالنسبة لفوسترو (Vostro Account) فهو الحساب نفسه ولكن من منظور معاكس، إذ يُنظر إليه من قبل البنك الذي يستضيف الحساب أنه «حسابكم لدينا»، ويُستخدم حساب فوسترو لإدارة أرصدة البنوك الأجنبية وتنفيذ عمليات الدفع والاستلام نيابةً عنها، كما يُعد إحدى الركائز التنظيمية التي تتيح لبنوك المراسلة مراقبة الامتثال وتنفيذ التعليمات العابرة للحدود ضمن النظام المالي الدولي.
قبل عقد من الزمان، اتخذت الحكومة السويسرية قراراً متفائلاً للغاية: قررت الحكومة تفكيك آخر ما تبقى من متفجرات الحرب الباردة التي كانت قد زرعتها سابقاً لحماية طرقها وجسورها وأنفاقها وردع أي غزو. فلماذا قامت بذلك؟
في مطلع القرن الحادي والعشرين، افترضت النخب الغربية عموماً أن العولمة والديمقراطية والسوق الحرة أمور جيدة تماماً، ولذلك فهي ستستمر بديهياً في الانتشار، مرسية بذلك السلام حول العالم. ولذلك، بدا التخطيط لغزو محتمل أمراً لا طائل منه.
لكن من الواضح أن الأوضاع مغايرة لذلك الآن. فمع حلول عام 2026، «يتدهور الوضع الأمني حول سويسرا عاماً بعد عام، وتلوح في الأفق مواجهة عالمية»، حسبما يشير تقرير حديث صادر عن جهاز المخابرات الفيدرالي السويسري. لذا، تسعى الحكومة السويسرية جاهدة – شأنها شأن الحكومات الأخرى – الآن لإعادة بناء دفاعاتها، بعد أن أدركت أنها أخطأت تماماً في قراءة المستقبل.
والمثير للدهشة، أن جهاز المخابرات الفيدرالي السويسري قد نشر في هذا السياق دليلاً حول نقاط المعرفة العمياء. ويشير الدليل إلى أن «الكثير من الناس يفتقرون إلى المعرفة الكافية، بكيفية عمل التفكير البشري»، ويحث جهاز الاستخبارات الفيدرالي على التفكير ملياً في تحيّزاتهم الذهنية لفهم الحاضر والمستقبل بشكل أفضل.
وبشكل أكثر تحديداً، يحدد الدليل 18 تحيزاً معرفياً مختلفاً تعيق تفكيرنا، مثل «التفكير الجماعي» (التمسك بالافتراضات المريحة التي تنتشر بين جماعة ما)، و«الترسخ» (الاعتماد كلياً على المعلومات التي نراها أولاً، على سبيل المثال، على وسائل التواصل الاجتماعي)، و«التحيز للمؤكد» (رؤية البيانات التي تعزز وجهات النظر المسبقة فقط)، و«الانعكاس» (افتراض أن الآخرين يفكرون مثلنا)، و«تحيز غياب الأدلة» (عدم التفكير في البيانات التي نفتقر إليها)، و«تحيز البقاء» (تقييم البيانات بناءً على قصص النجاح فقط، وليس على قصص الفشل). إنها نصائح قيمة، ويجب ألا تبقى حكراً على أجهزة الاستخبارات.
لقد شكل عام 2025 تجربة صادمة لكل من نشأ في ظل روح العصر الغربي في أواخر القرن العشرين: فقد تقوضت العولمة بفعل النزعة القومية، وتآكلت مبادئ السوق الحرة بفعل تدخل الحكومات، وخسرت الديمقراطية مكانتها لصالح الأوليغارشية. وهذه الأخيرة بالذات تخالف تماماً ما كان متوقعاً، كما تشير آن أبلباوم في كتابها «الاستبداد شركة».
ومع انطلاق عام 2026، يبرز التساؤل حول كيفية فهم هذه الصدمات المربكة. ويقدم التاريخ إطاراً مفيداً. فما يحدث اليوم يردد، من بعض النواحي، صدى روح العصر قبل قرنٍ من الزمان، حين تنافست القوى العظمى على الهيمنة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. وبشكل أكثر تحديداً، فإن ما نشهده اليوم هو في جوهره صراع جيواقتصادي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، حيث تستخدم أدوات السياسة الاقتصادية لأغراضٍ سياسية.
وتحظى أمريكا بنفوذ مهيمن في هذا الصراع المالي، لأنها تسيطر على عملة الاحتياطي العالمية. في المقابل، تتمتع الصين بنفوذ مهيمن في قطاع التصنيع بفضل سيطرتها على مراكز سلاسل التوريد. أما الهيمنة التكنولوجية فلا تزال محل نزاع. وبينما يسعى كل طرف إلى كسر هيمنة الآخر، لا يبدو أن أياً منهما قادر على تحقيق ذلك قريباً.
لذا، من المتوقع استمرار هذه الصراعات للحصول على منظور آخر للأحداث، للنظر إلى ما يطلق عليه علماء الأنثروبولوجيا «الصمت الاجتماعي» أي ميلنا إلى تجاهل جوانب من عالمنا بسبب أطرنا الثقافية، وهذا التجاهل منتشر بكثرة اليوم.
ومن الأمثلة على ذلك، قلة انتباهنا إلى اعتمادنا المفرط على أنظمة البنية التحتية الإلكترونية الهشة. ومثال آخر، قلة اكتراث الخطاب الغربي بحقيقة أننا نعيش في عصر ذهبي للعلم (وهو نمط يعكس الخلفية التعليمية غير العلمية لمعظم السياسيين والصحفيين الغربيين).
ويمكن للأنثروبولوجيا أيضاً أن تلقي الضوء على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فقد حطمت الإدارة الأمريكية الحالية العديد من المعايير الغربية الحديثة للأنظمة الديمقراطية القائمة على القواعد، إذ إنها تتشكل وفقاً لأهواء ترامب وحيث يمارس المسؤولون سلطتهم بناءً على قربهم من الرئيس، لا على الهيكل التنظيمي.
علاوة على ذلك، يتصرف المقربون من ترامب وكأن مصالحهم المالية مرتبطة بمصالح الدولة، دون أدنى شعور بالخجل. وهذا الأمر يصدم الليبراليين الغربيين. لذلك، فإن إحدى الطرق لتحليل البيت الأبيض هي التعامل معه كبلاط ملكي من عهد ملوك تيودور، وهي فكرة تبناها قادة الأعمال السويسريون أخيراً عندما زاروا ترامب حاملين معهم هدايا رمزية من ساعات رولكس وسبائك ذهبية.
ومع ذلك، فإن المجال الذي تفضل المخابرات السويسرية التركيز عليه الآن هو علم النفس. فهو يساعدنا على فهم سلوك الحكام. ولكن ربما لا يقل أهمية عن ذلك ما يخبرنا به علم النفس عن قصورنا الفكري، بما في ذلك فشل العديد من النخب الليبرالية الغربية في توقع صعود ترامب.
لكن هل من حلٍ لكل هذه التحيزات؟ تقدم مؤسسة الاستخبارات السويسرية بعض الحلول: «اختبر معتقداتك»، «فكر إحصائياً»، «اسأل نفسك ما تعرفه وما لا تعرفه»، «أظهر تواضعاً فكرياً»، «استخدم التفكير الإبداعي»، و«فكر بشكل دوري عكس افتراضاتك» للخروج من فقاعاتنا الفكرية المريحة.
يمكنك أن تسمي هذا، إن شئت، «الكفاح ضد ضيق الأفق». إنه أمر في غاية الصعوبة. لكننا نحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى في عام 2026.
توقّع المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية، محمود محيي الدين، استمرار الحرب التجارية بين واشنطن وبكين خلال عام 2026، مشيرًا إلى أن القضايا الرئيسية العالقة بين القطبين الاقتصاديين لم تُحسم حتى الآن، رغم تحسّن العلاقات الأميركية مع بعض الشركاء التجاريين الآخرين.
وقال في مقابلة مع “العربية Business”، إن الحرب التجارية بين واشنطن وبكين قد تحمل فرصًا لبعض الدول، من خلال الاستفادة من مواقعها ونطاقاتها الإنتاجية كبدائل للتصدير إلى الصين، بجانب الشعور بالتهديد المستمر على سوق العمل للبلدان المتأثرة بالرسوم الجمركية.
ورجّح محيي الدين أن يُقدم الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على خفض أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس على الأقل خلال عام 2026.
ولفت إلى أن فرص كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأميركي، كيفن هاسيت، تبدو مرتفعة لتولي منصب رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل.
وأوضح أن الاحتياطي الفيدرالي يواجه ثلاث معضلات رئيسية في تعامله مع المؤشرات الاقتصادية الأساسية. تتمثل الأولى في معركته ضد التضخم، التي لم تكتمل بعد، إذ رغم تراجع معدلات التضخم إلى ما دون 3%، فإنها لا تزال بعيدة عن المستوى المستهدف عند 2%.
أما المعضلة الثانية، فتتعلق باستدامة واستمرار النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، وهو ما يشكّل جوهر مهمة الاحتياطي الفيدرالي.
وأشار إلى بروز عوامل جديدة مؤثرة، تتعلق بمدى ارتباط تحسن معدلات النمو بمعدلات التشغيل، لافتًا إلى وجود علامات استفهام عديدة في هذا الشأن. وقال إن ارتفاع النمو الاقتصادي لا ينعكس بالضرورة على تحسن أوضاع سوق العمل، في ظل استفادة قطاعات واسعة من طفرة الذكاء الاصطناعي وارتفاع مستويات الكفاءة.
وأضاف أن الولايات المتحدة والعديد من البلدان النامية تشهد، رغم تراجع معدلات التضخم، عدم تحسن ملموس في مستويات معيشة المواطنين، وذلك نتيجة ضعف فرص التشغيل وعدم تحسن مستويات الدخل.
وفي ما يتعلق بأداء منحنى العائد، أكد محيي الدين أن الدولار وأدواته لا تزال تُعد الأفضل نسبيًا كملاذ آمن، رغم التحديات والمشكلات التي واجهها الاقتصاد الأميركي.
وأشار إلى وجود عدد من الملفات التي تشهد تباينًا بين الولايات المتحدة وأوروبا، موضحًا أن العلاقات الأميركية–الأوروبية تشهد نقاط عدم توافق، من بينها الحرب الروسية الأوكرانية، وقضايا المناخ والتحول الأخضر، إضافة إلى ملفات الاقتصاد والتجارة والاستثمار والسياسات الصناعية. وأوضح أن هذه الخلافات أدت إلى حالة من الشد والجذب تهدد مستوى التنسيق القائم بين الطرفين منذ الحرب العالمية الثانية.
أكد أنه لم يعد هناك ما يمكن وصفه بـ”الكتلة الغربية الموحدة المتوافقة”.
مع بداية عام 2026، يترسخ في المشهد الاقتصادي الأميركي نموذجٌ جديد وُلد من رحم تحولات عام 2025؛ العام الذي لم يكن مجرد محطة عابرة، بل نقطة تحول جوهرية في الفلسفة التي تحكم علاقة الدولة بالأسواق. فاليوم، باتت الرسوم الجمركية ركيزةً ثابتة في هيكلية الاقتصاد، بعد أن تجاوزت كونها إجراءً دفاعياً لتصبح أداة استراتيجية لإعادة تموضع الولايات المتحدة في نظام عالمي يتسم بتراجع العولمة، وتصاعد الصراع الجيوسياسي.
الرسوم الجمركية: تكلفة عالية ونمو محدود
من منظور اقتصادي تقليدي، لا يترك هذا التحول مجالاً كبيراً للتفاؤل. فالرسوم الجمركية تُعد، في جوهرها، ضريبة غير مباشرة على الاقتصاد المحلي، إذ تعمل على رفع الأسعار، وتشويه آليات التسعير، وتقليل الكفاءة الإنتاجية، وتقليص حجم التبادل التجاري. والأهم أنها لا تولّد نمواً حقيقياً، بل تعيد توزيع الدخل داخل الاقتصاد بطريقة غير متوازنة، حيث تستفيد قطاعات محدودة على حساب المستهلكين والشركات المرتبطة بسلاسل التوريد.
وتؤكد التجارب التاريخية هذا المنحى المتحفظ. ففي أبريل (نيسان) 2019، استخدم صندوق النقد الدولي نماذج متعددة لتقييم أثر فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على التجارة بين الولايات المتحدة والصين، وخلصت جميعها إلى تسجيل خسائر اقتصادية كبيرة لكلا البلدين. كما أظهرت دراسة قادها ألبرتو كافالو وهو باحث في جامعة «هارفارد» في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه أن الرسوم المفروضة على الواردات الصينية انتقلت بشكل شبه كامل إلى أسعار الاستيراد في الولايات المتحدة، واضطرت الشركات إلى امتصاص جزء من التكلفة عبر تقليص هوامش أرباحها. لاحقاً، قدّرت وزارة الزراعة الأميركية في يناير (كانون الثاني) 2022 أن الصادرات الأميركية تراجعت بنحو 27 مليار دولار نتيجة الرسوم الانتقامية المتبادلة بين عامي 2018 و2019، ما يعكس التكلفة الحقيقية للحمائية التجارية على الأداء الاقتصادي.
صمود الاقتصاد الأميركي: بين التضخم والطلب المحلي
رغم ذلك، أظهر الاقتصاد الأميركي في 2025 درجة لافتة من الصمود، ما دفع البعض إلى عدّ الرسوم أقل ضرراً مما يُفترض نظرياً. فقد نما الاقتصاد الأميركي بمعدل سنوي قوي ومفاجئ بلغ 4.3 في المائة في الربع الثالث، مدفوعاً بارتفاع الإنفاق الاستهلاكي والصادرات والإنفاق الحكومي.
غير أن هذا الاستنتاج يتجاهل طبيعة هذا الصمود وأسبابه. فالنمو الذي تحقق لم يكن نتاج تحسّن في الكفاءة أو توسّع في التجارة، بل جاء مدفوعاً بالطلب المحلي، والإنفاق الحكومي، والسياسة المالية التوسعية. أما التكلفة الحقيقية، فتمثّلت في تحوّل التضخم إلى ظاهرة أكثر لزوجة، نتيجة انتقاله من تضخم الطلب إلى تضخم التكلفة، وهو النوع الذي يصعب احتواؤه من دون إلحاق ضرر بسوق العمل أو الاستثمار.
الذكاء الاصطناعي: تعويض أم محفّز للنمو؟
برز الذكاء الاصطناعي بأنه عامل تعويض اقتصادي أكثر منه محرّك نمو تقليدي. فمع ارتفاع تكاليف العمالة والمدخلات المستوردة، وجدت الشركات الكبرى في الأتمتة والتقنيات الرقمية وسيلة لتقليص الاعتماد على العمل البشري وسلاسل التوريد الخارجية، والحفاظ على هوامش الربحية. وبهذا المعنى، لم يكن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي انعكاساً لبيئة اقتصادية مزدهرة، بل استجابة قسرية لبيئة تجارية أكثر تكلفة وأقل كفاءة.
حجم سوق الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة قُدّر بنحو 54.09 مليار دولار في عام 2024. ومن المتوقع أن ينمو السوق من 66.42 مليار دولار في 2025 إلى 319.32 مليار دولار بحلول 2032، بتسجيل معدل نمو سنوي مركب يبلغ 25.10 في المائة خلال فترة التوقعات.
بحلول عام 2025، أصبحت الولايات المتحدة القائد العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، مدفوعة بمستويات غير مسبوقة من الابتكار، واستمرار نشاط رأس المال المخاطر، والتقدم في تطوير البنية التحتية الرقمية. وتحوّل الذكاء الاصطناعي من مرحلة تجريبية بحتة إلى مرحلة التطبيق على نطاق واسع وبطريقة مفصّلة، ليشمل تقريباً جميع القطاعات الصناعية في البلاد، بما في ذلك الرعاية الصحية، والقطاع المالي، والدفاع، والطاقة.
كما واصلت السياسات الفيدرالية توفير بيئة داعمة لتطوير الذكاء الاصطناعي، حيث لم تتدخل الحكومة الفيدرالية بشكل مباشر، بل دعمت التقدم في القطاع عبر سياسات التخفيف التنظيمي، والاستثمار في البنية التحتية، والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
الانقسامات الاقتصادية
غير أن هذا التحول التكنولوجي عمّق الانقسامات داخل الاقتصاد، فظهرت اقتصادات ثنائية المسار: شركات كبرى قادرة على تمويل التحول الرقمي والاستفادة من الإعفاءات والحوافز، مقابل شركات صغيرة ومتوسطة تواجه ضغوطاً مزدوجة من ارتفاع التكاليف ونقص العمالة.
وعلى مستوى سوق العمل، تزامنت الأتمتة مع تشديد سياسات الهجرة وتسارع التقاعد، ما أدى إلى تباطؤ خلق الوظائف وارتفاع البطالة نسبياً، رغم استمرار النمو. هذا الانفصال بين الإنتاجية والتوظيف يطرح تساؤلات جوهرية حول نوعية النمو وقدرته على دعم الاستقرار الاجتماعي.
تحديات السياسة النقدية والمالية
أما الاحتياطي الفيدرالي، فوجد نفسه محاصراً بين خيارات محدودة: فالتضخم المدفوع بالتكلفة يقلّل من فاعلية التشديد النقدي، في حين أن التيسير المفرط قد يرسّخ الضغوط السعرية ويغذي فقاعات الأصول. لذلك، اتسمت السياسة النقدية بالتردد والحذر، في بيئة سياسية تزداد فيها الضغوط على استقلالية البنك المركزي، ما يضيف بُعداً مؤسسياً إلى التحديات الاقتصادية القائمة.
ومع اقتراب عام 2026، يتحوّل الرهان إلى السياسة المالية بوصفها أداة تعويض أساسية. فالحوافز الضريبية والإنفاق الاستثماري المرتقب يُفترض أن يخففا العبء عن الأسر ويدعما استمرار الاستثمار. غير أن هذا الرهان محفوف بالمخاطر، إذ إن توجيه الحوافز نحو الاستهلاك قصير الأجل قد يخفف الألم مؤقتاً، لكنه لن يعالج اختلالات الإنتاجية التي خلقتها الرسوم. أما إذا جرى توظيفها في تعزيز الابتكار والبنية التحتية والمهارات، فقد تسهم في تحويل الصدمة التجارية إلى فرصة هيكلية.
الإنفاق على الذكاء الاصطناعي
ظهرت عدة نظريات متباينة لتفسير استمرار قوة الاقتصاد الأميركي رغم حرب التعريفات الجمركية. ووفقاً لأحد كبار الاقتصاديين، يمكن نسب الفضل في ذلك إلى الإنفاق القوي على الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، فإن الانفجار الكبير في النفقات الرأسمالية التي أنفقتها الشركات هذا العام لبناء مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي قد يخفي حقيقة مزعجة بشأن النمو الاقتصادي الأميركي. يعتقد تورستن سلّوك، كبير الاقتصاديين في شركة «أبوللو غلوبال منجمنت»، أن حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي كان كبيراً بما يكفي لتخفيف أي تأثيرات سلبية متوقعة نتيجة رسوم ترمب الجمركية.
ووفقاً لرؤية جيسون فورمان من جامعة «هارفرد»، لولا المستويات الحالية من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، لكان النمو الإجمالي أقل بكثير، ما يشكل مصدر قلق لأولئك الذين يرون أن طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي غير مستدامة.
وأشار محللون آخرون إلى أن طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي قد تخفي مشكلات أخرى. فقد قدّر محللو «بانثيون للاقتصاد الكلي» في مذكرة حديثة أن النمو الاقتصادي الأميركي دون هذا الإنفاق سيكون أقل من 1 في المائة. بينما تشير أحدث تقديرات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث الصادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا إلى نمو بنسبة 3.9 في المائة.
نموذج نمو هش أم فرصة هيكلية؟
في المحصلة، لا يواجه الاقتصاد الأميركي أزمة دورية عابرة، بل يخضع لاختبار عميق لإعادة تعريف معنى النمو في عصر ما بعد العولمة. فالرسوم الجمركية، رغم تكلفتها الاقتصادية المثبتة نظرياً وتجريبياً، أصبحت أداة سياسية يصعب التراجع عنها، فيما يُحمَّل الذكاء الاصطناعي دور المنقذ القادر على تعويض خسائر الكفاءة.
والسؤال الجوهري ليس ما إذا كان الاقتصاد قادراً على الاستمرار، بل ما إذا كان هذا المسار سينتج نموذج نمو بشكل مستدام وشامل، أم مجرد توازن هش قائم على الابتكار التعويضي والحمائية الدائمة.
ارتفعت أسعار الذهب وأسعار المعادن النفيسة الأخرى، يوم الاثنين، بعد اعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عطلة نهاية الأسبوع، مما أدى إلى تصعيد التوترات الجيوسياسية وزيادة الطلب على الملاذات الآمنة.
وبحلول الساعة 03:12 بتوقيت غرينتش، ارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 1.9 في المائة إلى 4411.14 دولار للأونصة، وهو أعلى مستوى له في أسبوع. وارتفعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم فبراير (شباط) بنسبة 2.1 في المائة إلى 4419.90 دولار.
وقال تيم ووترر، كبير محللي السوق في شركة «كي سي إم ترايد»: «أدت الأحداث في فنزويلا إلى انتعاش الطلب على الملاذات الآمنة، وكان الذهب والفضة من بين المستفيدين، حيث يسعى المستثمرون إلى التحوط من المخاطر الجيوسياسية».
ألقت الولايات المتحدة القبض على مادورو يوم السبت، في عملية يُقال إنها أسفرت عن سقوط قتلى مدنيين. وتولت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز منصب الرئيس المؤقت، مؤكدة أن مادورو لا يزال رئيساً.
وساهمت التوترات الجيوسياسية، إلى جانب خفض أسعار الفائدة، وعمليات الشراء القوية من قبل البنك المركزي، وتدفقات الأموال إلى صناديق المؤشرات المتداولة، في ارتفاع أسعار الذهب بنسبة 64 في المائة العام الماضي، وهو أكبر مكسب سنوي له منذ عام 1979. وبلغ سعر الذهب مستوى قياسياً جديداً عند 4549.71 دولار في 26 ديسمبر (كانون الأول) 2025.
وقالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا، آنا بولسون، يوم السبت، إن المزيد من تخفيضات أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية قد يستغرق وقتاً بعد حملة التيسير النقدي النشطة التي شهدها العام الماضي.
وتأتي تصريحاتها في وقت لا يزال فيه المستثمرون يتوقعون تخفيضين على الأقل لأسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي هذا العام.
وأضاف ووترر أن المستثمرين يركزون على بيانات الوظائف غير الزراعية المقرر صدورها يوم الجمعة للحصول على مزيد من المؤشرات حول تخفيضات أسعار الفائدة المحتملة من قبل الاحتياطي الفيدرالي.
وتميل الأصول غير المدرة للدخل إلى الأداء الجيد في بيئة أسعار الفائدة المنخفضة وخلال أوقات عدم اليقين الجيوسياسي أو الاقتصادي.
وارتفاع سعر الفضة الفوري بنسبة 4.4 في المائة ليصل إلى 75.82 دولار للأونصة، بعد أن سجل أعلى مستوى له على الإطلاق عند 83.62 دولار في 29 ديسمبر. واختتمت الفضة العام بارتفاع قدره 147 في المائة، متجاوزة الذهب بكثير، في أفضل عام لها على الإطلاق. وارتفع سعر الفضة إلى مستويات قياسية جديدة بعد تصنيفها كمعدن أميركي بالغ الأهمية العام الماضي، بالإضافة إلى محدودية العرض في ظل تزايد الطلب الصناعي والاستثماري.
وبلغ سعر البلاتين الفوري 2190.55 دولار للأونصة، بعد أن سجل أعلى مستوى له على الإطلاق عند 2478.50 دولار يوم الاثنين الماضي. وارتفع بأكثر من 5 في المائة في الساعات الأولى من التداولات الآسيوية ليسجل أعلى مستوى له في أسبوع. كما ارتفع سعر البلاديوم بنسبة 1.8 في المائة ليصل إلى 1667.45 دولار للأونصة.
أدت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025 إلى عام مضطرب للتجارة العالمية، ما أثار مخاوف أسواق السندات، ودفع مجالس الإدارة العالمية إلى إعادة هيكلة سلاسل التوريد الخاصة بها، ومع ذلك فقد أثبت النظام التجاري العالمي مرونته خلال 2025.
وبعد أن هزت تعريفات «يوم التحرير»، التي فرضها ترامب الأسواق، تراجع الرئيس الأمريكي تدريجياً عن هذه التعريفات، ليبرم في نهاية المطاف اتفاقيات تحفظ ماء الوجه مع الصين، إلى جانب اتفاقيات صورية مع الاتحاد الأوروبي ودول مثل اليابان وكوريا الجنوبية. ومع ذلك أنهت الولايات المتحدة العام بمعدل تعريفة فعلي يزيد على 10%، وهو الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية.
ويعيش الأمريكيون تبعات ذلك رغم محاولة ترامب تسويق سياساته الجمركية باعتبارها انتصاراً للناخبين، إذ حققت عائدات بقيمة 30 مليار دولار شهرياً، فقد حذر رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في أغسطس من تأثيرها الواضح على أسعار المستهلك،
ومع ذلك، على الصعيد العالمي، ورغم كل الوعود بأن الرسوم الجمركية ستعيد التوازن إلى التجارة العالمية لاستعادة تفوق أمريكا إلا أن الواقع الاقتصادي أثبت صعوبة تحديه.
فبحلول نوفمبر تجاوز الفائض التجاري الصيني تريليون دولار، واستمرت الواردات الأمريكية من دول جنوب شرق آسيا في النمو عام 2025 رغم أن العديد منها لا يزال يخضع لرسوم جمركية بنسبة 20%.
ويقول ماتس بيرسون، رئيس قسم الاقتصاد الكلي والاستراتيجية الجغرافية في شركة الاستشارات «إي واي»، إن هذه الأرقام تعكس حقيقة بسيطة، مفادها أن أوروبا والولايات المتحدة لا تستطيعان منافسة الصين وجنوب شرق آسيا من حيث التكلفة في مجال التصنيع.
ويضيف: «إن الفوائد الاقتصادية لاستخدام استراتيجيات «الصين زائد واحد» تفوق تكلفة الرسوم الجمركية بالنسبة للعديد من الشركات».
إن ترامب لم يخفِ قط خططه لتقليص العجز التجاري الأمريكي، عبر فرض رسوم جمركية على شركاء الولايات المتحدة التجاريين الرئيسيين، فقد قال في خطابه الافتتاحي: «بدلاً من فرض ضرائب على مواطنينا لإثراء الدول أخرى سنفرض رسوماً جمركية وضرائب على الدول الأجنبية لإثراء مواطنينا».
رغم ذلك فإن الأسواق المالية لم تتوقع مدى هذا التطرف، فقد أدى إعلان ترامب عن فرض رسوم جمركية تصل إلى 50% على عدد من الدول في 2 أبريل – بما في ذلك موقع ناءٍ في القطب الجنوبي لا تسكنه سوى طيور البطريق – إلى خسارة 2.5 تريليون دولار من قيمة أسواق الأسهم العالمية في يوم واحد، ما أصاب المستثمرين بالذهول.
وبغض النظر عن طيور البطريق سخر الاقتصاديون من المنهجية المستخدمة لحساب أرقام الرسوم الجمركية، والتي اعتمدت على العجز التجاري الأمريكي في السلع مع كل دولة كونها مؤشراً على الممارسات غير العادلة المزعومة، ثم قسمته على كمية السلع المستوردة إلى الولايات المتحدة من تلك الدولة، لكن هذه الاضطرابات لم تدم طويلاً، ففي غضون أسبوع تراجع ترامب، معلناً تعليقاً لمدة 90 يوماً بعد اتهامه الناس بالهلع.
وقفز مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 9.5% عقب هذا الخبر، مضيفاً 4.3 تريليونات دولار إلى قيمته، واستمرت الأسواق في توقع تراجع ترامب دائماً عن حافة الهاوية عند مواجهة خطر اضطرابات تجارية حقيقية.
من ناحية أخرى وخلال العام، وجد ترامب طريقة لفرض أعلى تعريفات جمركية على الواردات الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك عبر فرض رسوم تدريجية. وكان معدل التعريفة الجمركية الفعلي للولايات المتحدة، الذي يقيس الإيرادات المحصلة من الرسوم على السلع كونها نسبة من قيمتها المستوردة، قد شهد انخفاضاً عاماً في الفترة ما بين الحرب العالمية الثانية والأزمة المالية العالمية.
في عام 2008 بلغ المعدل 1.3%، أما اليوم فيبلغ معدل التعريفة الجمركية الأمريكية، بناء على السياسات المعلنة مع مراعاة تغيرات أنماط الاستهلاك 14.4%.
وفقاً لمختبر ييل للميزانية، وهو مستوى لم يسجل منذ عام 1939، في حقبة ما قبل الحرب العالمية الثانية، عندما كانت سياسة التجارة الخارجية الأمريكية تملى بموجب قانون سموت-هاولي للتعريفات الجمركية الحمائية.
هنا يبرز السؤال: ما التكلفة الحقيقية لهذه التعريفات على أمريكا؟ لقد أظهرت حسابات أجراها الديمقراطيون في اللجنة الاقتصادية المشتركة بالكونغرس الأمريكي أن الرسوم الجمركية كلفت الأسرة الأمريكية المتوسطة ما يقارب 1200 دولار منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض هذا العام.
لكن ترامب يبقى متفائلاً بشدة بشأن إمكانية زيادة الإيرادات من خلال الرسوم الجمركية، على الرغم من تحذيرات منتقديه من أن هذه الرسوم لا تؤدي إلا إلى رفع الأسعار على المستهلكين وتكاليف الإنتاج على المصنعين.
وقد صرح بأنه يريد استخدام عائدات الرسوم الجمركية لدفع أرباح لدافعي الضرائب الأمريكيين، فقد كتب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي في نوفمبر: «من يعارضون الرسوم الجمركية حمقى! سيتم دفع أرباح لا تقل عن 2000 دولار للفرد والجميع (باستثناء أصحاب الدخل المرتفع)»،
لكن حتى الآن فإن الأرقام لا تتوافق، فقد أظهر تحليل أجرته صحيفة «فايننشال تايمز» لعائدات الرسوم الجمركية، التي أقرها ترامب أن دفع 2000 دولار للبالغين في الولايات المتحدة، الذين يقل دخلهم عن 150 ألف دولار سيكلف حوالي 500 مليار دولار، وهو مبلغ يفوق بكثير الإيرادات الناتجة عن الرسوم الجمركية المرتفعة.
وقد اضطر ترامب في نوفمبر إلى خفض الرسوم على مجموعة كبيرة من الواردات الزراعية وسط تزايد السخط الشعبي على أسعار المواد الغذائية، وشهد هذا التراجع في السياسة إعفاء ترامب لسلع أساسية، من بينها البن والكاكاو ولحم البقر والموز، من «الرسوم الجمركية المتبادلة»، مع تزايد الضغوط للوفاء بوعده الانتخابي بجعل أمريكا في متناول الجميع مجدداً.
وبرر جيمسون جرير، الممثل التجاري الأمريكي، هذه الخطوة بالقول إن سياسات ترامب التجارية بدأت بالفعل في «إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي بطريقة نعتقد أنها أفضل لأمريكا»، لكن بيانات الاقتصاد الكلي للتجارة لا تدعم هذا الادعاء.
كذلك فإنه على الرغم من فرض ترامب رسوماً جمركية فعلية بنسبة 40% على الواردات الصينية استمر فائض الصين التجاري في السلع في النمو عام 2025، متجاوزاً تريليون دولار لأول مرة في نوفمبر.
واتسعت الفجوة الهائلة بين واردات الصين وصادراتها، حتى مع انخفاض الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بنسبة 40% على أساس سنوي في الربع الثالث من عام 2025.
وشهدت صادرات بكين إلى آسيا وأوروبا ودول الخليج نمواً مستمراً بفضل الفائض الهائل في المنتجات الصناعية، بما في ذلك المواد الكيميائية والسيارات والصلب والألواح الشمسية والآلات.
ولم يكن ترامب وحده من تصدى لتجاوزات الصين، فقد أعلن الاتحاد الأوروبي عن خطط لمضاعفة الرسوم الجمركية على الصلب في محاولة لمعالجة ما وصفه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارته لبكين في ديسمبر، بالاختلالات «غير المحتملة» مع الصين.
وأشار خبراء التجارة إلى أن مزيجاً من تحويل مسار البضائع الصينية عبر دول أخرى في جنوب شرق آسيا لتجنب رسوم ترامب الجمركية، إلى جانب الخصومات السعرية وازدهار صادرات مكونات التكنولوجيا، قد ضمن استمرار قوة التصنيع الصينية في عام 2025.
كما فاق جنوب شرق آسيا التوقعات باستمراره في الازدهار، وشهدت فيتنام، الدولة التي كانت هدفاً لسياسة ترامب التجارية، والتي هددت في البداية بفرض تعريفة جمركية بنسبة 46%، فائضاً تجارياً قياسياً مع الولايات المتحدة بلغ 121.6 مليار دولار بنهاية نوفمبر.
وتقول ماريا ديميرتزيس، رئيسة مركز الاستراتيجية الاقتصادية في مجلس المؤتمرات، وهو مركز أبحاث في بروكسل، إن قيام الصين بتحويل مسار صادراتها عبر جنوب شرق آسيا، إلى جانب خفض أسعار صادراتها، قد دعم حجم الصادرات إلى أوروبا وآسيا والخليج.
ويمكن ملاحظة ذلك في صادرات السيارات الكهربائية الصينية إلى الاتحاد الأوروبي، والتي زادت كميتها، لا قيمتها، خلال العام الماضي، ما يعد دليلاً على لجوء المصنعين الصينيين إلى خفض الأسعار للحفاظ على المبيعات.
من ناحية أخرى يمكن للسياسات التجارية لترامب أن تكون ذات تأثير طويل الأمد على العملة الأمريكية، فقد أدت عودة الرئيس إلى البيت الأبيض إلى انخفاض حاد في قيمة الدولار، تلته انخفاضات أشد حدة بعد أن تسببت تعريفاته الجمركية التي فرضها في أبريل في تراجع أسواق السندات والأسهم لفترة وجيزة. في النصف الأول من عام 2025 انخفض الدولار بنسبة 10.7% مقابل سلة من عملات شركاء الولايات المتحدة التجاريين.
ورغم تحسنه بشكل طفيف في الربع الأخير من 2025 لم يستعد الدولار قيمته، ومن المتوقع أن ينهي العام منخفضاً بنحو 9%، وكان من المتوقع حدوث بعض الانخفاض، نظراً لحساسية الدولار الشديدة للسياسة النقدية، ولأن الاحتياطي الفيدرالي خفض أسعار الفائدة ثلاث مرات في النصف الثاني من العام.
لكن سياسة ترامب الخارجية، ولا سيما سياسته المتعلقة بالتعريفات الجمركية كان لها أيضاً أثر واضح، وأضعفت دور الدولار في النظام المالي العالمي، فقد خفض محافظو البنوك المركزية حول العالم هذا العام حيازاتهم من سندات الخزانة، واشتروا المزيد من الذهب، في تنويعٍ لاستثماراتهم بعيداً عن الدولار، بسبب المخاوف الجيوسياسية وخطر العقوبات.
ومن المرجح أن يرتفع الدولار في عام 2026، مدعوماً بطفرة الذكاء الاصطناعي، وقوة الاقتصاد الأمريكي، وتغير التوقعات بشأن خفض أسعار الفائدة،.
ورغم دعوة ترامب إلى خفض أسعار الفائدة، إلا أن البنك المركزي الأمريكي حافظ حتى الآن على استقلاليته السياسية، ومع ذلك حتى مع انخفاض عدد تخفيضات أسعار الفائدة وازدهار الاقتصاد، من المتوقع أن يستمر أثر الضربة التي تلقاها الدولار.
تمر الأسواق المالية العالمية اليوم بمرحلة «إعادة ضبط» لبنيتها الأساسية، وهي لحظة تاريخية تتجاوز في أبعادها مجرد التقلبات العابرة لتشكل تحولاً هيكلياً في جوهر النظام النقدي. ففي ظل توسع مالي غير مسبوق وتصاعد وتيرة التجاذبات الجيوسياسية، لم يعد المستثمرون المؤسساتيون والهيئات السيادية ينظرون إلى الأصول الاحتياطية التقليدية بصفتها خيارات آمنة بالمطلق، بل بدأوا في إعادة تعريف مفهوم الأمان والسيادة النقدية من منظور جديد يركز على استقلالية الأصول وحصانتها ضد المخاطر الائتمانية والسياسية.
وفي قلب هذا المشهد المتغير، استعاد الذهب بريقه ليس بصفته سلعة استثمارية فحسب، بل بصفته ركيزة نقدية صلبة تتحدى القواعد التقليدية التي حكمت الأسواق لعقود. فالمعدن الأصفر اليوم لا يتحرك لمجرد ملاحقة التضخم أو استجابةً لتقلبات أسعار الفائدة، بل بات يمثل «الأصل المحايد» الذي تلجأ إليه المؤسسات الكبرى لإعادة هيكلة محافظها وحماية سيادتها المالية. هذا التحول يعكس قناعة عالمية متزايدة بأن الذهب هو المستودع الوحيد للقيمة الذي لا يرتبط بوعود دولة أو استقرار نظام مالي بعينه؛ ما يجعله المحور الأساسي لنظام مالي عالمي جديد يتشكل في الأفق.
رحلة الذهب نحو 4500 دولار
تُرجم هذا الزخم فعلياً في الأداء الاستثنائي للمعدن الأصفر، الذي لم يكتفِ بتجاوز التوقعات، بل نجح في تحطيم حواجز نفسية وتاريخية كبرى؛ حيث قفز فوق مستويات 3000 و4000 دولار في رحلة خاطفة لم تتجاوز سبعة أشهر، ليصل إلى ذروة قياسية غير مسبوقة لامست 4530.60 دولار للأوقية. ومع تحقيقه مكاسب سنوية تجاوزت 72 في المائة، دوّن الذهب في عام 2025 أقوى أداء له منذ أواخر السبعينات، وهو ما يعكس تحولاً استراتيجياً عميقاً في فكر المستثمرين، الذين سارعوا لزيادة ثقل الذهب في محافظهم بصفته منصةَ انطلاق آمنة بانتظار اتضاح ملامح المشهد الاقتصادي لعام 2026.
هذا الارتفاع التاريخي لم يكن وليد المصادفة، بل جاء ثمرة تضافر عوامل هيكلية ومالية معقدة، أبرزها الضغوط المالية المتزايدة وتراجع اليقين بجدوى الأصول التقليدية التي كانت تُصنف يوماً بأنها «خالية من المخاطر». وتؤكد التحليلات الاقتصادية الرصينة أن هذه القفزات السعرية ليست مجرد موجة مضاربات عابرة أو «فقاعة» لحظية، بل هي نتاج عملية إعادة تنظيم شاملة لهيكلية الأسواق العالمية؛ حيث يجري حالياً إعادة تخصيص رؤوس الأموال على مستوى دولي لتعيد للذهب مكانته التاريخية بصفته حجرَ زاوية في بناء المحافظ الاستثمارية الحديثة والأكثر مرونة.
البنوك المركزية: محركات الطلب المؤسسي على الذهب
نفذت البنوك المركزية أكبر حملة تراكم للذهب في التاريخ الحديث، حيث بلغ صافي المشتريات الرسمية 1.044.6 طن في 2024، ليشكل ثالث أعلى معدل زيادة سنوي منذ عام 1950. وعلى الرغم من انخفاض طفيف قدره 6.2 طن مقارنة بعام 2023، فإن الرقم يظل على مقربة من أعلى مستوى تاريخي عند 1.136 طن في 2022.
عند المقارنة بالأساسيات التاريخية، يظهر أن البنوك المركزية كانت تشتري في المتوسط 473 طن سنوياً بين 2010 و2021، بينما بلغ متوسط الفترة 2022 – 2024 نحو 1.075 طن سنوياً؛ ما يعكس زيادة تصل إلى 127 في المائة فوق متوسط العقد السابق. هذا التسارع يعكس توجهاً مؤسسياً مدروساً، لا مجرد استجابة لفرص السوق العشوائية.
وتوضح البيانات الجغرافية لمشتريات الذهب استراتيجيات إقليمية محددة:
– آسيا الناشئة: تعمل على تنويع الاحتياطيات وتقليص نسبة الدولار إلى أقل من 60 في المائة، تحوطاً ضد العقوبات التجارية وتصاعد التوترات.
– الشرق الأوسط: يُستخدم الذهب ضمن استراتيجيات إعادة تدوير عائدات النفط، وحماية المحافظ من المخاطر الإقليمية.
– أوروبا الشرقية: تركز على تعزيز السيادة النقدية وحماية العملات المحلية من الصدمات الخارجية.
– أميركا اللاتينية: تعتمد الذهب وسيلةَ تحوطٍ ضد التضخم وانخفاض قيمة العملات المحلية.
يمثل هذا الانتشار العالمي، بما في ذلك الدول المتحالفة تقليدياً مع الولايات المتحدة، إشارة واضحة إلى أن الطلب على الذهب ليس مدفوعاً فقط بالسياسة، بل بالقلق البنيوي المستمر بشأن أطر الاحتياطيات النقدية العالمية.
إعادة تقييم الاحتياطيات ومسار «إلغاء الدولار»
أدى إعلان الإدارة الأميركية في ربيع 2024 عن نيتها تصفية نحو 300 مليار دولار من الأصول الروسية المجمدة إلى إعادة تقييم واسعة حول أمان الاحتياطيات. حتى السندات الأميركية، التي كانت تُعدّ الملاذ الآمن الأمثل، أصبحت معرَّضة لمخاطر سياسية ومالية. هذا التطور دفع أكثر من 40 بنكاً مركزياً إلى تعديل استراتيجيات تخصيص الذهب، في حين زادت الصناديق السيادية نسب استثماراتها في الأصول غير الدولارية.
بدأت البنوك المركزية في تقليص تعرّضها للدولار، مدفوعة بتدهور الاستدامة المالية الأميركية. إذ يبلغ الدين العام الأميركي الحالي 38 تريليون دولار، مع عجز شهري بلغ 173.28 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025؛ ما يزيد من الضغوط على قدرة الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة بشكل حاد دون التأثير على الاستقرار المالي.
الدين العام الأميركي وأثره على السياسة النقدية
تختلف الديناميكيات المالية الراهنة للولايات المتحدة جذرياً عن السياقات التي صاحبت أزمات الذهب في العقود الماضية، حيث يواجه صانع القرار المالي واقعاً أكثر تعقيداً؛ فالعجز الهيكلي الذي استقر عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الثلاث الأخيرة، يبدو مثيراً للقلق عند مقارنته بنسبة 1.5 في المائة فقط في عام 1979. هذا الفارق الشاسع لا يعكس ضغوطاً آنية فحسب، بل يؤشر على تحديات غير مسبوقة تضيّق الخناق على فاعلية السياسة النقدية والقدرة على ضبط الموازنة العامة.
وعلاوة على ذلك، يرزح الاقتصاد تحت وطأة التزامات مالية حديثة لم تكن حاضرة في الأزمات السابقة، بدءاً من التكاليف المتصاعدة للتحولات الديموغرافية، مروراً بمتطلبات تحديث البنية التحتية المتهالكة وزيادة الإنفاق الدفاعي في ظل الاضطرابات العالمية، وصولاً إلى الاستثمارات الضخمة المطلوبة للتحول المناخي وأمن الطاقة. هذه الالتزامات المستمرة خلقت واقعاً يجد فيه التيسير النقدي نفسه الخيار الأكثر واقعية – أو ربما الأقل مرارة – لتمويل هذا العجز المتنامي؛ ما يعزز القناعة بأن الذهب بات يمثل التحوط الأمثل ضد مخاطر تآكل القيمة الورقية في ظل هذه الضغوط الهيكلية المستدامة.
التحول في استراتيجيات المحافظ الاستثمارية
تشهد المحافظ التقليدية القائمة على 60 في المائة أسهماً و40 في المائة سنداتٍ تحولاً نحو تخصيص 60 في المائة أسهماً، 20 في المائة سنداتٍ، و20 في المائة ذهباً. هذا التغيير يعكس إدراك المؤسسات أن السندات لم تعد توفر حماية كافية ضد التضخم، بينما الذهب أصبح الملاذ الأساسي ضد المخاطر المالية الهيكلية.
التبني الواسع لهذا النموذج سيخلق طلباً هائلاً على الذهب، حيث إن متوسط تخصيص الذهب في معظم المحافظ الحالية أقل من 1 في المائة؛ ما يعني أن تحقيق أهداف 20 في المائة سيتطلب تراكم آلاف الأطنان، وهو ما سيؤدي إلى استمرار الاتجاه الصعودي للأسعار.
ديناميات السوق والتقنيات المالية
ارتبط الذهب تاريخياً بعوائد السندات الحقيقية بشكل عكسي، لكن منذ أواخر 2022 انعكس هذا الترابط. فالزيادات الأخيرة في أسعار الفائدة تعكس الضغوط المالية السيادية وليس النمو الاقتصادي؛ ما يعزز دور الذهب بصفته أصلاً تحوّطياً ضد العجز والدين.
ويقارب إنتاج الذهب السنوي 3300 طن، مع نمو محدود 1 – 2 في المائة سنوياً، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع جودة الخام، إضافة إلى متطلبات الالتزام بالمعايير البيئية والاجتماعية. نحو 30 في المائة من الإنتاج في مناطق جيوسياسية غير مستقرة؛ ما يجعل الإمدادات عرضة للصدمات.
وتشير البيانات إلى أن السوق الحالية لا تحمل سمات الفقاعة التقليدية، مثل ارتفاع مشاركة التجزئة المفرطة، والتغطية الإعلامية المكثفة، والرافعة المالية المفرطة. على العكس، الطلب مدفوع بالمؤسسات؛ ما يوفر دعماً هيكلياً للأسعار بعيداً عن المضاربة.
الذهب جسراً في النظام النقدي متعدد الأقطاب
تشير التحولات الراهنة إلى اتجاه نحو أنظمة احتياطية متعددة القطبية، حيث يعمل الذهب بوصفه جسراً محايداً بين مختلف الكتل النقدية. تطبيقات التكنولوجيا المالية، مثل التوكنز الرقمية المدعومة بالذهب، وسلسلة التوريد الرقمية، والعقود الذكية، تعزز من دور الذهب النقدي وتوسع استخداماته، مع الحفاظ على خصائصه بوصفه أصلاً لحفظ القيمة.
ولا تمثل تحركات سوق الذهب منذ مطلع عام 2025 مجرد طفرة سعرية عابرة، بل هي انعكاس لتحول هيكلي بعيد المدى في موازين الأسواق العالمية. هذا المسار الجديد مدفوع بتضافر عوامل جوهرية، تبدأ من تآكل الاستدامة المالية للقوى الاقتصادية الكبرى، ومروراً بتصاعد استخدام «الأسلحة النقدية» كأدوات في الصراعات الجيوسياسية، وصولاً إلى الثورة الصامتة في إعادة تخصيص المحافظ الاستثمارية وقيود العرض المادية.
وعليه، يعيد هذا التحول تثبيت مكانة الذهب بصفته ملاذاً نقدياً نهائياً ومستداماً، مدعوماً بطلب مؤسسي راسخ وقواعد هيكلية صلبة للأسعار. ومن خلال تجاوزه لموجات التقلب المضاربية التقليدية، يستعيد الذهب موقعه التاريخي الأصيل بصفته أصلاً نقدياً استراتيجياً لا غنى عنه؛ ليشكل بوصلة الأمان في نظام مالي عالمي يبحث عن التوازن في قلب عدم اليقين العالمي.
أعلن البنك المركزي الروسي، يوم الثلاثاء، تخفيف متطلبات الاحتياطي المفروضة على القروض المعاد هيكلتها، في خطوة تهدف إلى مساعدة الشركات المثقلة بالديون، وفي مقدمتها شركة السكك الحديدية الروسية، على تخفيف أعباء التمويل.
وتواجه شركة السكك الحديدية الروسية، أكبر جهة توظيف في البلاد، ضغوطاً متزايدة نتيجة تراجع أحجام الشحن وارتفاع أسعار الفائدة، ما دفعها إلى الدخول في محادثات مع البنوك والحكومة، لإعادة هيكلة ديونها التي تبلغ نحو 4 تريليونات روبل (51.22 مليار دولار).
وقال أندريه كوستين، الرئيس التنفيذي لبنك «في تي بي» -الدائن الرئيسي للشركة- في مقابلة مع «رويترز»، إن البنوك مستعدة لتأجيل سداد القروض، شريطة ألا يفرض البنك المركزي متطلبات احتياطي أعلى على هذه التسهيلات.
وأوضح البنك المركزي أنه مدّد توصياته إلى البنوك بإعادة هيكلة قروض الشركات ورواد الأعمال الأفراد الذين يواجهون صعوبات مؤقتة، لتشمل النصف الأول من عام 2026، مشيراً إلى أنه خفّف متطلبات الاحتياطي بهدف تشجيع المصارف على الالتزام بهذه التوصيات.
وأضاف أن هذه الإجراءات تنطبق على الشركات ذات الأعباء التمويلية المعتدلة، التي واظبت على سداد التزاماتها خلال الأشهر الستة الماضية، وقدمت «خطط أعمال واقعية» للسنوات الثلاث المقبلة. وأكد أن على البنوك متابعة التزام المقترضين بهذه الخطط بشكل منتظم، وتكوين مخصصات إضافية في حال الإخفاق في تحقيق الأهداف.
كشف تقرير لمجلة “فوربس” عن قائمة أضعف العملات في العالم من حيث قيمتها أمام الدولار الأمريكي، في ظل ضغوط اقتصادية وتحديات نقدية تعانيها هذه الدول.
ووفقاً لمنصة «وايز»، فإن انخفاض قيمة العملة في أي بلد سببه عوامل اقتصادية وسياسية، أبرزها تدخلات البنوك المركزية في سوق الصرف، وارتفاع الواردات مقابل تراجع الصادرات، إلى جانب انتشار البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي، وكذلك الحروب وحالات عدم الاستقرار السياسي.
وتصدّرت الليرة اللبنانية القائمة، إذ يعادل الدولار الواحد نحو 89,556 ليرة لبنانية، متأثرةً بأزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة، وجاء الريال الإيراني في المرتبة الثانية، حيث يساوي الدولار نحو 42,112 ريالاً، تلاه الدونغ الفيتنامي عند مستوى 26,345 دونغاً للدولار.
وحلّ الكيب اللاوسي رابعاً بـ 21,663 كيباً للدولار، ثم الروبية الإندونيسية خامساً بنحو 16,719 روبية، أما المرتبة السادسة فكانت من نصيب السوم الأوزبكي عند 11,861 سوماً للدولار، يليه الفرنك الغيني بـ 8,658.
وفي المراكز الثلاثة الأخيرة، جاء أرياري مدغشقر بقيمة 4,521 أريارياً للدولار، ثم الفرنك البوروندي بـ 2,943 فرنكاً، فيما سجل الغواراني الباراغواياني نحو 7,087 غوارانياً مقابل الدولار.
سجّل تمويل المشاريع الخضراء زخماً قوياً العام الحالي، حيث بلغت إصدارات السندات والقروض الخضراء عالمياً مستوى قياسياً عند 947 مليار دولار منذ بداية عام 2025، في إشارة واضحة إلى استمرار تدفق رؤوس الأموال نحو الأصول الصديقة للمناخ، وذلك وفق بيانات «بلومبرغ إنتليجنس».
وبلغ إجمالي سوق الديون المستدامة (ومنها السندات الاجتماعية وسندات الاستدامة) نحو 1.6 تريليون دولار.
وسجلت استثمارات الطاقة المتجددة رقماً قياسياً في النصف الأول من عام 2025 وحده، حيث بلغت 386 مليار دولار بزيادة 10% عن العام السابق.
وتفوقت الصين على الولايات المتحدة وأوروبا في إصدار السندات الخضراء لأول مرة، حيث سجلت رقماً قياسياً بلغ 138 مليار دولار، كما برزت الهند قوة صاعدة بقروض خضراء بلغت 7 مليارات دولار.
وكان الذكاء الاصطناعي محركاً غير متوقع للتمويل الأخضر؛ حيث أدى الطلب الهائل على الطاقة لمراكز البيانات إلى تدفق استثمارات ضخمة في البنية التحتية للطاقة النظيفة.
وحافظت أوروبا على مكانتها كونها أكبر سوق من حيث القيمة الإجمالية للأصول، مع إصدارات سيادية قوية من دول مثل إيطاليا وفرنسا.
جاء ذلك على الرغم من دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للوقود الأحفوري، إلى جانب تراجع أوروبا عن بعض القواعد البيئية المشددة وسط مخاوف تتعلق بالنمو والقدرة التنافسية.
وتزامن هذا النمو مع تحسن أداء أسهم الطاقة المتجددة، حيث تتجه مؤشرات القطاع إلى تحقيق أول مكاسب سنوية لها منذ عام 2020، متفوقة بفارق واسع على مؤشر إس آند بي 500، ما يعكس تجدد ثقة المستثمرين في تحول الطاقة بوصفه فرصة استثمارية طويلة الأجل.
من السهل جداً – والمحبط للغاية – أن نتخيل كيف سينظر كثير من المؤرخين في المستقبل إلى عام 2025 باعتباره العام الذي انتهى فيه عهد التعددية الدولية، فعلى مدى ثلاثة عقود ازدهرت فكرة التعددية منفعة عامة عالمية.
ربما خفتت هذه الروح في بعض الأحيان، لكن الأجندة الدولية باتت تتشكل بشكل متزايد، من خلال اجتماعات مخصصة لقضايا عالمية، من تغير المناخ إلى الضرائب والتجارة، لكن هذه القمم وطموحاتها شهدت عاماً كارثياً في 2025، فقد اختتمت الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومحادثات المناخ ومؤخراً قمة مجموعة في قمة المناخ «كوب 30» وقمة العشرين للاقتصادات الكبرى، جميعها بشكل متعثر وبصورة باهتة، وأكدت البيانات الختامية الموجزة مدى سرعة تراجع العالم عن الرؤية المشتركة الشاملة، التي سادت قبل عقد من الزمن تقريباً، والتي تدعو إلى نهج جماعي لمواجهة تحدياته.
ويرى كثيرون أن المحرك الرئيسي لهذا التغيير هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بازدرائه لفكرة أن يكون لجميع الدول رأي في كيفية إدارة العالم، وتجاهله للقضايا الأكثر احتياجاً إلى نهج عالمي متعدد الأطراف، من تغير المناخ إلى التجارة الحرة، وفي واقع الأمر، لطالما تذبذب موقف أكبر اقتصاد في العالم من التعددية الدولية، لكن قراره، في جوهره، بالتخلي عن هذه القضية – إذ لم تحضر إدارة ترامب قمة قادة مجموعة العشرين في جنوب أفريقيا الشهر الماضي – يعد ضربة قاضية إلى حد كبير.
مع ذلك سيكون من المجحف إلقاء اللوم على ترامب وحده في تراجع التعددية الدولية، فهذه القضية تواصل فقدان زخمها حتى قبل أن يبدأ ترامب ولايته الثانية، وهي في الحقيقة لم تشهد قط عصراً ذهبياً، كما أن دولاً أخرى تسير على خطى أمريكا، وتتنصل من التزاماتها، ثم هناك دور الصين، منافس أمريكا القوي، فهي تتحدث بلغة التعاون، لكنها هي الأخرى انتهجت نهجاً تجارياً، ويراها البعض سبباً، على سبيل المثال، في إضعاف منظمة التجارة العالمية، ومن الواضح أن بعض التكتلات الجديدة، التي ظهرت في السنوات الأخيرة قد بلغت ذروتها، أو على الأقل أصبحت غير ضرورية في الوقت الراهن، ولنأخذ مجموعة العشرين مثالاً، فبعد أن كانت تكتلاً ضخماً يضم قوى متباينة احتاجت إلى حالة طارئة ملحة وواضحة، لتحفيزها على العمل بتنسيق تام، ففي عام 2009، خلال الأزمة المالية العالمية، اتفق قادتها على ضخ تمويل ضخم ومنسق.
في ذلك العام بدت مجموعة العشرين على وشك أن تحل محل مجموعة الثماني، معلنة نفسها «المنتدى الرئيسي للتعاون الاقتصادي الدولي»، لكن في السنوات الأخيرة، غالباً ما واجهت صعوبة حتى في الاتفاق على بيان ختامي،
كما أن منظمة الأمم المتحدة، وهي الهيئة العريقة للتعددية، باتت في أمس الحاجة إلى إعادة هيكلة تحت قيادة جديدة، كما ينبغي لها أن تركز جهودها بشكل أكبر على كيفية تجنب الخطرين الأكبر اللذين يهددان البشرية حالياً: الحرب بين القوى العظمى وتغير المناخ.
مع ذلك ينبغي على المؤمنين الحقيقيين بالتعددية الدولية أن يتمسكوا بها، وعليهم في الوقت الراهن التركيز على شكل جديد، وأكثر مرونة من التعاون، والأكثر تداولاً اليوم هي فكرة عقد اجتماعات خاصة بين الدول ذات التوجهات المتشابهة، إقليمية أحياناً، للتركيز على قضايا محددة، فهذا هو المسار الأمثل.
وكونه مثالاً على هذه المرونة يشير وزراء التجارة في جنوب شرق آسيا إلى توسيع نطاق الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ، لتشمل المملكة المتحدة، كما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى توثيق العلاقات أيضاً.
إن هذه الصورة، بطبيعة الحال، لا تقارن بالطموح الكبير، الذي كان سائداً قبل نحو عشرين عاماً، لكن في عالم يزداد فيه التنافس، لن يكون هذا الأمر سهلاً، وينبغي الاتفاق على أن هناك تحديات عدة، يمكن للعالم تنظيمها دون الولايات المتحدة، بما في ذلك التجارة والتنمية والمحيط الحيوي، ومن الممكن أن تقرر الولايات المتحدة مع مرور الوقت رغبتها في المشاركة.
بين ضجيج التوقعات القاتمة وسقف المخاطر المرتفع، دخل الاقتصاد العالمي عام 2025 مثقلاً بسيناريوهات التشاؤم، من حروب تجارية وشيكة، وتشديد نقدي خانق، إلى مخاوف ركود عالمي واهتزاز أسواق المال.
غير أن مرور الشهور كشف تدريجياً عن واقع أكثر تعقيداً وأقل سوداوية، إذ بدت الفجوة آخذة في الاتساع بين ما حذر منه الاقتصاديون وما تحقق فعلياً على الأرض.
وفي لحظة مراجعة نهاية العام، تفرض التطورات الاقتصادية نفسها بوصفها اختباراً صعباً لدقة النماذج التحليلية التقليدية، وتفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول أسباب إخفاق التقديرات السائدة في قراءة مسار 2025 على نحو صحيح.
قبل ختام العام، يعيد تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية قراءة واحدة من أكثر السنوات الاقتصادية إثارة للجدل، كاشفاً عن فجوة واضحة بين التوقعات السائدة والنتائج الفعلية؛ فعلى الرغم من الأجواء القاتمة التي هيمنت على الخطاب الاقتصادي في بدايات العام، بفعل السياسات الحمائية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومخاوف الفقاعات المالية، والقلق من تباطؤ النمو العالمي، جاءت المحصلة النهائية أفضل بكثير مما توقعه معظم الاقتصاديين.
التشاؤم بلغ ذروته في الربع الأول من العام، لا سيما بعد إعلانات» يوم التحرير« في الثاني من أبريل، التي بدت وكأنها تؤسس لمرحلة جديدة من الحروب التجارية.
إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت أن «الانطباعات» لم تكن مرآة دقيقة للواقع. فالاقتصاد العالمي، وحركة التجارة، والأسواق المالية، تفوقت جميعها على التقديرات التوافقية، ما يطرح سؤالاً محورياً: لماذا أخطأ كثير من الاقتصاديين في قراءة 2025؟
السبب الأول تمثل في سوء تفسير سياسة ترامب التجارية؛ فرغم السرعة التي فُرضت بها الرسوم الجمركية في الأشهر الأولى، تبيّن لاحقاً أن هذه الإجراءات كانت في كثير من الأحيان أدوات تفاوض أكثر منها سياسات دائمة.
كما أن الضغوط السياسية والاقتصادية، ولا سيما اضطرابات أسواق الأسهم والسندات الأمريكية، دفعت الإدارة إلى تأجيل الرسوم أو تخفيفها عبر استثناءات ومفاوضات.
ومع مرور الوقت، تراجع معدل الرسوم الجمركية الفعّالة في الولايات المتحدة، ما حسّن آفاق النمو العالمي وأعاد بعض الثقة الى الأسواق.
العامل الثاني كان التقليل من شأن مرونة الاقتصادات والشركات؛ فبرغم أن متوسط الرسوم الأمريكية ظل أعلى بكثير من مستواه في العام السابق، أظهرت الشركات قدرة لافتة على التكيّف عبر تنويع سلاسل التوريد، وبناء مخزونات مسبقة، والبحث عن أسواق بديلة.
الصين، على وجه الخصوص، فاجأت المراقبين بقدرتها على امتصاص الصدمات، مدعومة بقوتها في سلاسل الإمداد والابتكار، وهو ما انعكس في رفع صندوق النقد الدولي لتوقعات نموها. كما أسهمت سياسات الدعم والإنفاق والإصلاحات في أوروبا وآسيا في تخفيف أثر الحمائية الأمريكية.
أما السبب الثالث فتمثل في وجود «ممتصات صدمات» لم تحظَ بالاهتمام الكافي؛ ففي الولايات المتحدة، لعب قطاع الرعاية الصحية دوراً محورياً في دعم الاستهلاك والتوظيف، بينما كان الذكاء الاصطناعي هو الركيزة الأساسية للنمو.
كما أن الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية التكنولوجية، ومراكز البيانات، والمعدات، عوضت ضعف الإنفاق الرأسمالي التقليدي، ودعمت أسواق الأسهم والتجارة العالمية، حيث شكّلت مكونات التكنولوجيا المتقدمة جزءاً كبيراً من نمو التجارة العالمية.
كما أسهم ضعف الدولار في دعم اقتصادات الأسواق الناشئة.
تقديرات اقتصادية غير موفقة
بدورها، تقول خبيرة أسواق المال، حنان رمسيس، لموقع «اقتصاد سكاي نيوز عربية»: عام 2025 شهد جملة من التقديرات الاقتصادية الخاطئة التي وقع فيها عدد كبير من الاقتصاديين، وعلى رأسها التقدير المبالغ فيه لتداعيات الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
التوقع السائد حينها كان أن تؤدي هذه الرسوم إلى تأثير سلبي على الاقتصاد الأمريكي، ولا سيما على تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى الولايات المتحدة، إلا أن الواقع جاء مغايرًا تمامًا، حيث شهدت الولايات المتحدة اهتمامًا استثماريًا متزايدًا من عدة دول (..).
من بين التقديرات الخاطئة أيضًا المخاوف من تصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين إلى مستوى قد يقود إلى صراع عالمي، إلا أن إدارة ترامب اتجهت إلى تهدئة المشهد عبر مد جسور التعاون الاقتصادي مع الصين، والسعي لعقد لقاءات رفيعة المستوى لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية.
حقق مديرو صناديق التحوط عاماً قوياً آخر في عام 2025، مكافئين بذلك المستثمرين الذين ضخوا مئات المليارات من الدولارات في هذا القطاع.
حتى نهاية نوفمبر، حققت صناديق التحوط مكاسب بنسبة 10.8% في عام 2025، وفقاً للمؤشر المركب لشركة الأبحاث المتخصصة في القطاع بيفوتال باث PivotalPath’s، مما يضع القطاع على المسار الصحيح لتجاوز أداء عام 2024. وسجلت جميع الاستراتيجيات الرئيسية تقريباً عوائد إيجابية.
لكن الوضع لم يكن مماثلاً لعام 2024، حين قادت صناديق التحوط الكبيرة مسيرة ازدهار القطاع. هذا العام، سيطرت صناديق التحوط الصغيرة، وفق بزنس إنسايدر.
ووفقاً لبيانات بيفوتال باث، تفوقت الصناديق التي تدير أصولاً تقل عن 500 مليون دولار على نظيراتها الأكبر حجماً حتى نهاية نوفمبر. وتصدرت أصغر الشركات، تلك التي تدير أصولاً تقل عن 100 مليون دولار، قائمة الرابحين، محققةً عائداً بنسبة 14.6%.
حتى في الشركات الكبيرة متعددة الاستراتيجيات، برزت صناديقها الأصغر حجماً طوال معظم العام.
لا يُضمن للصناديق الصغيرة النجاح، لكن عدة عوامل ساهمت في ازدهارها عام 2025. وكان ازدهار سوق الأسهم العامل الأبرز في هذا النجاح. فمع ارتفاع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 18% ومؤشر ناسداك بنسبة 21% حتى نهاية نوفمبر، كانت البيئة مواتية للغاية لمستثمري الأسهم.
وتميل الشركات الأصغر حجماً إلى الاعتماد بشكل أكبر على استراتيجيات الأسهم طويلة الأجل وقصيرة الأجل، والتي تتطلب رأس مال وبنية تحتية أقل لتنفيذها.
في هذا الإطار، قال جون كابليس، الرئيس التنفيذي لشركة بيفوتال باث: “عادةً ما تتفوق الصناديق الصغيرة عندما تتفوق أسواق الأسهم. أما عند حدوث عمليات بيع مكثفة، فيتراجع أداء مديري الصناديق الصغيرة”.
وأضاف كابليس أن حجمها يمنحها مرونة أكبر في اختيار الأسهم التي تستثمر فيها وحجم استثماراتها، مما يسمح لها بالتداول بمرونة أكبر.
ومع اقتراب أسعار الأسهم من أعلى مستوياتها على الإطلاق، وتزايد حذر المستثمرين من التزاحم، لا يوجد ما يضمن استمرار سلسلة مكاسب الصناديق الصغيرة حتى عام 2026.
شهد عام 2025 منعطفاً مفصلياً في مسار أسواق الأصول الرقمية؛ إذ انتقل القطاع من مرحلة «النمو العشوائي» إلى مرحلة «النضج المؤسسي والتنظيمي». وجاء هذا التحول نتيجة تفاعلٍ معقّد بين تسارع الابتكار التكنولوجي، وتوسع مشاركة المؤسسات المالية الكبرى، وصعود الأطر التنظيمية الفيدرالية التي أعادت رسم حدود العلاقة بين العملات الرقمية والنظام المالي التقليدي.
وفي المقابل، لم تخلُ هذه المرحلة الانتقالية من اضطرابات؛ إذ تعرضت الأسواق لهزات مضاربية وأحداث أمنية كشفت هشاشة بعض الشرائح، ولا سيما عملات «الميم» والعملات المستقرة مرتفعة المخاطر، ما عزّز القناعة بأن مرحلة «إعادة التوازن الهيكلي» باتت جزءاً لا يتجزأ من رحلة تحوّل القطاع نحو نموذج أكثر انضباطاً واستدامة.
جاء اسم «عملات الميم» (Meme Coins) من نكت أو ميمات الإنترنت، وهي عملات مشفرة تعتمد بشكل أساسي على الضجيج على وسائل التواصل الاجتماعي والمجتمعات الرقمية لجذب المستثمرين، أشهرها «دوجكوين» (Dogecoin) و«شيبا إينو» (Shiba Inu). وتتميز بتقلبات سعرية عالية جداً لقلة قيمتها الأساسية وغياب المنفعة الملموسة أحياناً، مما يجعلها استثماراً مضارباً عالي المخاطر.
الربع الأول: الانطلاقة وأولويات السيادة الرقمية
افتُتح عام 2025 بإطلاق عملة «ترمب» في 17 يناير (كانون الثاني)، والتي مثلت أكثر من مجرد أداة مضاربية؛ فقد عكست التغلغل الثقافي والسياسي للعملات الرقمية، وأظهرت كيف يمكن للأحداث السياسية أن تخلق ديناميات سعرية مؤثرة. اعتبر البعض أن الإطلاق سحب سيولة من النظام البيئي، في حين رأى آخرون أنه يمثل علامة على تقبل العملات الرقمية على نطاق واسع. وبعد ثلاثة أيام، مع تنصيب دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة، بدأت الأسواق تشهد تحولاً استراتيجياً في موقف المؤسسات تجاه العملات الرقمية؛ إذ تزايد اعتمادها تدريجياً، مما ساهم في تقليل التقلبات السعريّة وتعزيز النضج السلوكي للأسواق.
وفي 23 يناير من العام، وقع ترمب أمراً تنفيذياً لإنشاء استراتيجية وطنية للأصول الرقمية واحتياطي «بتكوين» استراتيجي، مؤكداً وضع الأصول الرقمية ضمن الاستراتيجية المالية والسيادية الأميركية. تضمن الأمر تعزيز الحفظ الذاتي للأصول الرقمية، ودعم العملات المستقرة المدعومة بالدولار، ورفض العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs)، وهو ما عزز الشفافية التنظيمية، وأرسى مفهوم «الاحتياطي الوطني الرقمي» لأول مرة على المستوى المؤسسي والدولي.
الاضطرابات الأمنية وانهيارات السوق
مع هذا الانطلاق، لم يكن الطريق مفروشاً بالاستقرار. ففي 14 فبراير (شباط)، شهدت الأسواق انهيار عملة الميم «ليبرا» المدعومة سياسياً؛ إذ فقدت أكثر من 90 في المائة من قيمتها السوقية في ساعات قليلة بعد إعلان الرئيس الأرجنتيني دعمها. أظهرت الحادثة هشاشة سوق عملات «الميم» أمام المضاربة والسيولة المرتبطة بالمبادرات السياسية المفاجئة؛ إذ تكبد 86 في المائة من المستثمرين خسائر تجاوزت 250 مليون دولار. وفي 21 فبراير، واجهت منصة «بايبت» أكبر اختراق أمني في تاريخها؛ إذ سرق قراصنة مرتبطون بكوريا الشمالية نحو 1.5 مليار دولار من الأصول الرقمية. على الرغم من ضخامة الرقم، ساعدت الاستجابة المؤسسية الشفافة في الحد من عدوى مالية واسعة، مؤكدة أهمية إدارة الأزمات في الأسواق اللامركزية.
النصف الأول من العام: تحديثات تقنية واكتتابات عامة
شهد مايو (أيار) 2025 ترقية «بيترا» لشبكة «إيثيريوم»، والتي حسنت من كفاءة تنفيذ المعاملات واستقرار البروتوكول، مؤكدة مكانة «إيثيريوم» كبنية تحتية مؤسسية قابلة للاعتماد. في 5 يونيو (حزيران)، أكملت شركة «سيركل» اكتتابها العام في بورصة نيويورك، محققة طلباً مؤسسياً قوياً مع ارتفاع أسعار السهم أكثر من 150 في المائة في يوم التداول الأول، وهو ما يعكس رغبة المستثمرين المؤسساتيين في الدخول إلى السوق الرقمي ضمن أطر منظمة وواضحة.
وفي 17 يونيو، أقر مجلس الشيوخ الأميركي قانون «جينيوس»، ليصبح الإطار الفيدرالي الشامل الأول للأصول الرقمية في الولايات المتحدة. قدم القانون قواعد واضحة لإصدار العملات المستقرة والإشراف عليها، ووضع معايير للبنية السوقية للوسطاء، ما قلل بشكل كبير من عدم اليقين القانوني وعزز الثقة المؤسسية في الأسواق الرقمية.
نهاية يونيو شهدت إطلاق منصة «إكس ستوكس» للأصول المرمّزة، والتي أتاحت تداول أكثر من 60 سهماً أميركياً على «البلوكشين» بشكل مباشر، مما وفر للمستثمرين أداة جديدة للوصول إلى الأسهم التقليدية في بيئة رقمية، مع ضمان التغطية الكاملة للأصل الأساسي. وسرعان ما ارتفعت القيمة الإجمالية للأصول على الشبكة من 35 مليون دولار إلى أكثر من 100 مليون دولار خلال أسبوعين، ما أبرز الاهتمام المبكر بالأسهم المرمّزة.
الربع الثالث: المنافسة والتوسع المؤسسي
في 18 يوليو (تموز)، وقع ترمب قانون «جينيوس» ليصبح نافذاً، مؤكداً تحويل الأطر التنظيمية من غموض إنفاذ القوانين إلى تنظيم واضح وقائم على القواعد، ما عزز دمج الأسواق الرقمية ضمن النظام المالي الأميركي التقليدي.
وشهد شهر سبتمبر (أيلول) إطلاق منصة «أستر» على شبكة «بي إن بي تشاين»، بدعم علني من «سي زد»، مع ارتفاع رموز «أستر» عشرة أضعاف خلال أسبوعها الأول. جذب هذا النشاط الكبير انتباه المحللين، الذين أشاروا إلى ضرورة مراجعة مصداقية البيانات المتعلقة بأحجام التداول وتركيز توزيع الرموز.
الربع الرابع: تسجيل الأرقام القياسية واختبارات السيولة
في 6 أكتوبر (تشرين الأول)، بلغت «بتكوين» أعلى مستوى تاريخي عند 126,038 دولاراً، مدفوعة بتدفقات صناديق المؤشرات المتداولة وضعف الدولار خلال فترة عدم اليقين السياسي. ومع إعلان تعريفات على الصين، عادت العملات الرقمية إلى مرحلة تصحيح؛ إذ شهدت عمليات تصفية كبيرة في الأسواق المركزية واللامركزية، مؤكدة الترابط بين الأسواق الرقمية والاقتصاد العالمي.
وفي 7 أكتوبر، جمعت منصة «بولي ماركت» تمويلاً بقيمة مليارَي دولار عند تقييم 9 مليارات دولار، ليصبح إجمالي التمويل 2.28 مليار دولار، مما يعكس الطلب المؤسسي المتزايد على أدوات التنبؤ الرقمية. وفي 11 أكتوبر، شهدت الأسواق أكبر انهيار منذ «إف تي إكس»، مع موجة بيع حادة تضمنت الأسهم والعملات الرقمية والسلع، ما أبرز أهمية إدارة المخاطر والسيولة في البيئات عالية التقلب.
في 28 أكتوبر، أُطلق أول منتجات «سول إي تي إف»، لتوفير وصول منظم للمستثمرين المؤسساتيين إلى نظام «سولانا» البيئي. وسجلت التدفقات الصافية في اليوم الأول نحو 69.5 مليون دولار، وتراكمت حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) إلى نحو 750 مليون دولار، ما يعكس الطلب المستمر على الأصول الرقمية ضمن أطر منظمة.
تحديات العملات المستقرة
شهدت أسواق «ديفاي» في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) صدمة كبيرة عندما انفصلت العملة المستقرة «إكس يو إس دي» عن قيمتها المرجعية بنسبة تجاوزت 43 في المائة بعد الكشف عن خسارة بقيمة 93 مليون دولار مرتبطة بمدير أصول خارجية. أدى ذلك إلى تجميد السحوبات والاستردادات مؤقتاً، مع انعكاسات على أصول مرتبطة مثل «دي يو إس دي» و«إس دي دي يو إس دي»، مؤكداً أهمية الأطر التنظيمية واستقرار السيولة للحفاظ على ثقة المستثمرين.
اتجاهات 2026
مع نهاية عام 2025، بات جلياً أن أسواق الأصول الرقمية تجاوزت مرحلة المضاربة البحتة، لتتحول إلى مكوّن محوري في البنية المالية العالمية، مدعومةً بتوسع الحضور المؤسسي وتبلور الأطر التنظيمية. ومع دخول عام 2026، يُرجَّح أن يتمحور مسار النمو حول ترسيخ الصلة بين قيمة الرموز الرقمية والتدفقات النقدية الحقيقية التي تولدها البروتوكولات، إلى جانب تطوير آليات الحوكمة، وتعزيز الشفافية، وترسيخ استدامة نماذج التمويل اللامركزي.
وفي هذا السياق، تتشكل ملامح مرحلة جديدة تجمع بين مرونة ابتكارات «البلوكشين» وانضباط الأسواق التقليدية، بما يعيد تعريف دور الأصول الرقمية كأدوات مالية ناضجة، لا مجرد رهانات عالية المخاطر.
سجلت أكبر ستة بنوك أمريكية زيادة قوية في قيمتها السوقية خلال عام 2025، حيث أضافت نحو 600 مليار دولار مدفوعة بتوجه إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تخفيف القيود التنظيمية على القطاع، إلى جانب انتعاش نشاط الخدمات المصرفية الاستثمارية بشكل ملحوظ.
وقد ارتفعت القيمة السوقية المجمعة لكل من «جيه بي مورغان» و«بنك أوف أمريكا» و«سيتي غروب» و«ويلز فارغو» و«غولدمان ساكس» و«مورغان ستانلي» إلى نحو 2.37 تريليون دولار بنهاية تداولات الثلاثاء.
يقارن هذا النمو بنحو 1.77 تريليون دولار في نهاية العام الماضي وفق بيانات «إس آند بي غلوبال»، وتبرز هذه القفزة اتساع الفجوة الكبيرة بين البنوك الأمريكية ونظيراتها الأوروبية التي تعاني من بطء في النمو.
إذ لا تتجاوز القيمة السوقية المجمعة لأكبر ستة بنوك في القارة العجوز نحو تريليون دولار فقط، في امتداد لفارق جوهري ترسخ في الأسواق العالمية منذ الأزمة المالية العالمية التي اندلعت عام 2008.
بعد أن أثقلت القواعد التنظيمية المشددة كاهل البنوك الأمريكية لسنوات طويلة، بدأت هذه المؤسسات تجني ثمار تراجع القيود التي كانت تحد سابقاً من جاذبية أسهمها للمستثمرين في الأسواق المالية.
حيث سمحت الجهات التنظيمية للبنوك بمستويات أعلى من الرفع المالي وإعادة هيكلة اختبارات الضغط السنوية، إضافة إلى إلغاء إرشادات الإقراض المرتبطة بالقروض عالية المخاطر لتعزيز قدرتها التنافسية.
ارتفاع أسعار السبائك يحوّل تجارة المعادن الثمينة وتخزينها إلى أحد أكثر الأعمال ربحية بالقطاع المالي
توسع البنوك والتجار أقسام المعادن الثمينة والقدرات اللوجستية في إطار سباق محموم، للاستفادة من الارتفاع التاريخي للذهب هذا العام، والذي جعل عالم تجارة السبائك وتخزينها، الذي كان يعتبر هادئاً في الأغلب، أحد أكثر المجالات ربحية في القطاع المالي.
ووسط ارتفاع هائل في أسعار الذهب والفضة ارتفعت إيرادات أقسام تجارة المعادن الثمينة في البنوك الرائدة بنسبة 50 %، خلال الأشهر التسعة الأولى من هذا العام مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، وذلك وفقاً لشركة «كريسيل كواليشين غرينتش» لتحليل البيانات.
وقال كالوم مينز، مدير الأبحاث في «كريسيل»: هناك فرصة كبيرة لتحقيق أرباح هذا العام، والجميع يتنافسون عليها بقوة». وأضاف أن المعادن الثمينة أصبحت «تشكل نسبة أكبر من إجمالي أعمال الأسواق» بالنسبة للبنوك الكبرى.
وبلغت إيرادات تداول المعادن الثمينة في 12 بنكاً رائداً نحو 1.4 مليار دولار بين يناير وسبتمبر، ما يجعل عام 2025 على المسار، ليكون ثاني أفضل عام مسجل لتداول الذهب، بعد عام 2020، وفقاً لبيانات شركة «كريسيل».
كذلك فإنه حتى البنوك التي أغلقت أقسام المعادن الثمينة لديها سابقاً تعود الآن إلى هذا القطاع، حيث قام كل من سوسيتيه جنرال ومورغان ستانلي وميتسوي بتوسيع فرقها المتخصصة في المعادن الثمينة هذا العام، وفقاً لمشاركين في السوق.
كما يحفز هذا التوجه منافسة متزايدة من خارج القطاع المصرفي، حيث تسارع المؤسسات غير المصرفية لزيادة حصتها في السوق المتنامية، وفي هذا السياق عززت كل من مصفاة «إم كيه إس بامب» السويسرية، ومنصة «ستون إكس» المالية، وشركة الوساطة «ماريكس»، التي تتخذ من لندن مقراً لها، عملياتها في تداول السبائك هذا العام.
وصرح مايكل سكينر، رئيس قسم المعادن في شركة «ستون إكس»، بأن هناك إقبالاً متزايداً وتوسعاً في السوق، مؤكداً أن الأسواق ستستفيد من تزايد عدد المشاركين.
وخلال العام الجاري دشنت ستون إكس، والتي لديها بالفعل نشاط تجاري كبير في تجارة الذهب المادي، قبواً للذهب تابعاً لبورصة كومكس في نيويورك، كما تعمل على توسيع مصفاة سبائك الذهب في المملكة المتحدة، التي اشترتها العام الماضي.
وفي نيويورك يمكن لبعض الخزائن المعتمدة من كومكس تخزين المعادن لتسليمها مقابل عقود كومكس الآجلة، وفي لندن، أكبر مركز لتجارة الذهب المادي في العالم، والذي تتم فيه مقاصة أكثر من 35 تريليون دولار من السبائك سنوياً، يجب على البنوك التي تجري مقاصة لأعضاء سوق لندن امتلاك خزائنها الخاصة. يوجد حالياً أربعة أعضاء فقط في سوق الذهب «لوكو لندن».
وكان ينظر إلى امتلاك الخزائن في السابق على أنه عمل ذو هوامش ربح منخفضة، ولذلك باعت بنوك مثل باركليز وسكوتيا بنك خزائنها في السنوات الأخيرة، لكن هذا النشاط يعود الآن إلى الواجهة.
وقال كالوم مينز من شركة كريسيل: «معظم البنوك إما تدرس أو درست بالفعل خيار إنشاء خزائن لحفظ الأصول. وإذا كنت مدرجاً في قائمة البنوك التي ستنشئ خزائن لحفظ الأصول، فستحصل على إيرادات إضافية تفوق غيرك، صحيح أن العائدات منخفضة، لكنها تجذب شريحة واسعة من المستثمرين».
ووفقاً لمشاركين في السوق فإن سيتي غروب من بين البنوك التي تدرس حالياً إنشاء خزائن لحفظ الأصول، وقال جيمس إيميت، الرئيس التنفيذي لشركة «إم كيه إس بامب»، التي اشترت خزائن بنك سكوتيا في نيويورك عام 2021، إن امتلاك خزائن لحفظ الأصول مكن من إدارة أعمال الحفظ التي توفر دخلاً ثابتاً.
وتمتلك شركة «إم كيه إس بامب» بالفعل ذراعاً تجارية كانت تعرف سابقاً باسم «إم كيه إس» بالإضافة إلى المصفاة السويسرية الكبيرة «بامب»، وتم دمجهما معاً في عام 2021، ما يضعها في موقف متميز بين المصافي، وقد قامت الشركة بتعيينات كبيرة هذا العام، بما في ذلك تعيين بول فولر، الرئيس السابق لقسم المعادن الثمينة في بنك «إتش إس بي سي»، كنائب رئيس مجلس الإدارة، كما وسعت عملياتها في آسيا بافتتاح مقر إقليمي جديد في هونغ كونغ.
وقال جيمس إيميت، إن هناك خططاً لمزيد من النمو في العام المقبل، بما في ذلك إطلاق تداول خيارات الذهب وتوسيع عمليات التكرير في الولايات المتحدة. وأضاف: «طموحنا أن نكون الشركة الرائدة عالمياً في مجال المعادن الثمينة. نحن نفعل كل شيء ما عدا استخراج الذهب من الأرض».
ومن المزايا التي تتمتع بها بنوك وول ستريت قدرتها على الوصول إلى ميزانيات عمومية ضخمة، وهو ما أصبح بالغ الأهمية هذا العام، عندما أدى الارتفاع المفاجئ في أسعار الذهب إلى إجهاد الميزانيات العمومية للمصنعين والتجار الصغار، ومع ذلك يتمتع العديد من المنافسين خارج القطاع المصرفي بميزة الخبرة الأوسع في توريد السبائك الذهبية المادية، وهو أمر معقد نظراً لضرورة التحقق من منشأ السبائك لاعتبارها «تسليماً جيداً» ومقبولة لدى جمعية سوق لندن للسبائك.
وتعتبر مخاطر شراء الذهب غير المطابق للمعايير مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من البنوك التي لا ترغب في الانخراط مبكراً في سلسلة التوريد، قبل تكرير الذهب. وقد بدأت شركتان تجاريتان سويسريتان مؤخراً في القيام بذلك، فقد أطلقت شركتا «ترافيجورا» و«جونفور»، المتخصصتان تقليدياً في الطاقة والمعادن الأساسية، مكاتب تداول للسبائك الذهبية المادية هذا العام، تتعامل مع الـ«دوريه» – وهي سبائك من الذهب ممزوجة بمعادن أخرى مستخرجة من المناجم – والذهب المكرر.
ووفقاً لـ«كريسيل» كانت إحدى أكثر الصفقات ربحية هذا العام هي المراجحة،التي ظهرت بين نيويورك ولندن خلال شهري يناير وفبراير، فقد تسببت المخاوف من الرسوم الجمركية المحتملة في ارتفاع سعر السبائك الذهبية المادية في الولايات المتحدة مقارنة بنظيرتها في لندن. مع ذلك، لم يتمكن الجميع من الاستفادة من هذه المكاسب. وقال كالوم مينز من شركة كريسل، إن إيرادات البنوك من تداول الذهب شهدت هذا العام «تفاوتاً أكبر» من المعتاد.
ويرحب العديد من خبراء الذهب المخضرمين بحقيقة أن السبائك أصبحت الآن محط الأنظار. وقال مايكل سكينر من شركة «ستون إكس»: «في بعض فترات مسيرتي المهنية، لم تكن المعادن موضوعاً يتحدث عنه كثيراً، لكن الوضع تغير الآن كثيراً».
رفعت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني توقعاتها لنمو الاقتصاد العالمي في عامي 2025 و2026، بزيادة قدرها 0.1 نقطة مئوية عن توقعات تقرير الآفاق الاقتصادية العالمية الصادر في سبتمبر.
جاء ذلك مدفوعا بأداء أفضل من المتوقع لاقتصاد منطقة اليورو، إلى جانب الزيادة القوية في الاستثمارات بقطاع تكنولوجيا المعلومات.
وتوقعت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني نمو الاقتصاد العالمي بما يصل نسبته نحو 2.5% في 2025 و بما يصل نسبته نحو 2.4% في 2026، بحسب الاسواق العربية.
كما توقعت “فيتش” نمو اقتصاد منطقة اليورو 1.4% في 2025 و1.3% في العام المقبل، ونمو الاقتصاد الأمريكي 1.8% في 2025 و1.9% في 2026، ونمو الاقتصاد الصيني 4.8% في 2025 و 4.1% في 2026 .
“S&P” تمنح “صندوق الاستثمارات” تصنيف A1قصير الأجل مع نظرة مستقبلية مستقرة
أعلن صندوق الاستثمارات العامة “PIF”، اليوم الاثنين، حصوله على تصنيف A-1للائتمان قصير الأجل من وكالة ستاندرد أند بورز العالمية للتصنيف الائتماني (S&P)، مع نظرة مستقبلية مستقرة، ما يعكس قوة مركزه المالي، وجودة مستويات السيولة والحوكمة، ويتواءم مع تصنيف الائتمان قصير الأجل للمملكة.
وبحسب بيان الصندوق، فقد منحت وكالة “ستاندرد أند بورز” التصنيف نفسه، A-1للائتمان قصير الأجل، لبرنامجي “صندوق الاستثمارات العامة” للأوراق التجارية الأميركي والأوراق التجارية الأوروبي، الذي أسسه الصندوق في يونيو 2025، لزيادة مدى المرونة التمويلية قصيرة الأجل لديه، وتنويع مصادر السيولة.
وقال زياد الفوزان مدير إدارة استراتيجية التمويل الاستثماري في صندوق الاستثمارات العامة: “يعكس حصول صندوق الاستثمارات العامة على تصنيف A-1 للائتمان قصير الأجل من وكالة ستاندرد أند بورز قوة مركزه المالي وإطار إدارة السيولة لديه”.
وتابع :”يُعزز التصنيف من إمكانية استفادة الصندوق من أسواق المال قصيرة الأجل لتنويع قاعدة مستثمريه ورفع جودة ائتمانه ومرونته التمويلية، بالإضافة إلى تعزيز مكانته بين أبرز جهات الإصدار العالمية ذات الكفاءة العالية في إدارة مركزها المالي بانضباط وتنوع.”
وتأتي تصنيفات “صندوق الاستثمارات العامة” الائتمانية لتجسد قوة المتانة المالية للصندوق، ومستويات الثقة العالية بمدى فاعلية استراتيجيته طويلة الأمد التي تركز على تحقيق القيمة الاقتصادية وتعزيز كفاءة الاستثمارات وضمان استدامة العوائد على المدى البعيد.
وينضم “صندوق الاستثمارات العامة” لعدد محدود من صناديق الثروة السيادية التي تحمل تصنيفات من وكالات التصنيف الائتماني الثلاث الرائدة عالمياً:
– تصنيف “Aa3” مع نظرة مستقبلية مستقرة من وكالة التصنيف الائتماني العالمية “موديز”.
– تصنيف “A+” مع نظرة مستقبلية مستقرة من وكالة “فيتش”.
– تصنيف A-1 للائتمان قصير الأجل للتصنيف الائتماني، مع نظرة مستقبلية مستقرة من وكالة “ستاندرد أند بورز”، بحسب الاسواق العربية.
ويُعد الصندوق واحداً من أبرز المستثمرين العالميين تأثيراً، ويعمل على تمكين القطاعات والفرص الجديدة التي تسهم في رسم ملامح الاقتصاد العالمي، وتحقيق العوائد، ودفع عجلة التحول الاقتصادي السعودي.
مع دخول الأسواق العالمية عصر «الاقتصاد المعرفي»، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد قطاع تقني عابر أو ظاهرة مؤقتة، بل أصبح محركاً رئيسياً يُعيد تشكيل النظام المالي العالمي. فبفضل قدرته على تحسين الإنتاجية وإيجاد سلاسل قيمة جديدة، أصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً أساسياً في تحديد نجاح الشركات. واليوم، تُقاس قوة الشركات ومرونتها بقدرتها على استخدام الحوسبة المتقدمة والخوارزميات الذكية للتفوق في بيئة اقتصادية وجيوسياسية معقدة.
وتُشير توقعات شركات الوساطة العالمية لعام 2026 إلى أن الذكاء الاصطناعي سيستمر في لعب دور محوري في استراتيجيات الاستثمار، مع توقع استمرار مكاسب مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» القياسي للعام الثاني على التوالي.
وقال محللو استراتيجيات «باركليز»: «نعتقد أن المخاوف من انهيار سردية الذكاء الاصطناعي مبالغ فيها، ونتوقع استمرار النمو الاقتصادي لعام آخر». ومع ذلك، يبقى مستوى المخاطر قائماً، إذ يمكن لمفاجآت التضخم، والتقييمات المرتفعة، والتوترات الجمركية أن تؤدي إلى تصحيحات، حتى مع توقع المحللين أن يواصل الذكاء الاصطناعي وخفض أسعار الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي» دعم السوق الصاعدة.
توقعات النمو الاقتصادي العالمي
يتوقع المحللون أن يكون النمو الاقتصادي العالمي قوياً، مع تقديرات تُشير إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة تتراوح بين 2.4 و3.3 في المائة.
وتُشير استطلاعات «رويترز» إلى أن مؤشر «ستاندرد آند بورز» القياسي سيرتفع بنحو 12 في المائة، ليصل إلى 7.490 نقطة بحلول نهاية عام 2026، ما سيؤدي إلى تسجيل العام الرابع على التوالي من الارتفاع إذا ما انتهى عام 2025 بزيادة مماثلة.
توقعات كبرى شركات الوساطة لأداء الأسهم
ومن بين توقعات مؤشرات الأسهم لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» لعام 2026، تتراوح تقديرات شركات الوساطة الكبرى بين 7.100 نقطة كما لدى «بنك أوف أميركا غلوبال ريسيرش»، وصولاً إلى 8.100 نقطة وفق إدارة «أوبنهايمر أسيت».
وتشمل الشركات البارزة الأخرى «باركليز» (7.400)، و«يو بي إس غلوبال ريسيرش» (7.500)، و«غولدمان ساكس» (7.600)، و«مورغان ستانلي» (7.800) و«سيتي غروب» (7.700).
كما تشير تقديرات إدارة «ويلز فارغو إنفستمنت» إلى نطاق 7.400-7.600 نقطة، في حين يتوقع معهد «إيفركور آي إس آي» 7.750 نقطة.
توقعات النمو الاقتصادي حسب المنطقة
وتُشير التقديرات إلى أن النمو في الولايات المتحدة يتراوح بين 1.3 و2.4 في المائة، في حين تتراوح توقعات منطقة اليورو بين 0.8 و2.4 في المائة. أما المملكة المتحدة، فيتوقع أن يُسجل النمو بين 0.9 و1.2 في المائة، في حين النمو العالمي يتراوح بين 2.4 و3.3 في المائة حسب الشركة المصدرة للتقديرات، بما يعكس توقعات إيجابية نسبية للنمو الاقتصادي العالمي مقارنة بالمناطق الرئيسية.
كما تُشير التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي سيبقى محفزاً رئيسياً لاستراتيجيات الاستثمار في 2026؛ حيث تدعم الابتكارات في هذا المجال النمو الاقتصادي وتُحافظ على جاذبية السوق الصاعدة، رغم وجود المخاطر المتعلقة بالتقييمات العالية والتوترات الجيوسياسية والتجارية.
تشهد الأسواق المالية في الولايات المتحدة مرحلة من التحول، والتطور، مع اتساع نطاق الخيارات الاستثمارية المتاحة للمستثمرين الأفراد. وفي هذا السياق، يبرز التحدي في موازنة الاستفادة من الفرص الجديدة مع إدارة المخاطر المحتملة، لا سيما لأولئك الذين يفتقرون إلى الخبرة، أو الدعم الاستشاري المستمر. ومع اقتراب هذه الأدوات المعقدة من متناول الجميع، يطرح السؤال المحوري: هل تمثل هذه الخيارات فرصة حقيقية لتعزيز العوائد، أم إنها تحمل مخاطر لم يعتد عليها المستثمر العادي في خططه التقاعدية التقليدية؟
وفي هذا الإطار، قد يُتاح قريباً للمستثمرين الأميركيين الوصول إلى مجموعة أوسع من المنتجات المرتبطة بفئات الأصول، مثل الائتمان الخاص، والعملات الرقمية، في إطار جهود إدارة الرئيس ترمب، وهيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية لفتح الأسواق. ويرى بعض مستشاري الاستثمار أن هذا التوسع قد يضع عبئاً إضافياً على الأفراد لتحمل مسؤولية حماية أنفسهم مالياً.
واعتمد كل من البيت الأبيض وهيئة الأوراق المالية والبورصات، برئاسة بول أتكينز، منح المستثمرين خيارات أوسع للاستفادة من بعض فئات الأصول التي قد تحقق عوائد مرتفعة. ومع ذلك، يحذر بعض المستشارين الماليين عملاءهم المعتادين على الاستثمار في الأسهم والسندات من أنهم قد لا يكونون مستعدين تماماً لتدفق هذه العروض الجديدة، التي يتوقع محللو السوق ازديادها في 2026، وفق «رويترز».
يقول مارك ستانكاتو، مؤسس شركة «في آي بي ويلث آدفايزرس» في ديكاتور، جورجيا: «سيحدث شيء سلبي، وسيقول الناس: لحظة، لم أدرك المخاطر التي كنت أتعرض لها». ويضيف أن المستثمرين قد يجدون صعوبة في اتخاذ قرارات مدروسة، لا سيما عند تقييم أصولهم التقاعدية.
وأكدت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، والبيت الأبيض استمرار تركيزهما على حماية المستثمرين. وقالت تايلور روجرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض: «يلتزم رئيس الهيئة، أتكينز، بضمان أسواق عادلة، ومنظمة، وفعّالة، مع حماية المستثمرين الأفراد». وأضافت أن الولايات المتحدة تظل «المكان الأفضل، والأكثر أماناً للاستثمار».
وأشار متحدث باسم الهيئة إلى أن تركيزها ينصب على ضمان حصول المستثمرين على «معلومات موثوقة لاتخاذ قرارات مدروسة» بشأن جميع المنتجات الجديدة. وكان أتكينز قد صرّح في سبتمبر (أيلول) بأن إتاحة الوصول إلى الأصول الخاصة تستلزم وضع ضوابط مناسبة. كما قالت وزارة العمل إنها ستضع قواعد وإرشادات لأفضل الممارسات عند تقديم الأصول الخاصة، وغيرها من البدائل لمستثمري التقاعد.
ويُثار التساؤل حول ما إذا كانت هذه الخطوات توفر مزيداً من العوائد للمستثمرين، أو تزيد المخاطر على صغار المستثمرين. فقد أعلنت إدارة ترمب في أغسطس (آب) عن خطط لتسهيل وصول المستثمرين الأفراد إلى أصول مثل الائتمان الخاص، والأسهم الخاصة، وطلب من وزير العمل، المسؤول عن خطط التقاعد، التشاور مع جهات أخرى، بما فيها هيئة الأوراق المالية والبورصات، خلال ستة أشهر. وكان أتكينز قد صرّح في نوفمبر (تشرين الثاني) بأن أدوات التقاعد التقليدية، مثل صناديق التاريخ المستهدف، تتجنب الاستثمار في هذه الأصول، ما يضر بالمستثمرين.
حالياً، تتيح خطط التقاعد، مثل 401(k)، الاستثمار في الأصول المتداولة علناً، كالأسهم، والسندات، عبر صناديق الاستثمار المشتركة، أو صناديق المؤشرات المتداولة. وفتح الاستثمار في الأسهم الخاصة، أو الائتمان الخاص قد يوفر فوائد من حيث التنويع، لكنه يثير تساؤلات حول كيفية تقييم هذه الأصول، وسيولتها، وجودة الخيارات المتاحة للمستثمرين الأفراد.
كما تعمل هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية على تسهيل وصول المستثمرين إلى العملات المشفرة من خلال تسريع إطلاق صناديق المؤشرات المتداولة الجديدة، عبر اعتماد معايير الإدراج العامة في سبتمبر، ما أزال عقبة أمام إطلاق صناديق المؤشرات المتداولة الفورية المرتبطة بالعملات المشفرة.
وقال روبرت بيرسيكيت، المخطط المالي في شركة «ديلاجيف فايناشال» بارفادا، كولورادو إن العروض الجديدة قد تزيد المخاطر على المستثمرين الأفراد، الذين يعتبرهم الأكثر عرضة للخطر، والأقل خبرة في تقييم مخاطر المنتجات الجديدة، أو المعقدة، مضيفاً: «المستثمر العادي… لا يملك فريقاً من المستشارين لدعمه».
ومنذ تطبيق معايير الإدراج العامة في سبتمبر، شهدت صناديق المؤشرات المتداولة للعملات المشفرة نمواً ملحوظاً، وفقاً لبيانات «مورنينغ ستار»، فيما توقعت شركة «بايتوايز» لإدارة الأصول ظهور نحو مائة صندوق أخرى خلال عام 2026. كما ازداد الاهتمام بصناديق الفترات، وهي صناديق مغلقة تستثمر في الأصول الخاصة، نتيجة استفادتها من توسيع نطاق خطط التقاعد.
وقال برايان أرمور، المحلل في «مورنينغ ستار»: «أتوقع تدفقاً كبيراً للصناديق التي تستثمر في الأصول الخاصة في عام 2026».
كان 2025 عامًا ذهبيًا بامتياز، بعدما حطم المعدن الأصفر كل المستويات القياسية وقفز من نحو 2000 دولار إلى قمة تاريخية تجاوزت 4500 دولار للأونصة، محققًا ارتفاعًا يقترب من 70% خلال عام واحد فقط، في واحدة من أعنف موجات الصعود في تاريخ الذهب الحديث.
الارتفاع اللافت لم يكن مدفوعًا بالتضخم وحده، بل جاء نتيجة زلزال أعمق يضرب أسس النظام المالي العالمي، في ظل تصاعد الحروب التجارية، واتساع السياسات الحمائية، وتراجع الثقة في المنظومة الاقتصادية الدولية. ومع اهتزاز الدولار، اتجهت الأنظار مجددًا إلى الذهب بوصفه الملاذ الآمن الأخير.
ولم يقتصر التحول على المستثمرين الأفراد، بل شمل كبار صناع القرار في القطاع المالي العالمي. فقد صرّح جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك جي بي مورجان وأحد أبرز المتحفظين تاريخيًا تجاه الذهب، بأن امتلاك المعدن الأصفر بات خيارًا عقلانيًا في عالم اليوم، متوقعًا أن تصل الأسعار إلى 10 آلاف دولار للأونصة في عام 2026.
وتتقاطع الرؤية مع توقعات مؤسسات مالية كبرى، مثل جولدمان ساكس وجي بي مورجان، التي ترى مستوى 5000 دولار محطة أولى في طريق صعود قد يبلغ 10 آلاف دولار خلال السنوات القليلة المقبلة. وفي ظل ضعف العملات الورقية وتصاعد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، يعود الذهب ليؤكد مكانته كأكثر الملاذات موثوقية في أوقات عدم اليقين.
عندما عدت إلى توقعاتي لعام 2025، التي نُشرت في 20 ديسمبر 2024، فقد وجدت أنني أصبت في بعض الأمور. فقد توقعت مكاسب جيدة للأسهم، وأن العام لن يكون استثنائياً مثل عام 2024، مع تقلبات أعلى، وريادة شركات التكنولوجيا الكبرى في سوق مركّز. وهذا ما حدث، لكن لا أحد يُمنح جوائز لمن يتوقع استمرار ما كان يحدث، وإن كان ربما بدرجة أقل حدة.
أما التوقع الذي أفتخر به نوعاً ما فهو أن تخفيضات الإنفاق في «وزارة كفاءة الحكومة» لن تكون ذات جدوى كبيرة، وبالتالي سيظل الزخم المالي الأمريكي قوياً. ولم يكن هذا هو الرأي السائد. لكنني أشرت أيضاً إلى أن ترامب سيُكثر من الكلام دون أفعال كبيرة تذكر فيما يتعلق بالتعريفات الجمركية والهجرة. وقلت:
«ستكون سياسات دونالد ترامب أقل ثورية مما يعتقده الكثيرون. ستكون ولايته الثانية شبيهة بولايته الأولى. سيتم إقرار بعض التخفيضات الضريبية، لكن فيما يخص التعريفات الجمركية والهجرة، وخاصة تخفيضات الميزانية، سيكون هناك ضجيج كبير دون اتخاذ إجراءات سياسية تُذكر في عام 2025».
ويبقى مدى صحة هذا الرأي بشأن التعريفات الجمركية أمراً نسبياً. فقد فرض ترامب بالفعل رسوماً كبيرة، لكنه تراجع عن تلك التي من شأنها إحداث تغيير اقتصادي جذري. وفيما يخص الهجرة، فقد كنتُ مخطئاً تماماً: كان لتأثير سياسات الإدارة على سوق العمل أثر بالغ. كيف فاتني ذلك؟ ربما سمحت لتحيزي الاقتصادي بالتأثير على حكمي السياسي. ولأن طرد المهاجرين لا يُفيد البلاد اقتصاديًا، فقد ظننت أن الإدارة ستكتفي بمجرد لفتات. وكنت مخطئاً بوضوح.
ولأسبابٍ ذات صلة بهذا الموضوع، جاءت توقعاتي للنمو والتضخم بشكل صحيح إلى حدٍ ما، لكنني أخطأت في توقعاتي بشأن سياسة أسعار الفائدة والدولار. فقد قلت: «ستُساعد السياسة المالية المتساهلة الاقتصاد الأمريكي، الذي يتمتع بزخمٍ جيد، على البقاء قوياً، مع نموٍ حقيقي لا يقل عن 2 %. وسيُبقي ذلك التضخم فوق الهدف بنسبة تصل إلى نقطة مئوية واحدة لمعظم العام، وسيكون الاحتياطي الفيدرالي قد انتهى من خفض أسعار الفائدة، أو سيخفضها مرة واحدة فقط في عام 2025. وهذا إما يُحافظ على فجوة أسعار الفائدة مع بقية العالم المتقدم أو يُوسعها، وبالتالي سيبقى الدولار قوياً أو سيزداد قوة».
ولم يكن من الصعب التنبؤ بأن حملة واسعة النطاق على الهجرة ستؤدي إلى تباطؤ نمو الوظائف، مما يمنح الاحتياطي الفيدرالي مجالاً لخفض أسعار الفائدة حتى في ظل تضخم أعلى من الهدف المحدد. ولأنني أخطأت في هذا التوقع، فقد أصبحت نظرتي للدولار خاطئة أيضاً. لكن كانت هناك مشكلة أخرى تتعلق بالدولار: لقد فوجئت تماماً بأن الرسوم الجمركية ستتزامن مع ضعف الدولار، وليس تقويته، لأنني كنت أؤمن بالرأي السائد بأن الرسوم الجمركية الأمريكية ستعزز العملة عن طريق تقليل الطلب على الواردات. ويبدو أن التأثير الأقوى لسياسة الإدارة التجارية كان زيادة التحوط بالدولار، مما أدى إلى إضعافه.
وبالانتقال إلى الجزء الأهم: توقعات سوق الأسهم، ففي مسابقة اختيار الأسهم التي أجرتها صحيفة فايننشال تايمز قبل عامين، كنت قد اخترت أسهماً عالية المخاطر وعالية العائد، والتي انهارت جميعها بشكل كارثي. وفي عام 2024، وللأسف الشديد، اتجهتُ نحو أسهم الشركات ذات القيمة المنخفضة، في عامٍ شهد نمواً آخر. أما هذا العام، فنتائجي مُرضية أكثر (حتى الآن) لأنني تخلّيتُ عن ميلي الطبيعي نحو أسهم الشركات ذات القيمة المنخفضة غير المرغوبة، وخصصتُ اثنين من اختياراتي الخمسة لشركاتٍ كبيرة ذات قيمة عالية ونموٍّ سريع، وهما ألفابت وجيه بي مورغان تشيس.
وفي ما يتعلق بشركة ألفابت، فقد قلت: «تتمتع ألفابت بواحدة من أقل التقييمات المبالغ فيها في المجموعة، وتستمر إيراداتها في النمو. وربما إذا قرر قاضٍ منع جوجل من دفع مليارات الدولارات لشركة آبل مقابل حركة البحث، فسيكون ذلك في صالح المستثمرين».
حسناً، فقد استمر الحديث عن الذكاء الاصطناعي، واستمرت إيرادات جوجل في النمو. وقرر القاضي أن بإمكان جوجل الاستمرار في الدفع لشركة آبل. لكن السبب الأهم وراء نجاح المجموعة التقنية هذا العام، والذي لم أتوقعه، هو أن المخاوف بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على إعلانات البحث على الإنترنت قد تلاشت أمام إعجاب المستثمرين باستراتيجية جوجل الرشيدة في مجال الذكاء الاصطناعي. ويا له من حظ!
وبالنسبة لجيه بي مورغان، قلت: «نعتقد أن الأسواق ستكون نشطة ومتقلبة في عام 2025، وهو أمر جيد لشركات التداول. قد يشهد سوق الاكتتابات العامة الأولية استقراراً مع سعي مالكي الأسهم الخاصة إلى توفير السيولة. ويعود منحنى العائد إلى الانحدار، مما يُفيد قطاعي الإقراض التجاري والتجزئة. ويسهم انخفاض معدل البطالة في دعم أعمال بطاقات الائتمان. قد يبدو الأمر بديهياً، ولكن لماذا لا نستثمر في جي بي مورغان تشيس في ظل هذه الظروف؟» وقد حدث كل ذلك تقريباً.
الفائز الثالث هو شركة توزيع الأدوية ماكيسون، التي كتبت عنها سابقاً: «إنها شركة مدارة بكفاءة في قطاع مستقر، تتمتع بعائد مرتفع جداً على رأس المال ونمو مطرد، وإذا ما ساءت الأوضاع، فمن المتوقع أن تتفوق. مع ذلك، يساورني بعض القلق بشأن الوضع المضطرب لقطاع الصيدلة، وما إذا كانت مخاطر التنظيم / السداد ستؤثر على شركات التوزيع».
وكانت الأوضاع مضطربة بالفعل، فقد شهد قطاع الصيدلة أداء مضطرباً بالفعل، ولكن بطريقة أفادت ماكيسون. فمع تزايد المخاوف بشأن التدخل الرئاسي الذي يهدد شركات الأدوية وشركات التأمين الصحي، أصبحت شركات التوزيع من بين القطاعات الفرعية القليلة في الرعاية الصحية التي يُمكن الاستثمار فيها بأمان. مرة أخرى: فائدة لم أتوقعها. وبفضل الأداء الجيد لهذه الشركات الثلاث، ارتفعت قيمة محفظتي الاستثمارية بنحو 22 %، متجاوزة بذلك مؤشر ستاندرد آند بورز الذي حقق 13 %.
لكن ماذا عن اختياراتي الخاسرة؟ اخترت شركة فولكان ماتيريالز لأن قطاع مواد البناء (مثل الحصى) هو المفضل لدي؛ فهو قطاع بسيط وأساسي، ويعتمد كلياً على احتكارات محلية. لكنها شركة دورية، ولم يتحقق النمو المتوقع هذا العام. كما أثر ضعف سوق الإسكان سلباً على شركة ويست مانجمنت، التي اخترتها كخيار دفاعي – وقد شهدت الأسهم الدفاعية عاماً سيئاً بشكل عام (بدت ويست مانجمنت خياراً ممتازاً في أبريل، عندما كانت الأسواق في حالة انهيار). لكنني كنت أسعى إلى تنويع محفظتي، ولم تكن اختياراتي الخاسرة سيئة لدرجة تعيق تماماً اختياراتي الجيدة.
ما الدروس المستفادة من كل هذا؟ إلى حد ما، عندما سارت الأمور كما توقعنا، كان ذلك يعود في الغالب إلى احترامنا لزخم السوق وجمود الاقتصاد. كما الرهان ضد التغييرات الكبيرة رهان آمن، حتى في بيئة متقلبة نسبياً.
حذر كولم كيليهر، رئيس مجلس إدارة بنك «يو بي إس»، الشهر الماضي، من أن سويسرا تفقد بريقها، وأنها وصلت إلى مفترق طرق في مواجهة تحديات جسيمة.
وفي هذا التحذير الصريح واللافت من أعلى هرم البنك الأكبر في سويسرا، استشهد كيليهر كدليل على ذلك بالمنافسة المدمرة في إدارة الثروات، والتعريفات الجمركية الأمريكية التي أثرت على قطاع الأدوية وقطاعات التصدير الأخرى، إلى جانب البيئة التنظيمية التي يراها غير متوافقة بشكل متزايد مع الأنظمة الأكثر ليبرالية.
وليس كيليهر الوحيد الذي يرى ذلك، فقد حذّر سيفيرين شوان، رئيس مجلس إدارة شركة روش العملاقة للأدوية ومقرها بازل، خلال حلقة نقاش هذا الشهر، من أن سويسرا «تواجه لحظة حرجة» ويجب أن تشعر «بقلق بالغ» من أن ضغوط الاستثمار العالمية وبطء اتخاذ القرارات السياسية يهددان قدرتها التنافسية.
وفي بلد يُفضّل تجنّب عناوين الأخبار العالمية، تُعدّ هذه الانتقادات من أعمدة مؤسسته الاقتصادية دليلاً على مدى صعوبة الأوضاع في سويسرا هذا العام. وطوال معظم فترة ما بعد الحرب، بدت سويسرا بمنأى عن الضغوط التي أثرت على جيرانها الأوروبيين. فقد أنتجت ديمقراطيتها المباشرة اللامركزية توافقاً في الآراء؛ وكان الفرنك إحدى أفضل العملات الآمنة في العالم؛ كما كانت أسسها الصناعية والدبلوماسية متينة.
ويقول والتر ثورنهر، المستشار السابق ورئيس ديوان المجلس الاتحادي السويسري: «شهدت سويسرا أزمات عدة على مر السنين، لكن الأزمة هذه المرة تبدو حادة بشكل خاص. وهناك شعور أشبه بالتواجد في ساحة مدرسة، حيث يتعرض تلميذ صغير للتنمر من قبل تلميذ في الصف السادس دون وجود معلم». كما يقول ديفيد باخ، رئيس كلية إدارة الأعمال «آي إم دي» والخبير في الجغرافيا السياسية: «جاء التوتر من اتجاهات متعددة هذا العام».
لقد أصبحت التساؤلات التي طالما ترددت كثيراً حول حياد سويسرا وعلاقتها المتعثرة مع الاتحاد الأوروبي، والتي كانت تعتبر في السابق قضايا ثانوية بعيدة، أموراً ملحة ولا مفر منها. وتهدد بالتحول إلى معارك استفتاء شديدة الاستقطاب.
ويواجه بنك يو بي إس، الذي استحوذ على منافسه كريديه سويس عام 2023 في عملية إنقاذ حكومية بعد الانهيار المذل للأخير، خلافاً حاداً مع برن بشأن قواعد رأس المال التي يرى «يو بي إس» أنها تهدد القدرة التنافسية للقطاع.
كما كشفت المواجهة الجمركية مع واشنطن – التي فرضت فيها إدارة الرئيس دونالد ترامب أعلى معدل جمركي بين جميع الاقتصادات المتقدمة – عن هشاشة سويسرا كدولة صغيرة تفتقر إلى أي تكتل اقتصادي يدعمها. كذلك، فقد واجهت «جنيف الدولية»، مقر شبكة المنظمات الدولية وغير الحكومية، تحدياتٍ جمة، منها تقلص الميزانيات متعددة الأطراف وتجدد التساؤلات حول حيادها.
ولم تكن الدبلوماسية السويسرية التقليدية مستعدة لنهج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القائم على المصالح الشخصية ومبدأ «القوة هي الحق». ولم يتم حل النزاع حول الرسوم الجمركية إلا بعد أن زار مسؤولون تنفيذيون من شركات سويسرية بارزة البيت الأبيض وقدّموا لترامب سبيكة ذهبية وساعة رولكس، وهو ما يتناقض مع أسلوب البلاد الهادئ.
إن الأمر يبدو وجودياً لسويسرا لأنه يمس جوهر ما يعتقد السويسريون أنه سر نجاحهم في الماضي. فقد تأسست الدولة السويسرية الحديثة في منتصف القرن التاسع عشر، من خلال توافق بين كانتونات ذات هويات متميزة. وتم تفويض السلطة بدلاً من مركزتها، لتقديم نظام ديمقراطي مباشر فريد من نوعه.
ويشرف مجلس الوزراء الائتلافي، المجلس الاتحادي، على الوظائف الرئيسية، بينما تجرى استفتاءات شعبية عدة مرات في السنة لتعزيز الشرعية العامة والحد من التغييرات المفاجئة، مما يخلق ثقافة التدرج والقدرة على التنبؤ. وإلى جانب اقتصاد قائم على التصدير وقوى عاملة عالية المهارة، ساهم هذا النظام في تحقيق عقود من الازدهار، وولّد ثقة باتت الآن مهتزة.
ومع ذلك، يبقى لدى سويسرا خلال هذه الفترة المضطربة مزايا اقتصادية هائلة. فهي لا تزال مركزاً رائداً عالمياً لإدارة الثروات عبر الحدود، مع نمو مراكز منافسة. وقد بلغت الأصول المُدارة رقماً قياسياً العام الماضي، وفقاً لرابطة المصرفيين السويسريين، التي تؤكد استمرار تدفق رؤوس الأموال إلى البلاد.
كما لا تزال سويسرا تتمتع بأفضل سمعة كمركز مالي. وتسهم قوة الفرنك السويسري، فضلاً عن قوة الاقتصاد، في تعزيز هذه السمعة». ويُضاهي نظامها البيئي للابتكار، الذي ترتكز عليه جامعة إيث زيورخ وجامعات أخرى، مثيله في اقتصادات أكبر بكثير. ويميل المصنّعون إلى التخصص في مجالات دقيقة وذات هوامش ربح عالية، ما يُمكّنهم من استيعاب تكاليف العمالة المرتفعة وحماية صادرات سويسرا من تقلبات العملة. كما تُعتبر الخدمات العامة من بين الأفضل في العالم.
علاوة على ذلك، لا يزال التضخم والبطالة منخفضين وفقاً للمعايير العالمية؛ إذ يتجاوز الفرق في التضخم التراكمي منذ عام 2019 بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ومنطقة اليورو من جهة، وسويسرا من جهة أخرى، 20 نقطة مئوية. كما كان الفرنك السويسري العملة الرئيسية الأفضل أداءً على مدى فترات زمنية متعددة.
كما تتمتع سويسرا بسجل حافل في التجديد والتطوير. كذلك، تُعزز الديمقراطية المباشرة الشعور بالثبات المؤسسي. وقد أكد الرفض الحاسم الشهر الماضي لمقترح فرض ضريبة عقابية على الميراث بنسبة 50 % والذي قدمه اليسار السياسي، ميل الناخبين نحو البراغماتية. رغم ذلك، بدت عدة استفتاءات أخرى مثيرة للجدل.
من ناحية أخرى، لا يمكن إنكار أن قضية الرسوم الجمركية كان لها وقع بالغ. فعندما فرضت واشنطن رسوماً جمركية بنسبة 39 % على البضائع السويسرية – من الساعات إلى الشوكولاتة والآلات – تحركت الجهات الفاعلة في القطاعين العام والخاص بسرعة.
ومع ذلك، مثّل الخلاف العلني غير المعتاد حول الاستراتيجية خروجاً عن التنسيق الهادئ التقليدي لسويسرا. وقد ضغطت الكانتونات ذات التوجه التصديري من أجل تقارب أوثق مع أوروبا، بينما دفعت أخرى نحو نهج أكثر عدائية تجاه الولايات المتحدة. وعندما تم التوصل أخيراً إلى حل وسط لرسوم بنسبة 15 % ظلّت البلاد منقسمة حول كل من الصورة العامة والنتيجة.
وقد أبرز النزاع الجمركي نقطة أهم، حيث يكمن النطاق الأوسع لعدم اليقين بسويسرا في المسائل الخارجية التي طالما أجلتها، مثل الحياد والدفاع وأوروبا والهجرة وحجم الدولة. وباتت هناك حاجة ماسة لاتخاذ قرارات حاسمة بشأن العديد من هذه القضايا على الفور.
وقد وضعت الحرب الروسية الأوكرانية حياد سويسرا تحت ضغط لم تشهده البلاد منذ عقود. وشكّل قرار المجلس الاتحادي بتبني عقوبات الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة تحولًا هامًا في الموقف، لكنه ترك تساؤلات عالقة حول تطبيق الحياد في النزاعات السيبرانية، والحروب بالوكالة، والانتهاكات الصريحة للقانون الدولي.
ويُعدّ مستقبل علاقة سويسرا بالاتحاد الأوروبي قضية بالغة الأهمية. فقد خدم النظام الثنائي – وهو عبارة عن مجموعة من الاتفاقيات التي تمنح الوصول إلى السوق الموحدة دون تكامل سياسي – البلاد بشكل جيد. إلا أن الحفاظ عليه بات أكثر صعوبة مع ترسيخ الاتحاد الأوروبي لإطاره التنظيمي. وبعد سنوات من المفاوضات، توصلت برن وبروكسل هذا العام إلى مسودة اتفاقية، تُعرف باسم «الاتفاقية الثنائية الثالثة»، لتحديث وصول سويسرا إلى السوق الموحدة.
ويبقى السؤال المحوري هو: هل تستطيع سويسرا تكييف نموذجها الفريد مع عالم يتدخل بوتيرة أسرع من ذي قبل؟ صحيح أن لديها نقاط قوة جوهرية كبيرة، إلا أن هامش مناورتها يضيق.
تتسع وتيرة توسع المصارف والمتداولين في مكاتب المعادن الثمينة والقدرات اللوجستية، في سباق محموم للاستفادة من الارتفاع التاريخي للذهب هذا العام؛ وهو ما حول عالم تداول السبائك والتخزين الذي كان هادئاً في السابق، إلى أحد أكثر المجالات ربحية في القطاع المالي.
وفي ظل الارتفاع الحاد لأسعار الذهب والفضة، قفزت إيرادات مكاتب تداول المعادن الثمينة في المصارف الكبرى بنسبة 50% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، وفقا لبيانات شركة “كريسيل كواليشين غرينويتش” للتحليلات.
وقال كالوم مينز، مدير الأبحاث في “كريسيل” لصحيفة فايننشال تايمز: “هناك فرص كبيرة للربح هذا العام، والجميع يُبدي حماساً كبيراً في هذا المجال”.
وأضاف أن المعادن الثمينة باتت تُشكل “نسبةً أكبر من إجمالي أعمال الأسواق” للبنوك الكبرى.
وبلغت إيرادات تداول المعادن الثمينة في 12 مصرفاً رائداً نحو 1.4 مليار دولار بين يناير كانون الثاني وسبتمبر أيلول، مما يضع عام 2025 على المسار الصحيح ليكون ثاني أفضل عام على الإطلاق لتداول الذهب، بعد عام 2020، بحسب “كريسيل”.
وحتى المصارف التي أغلقت مكاتب المعادن الثمينة لديها سابقاً، تعود حالياً للدخول في هذا القطاع؛ حيث قامت مؤسسات مثل “سوسيتيه جنرال” و”مورغان ستانلي” و”ميتسوي” بتوسيع أقسام المعادن الثمينة لديها هذا العام، وفقا للمشاركين في السوق.
وفي نيويورك، يمكن لبعض الخزائن المعتمدة من قبل بورصة “كومكس” الاحتفاظ بالمعادن للتسليم مقابل عقود “كومكس” الآجلة. أما في لندن، التي تعد أكبر مركز عالمي لتداول الذهب الفعلي وتجري فيها مقاصة سبائك تزيد قيمتها عن 35 تريليون دولار سنوياً، فيتعين على المصارف الأعضاء في عملية المقاصة امتلاك خزائن خاصة بها. ويوجد حالياً أربعة أعضاء مقاصة فقط في سوق الذهب بنظام “لوكو لندن”.
وكان امتلاك الخزائن يعد سابقا عملا “مملا” ومنخفض الهامش الربحي، وهو ما دفع مصارف من بينها “باركليز” و”سكوتيا بنك” لبيع خزائنها في الأعوام الأخيرة. لكن هذا التوجه بدأ يعود حاليا ليتصدر المشهد.
وقال مينز، من شركة “كريسيل”: “معظم المصارف إما تستكشف أو استكشفت بالفعل مجال التخزين. فإذا كنت مدرجا في قائمة التخزين، فستحصل على إيرادات إضافية تفوق الجميع، ورغم أنها عوائد منخفضة، إلا أنها توفر زخما جيدا”.
ومن بين الجهات التي تتطلع لافتتاح خزنة حاليا مصرف “سيتي غروب”، وفقا لمشاركين في السوق.
من جهته، أوضح جيمس إيميت، الرئيس التنفيذي لشركة “إم كي إس بامب”، التي اشترت خزنة “سكوتيا بنك” في نيويورك عام 2021، أن امتلاك خزنة يجعل من الممكن إدارة أعمال الحفظ التي توفر دخلا شبيها بالمعاشات السنوية.
وتمتلك “إم كي إس بامب” بالفعل ذراعا تجاريا (عُرف سابقا باسم MKS)، بالإضافة إلى مصفاة سويسرية كبرى (Pamp)، حيث تم دمج الكيانين في عام 2021، وهو أمر غير مألوف بين المصافي.
وقد أجرت الشركة عدة تعيينات كبرى هذا العام، شملت ضم بول فولر، الرئيس السابق للمعادن الثمينة في مصرف “إتش إس بي سي”، نائبا لرئيس مجلس الإدارة، كما وسعت عملياتها في آسيا عبر مقر إقليمي جديد في هونغ كونغ.
وأكد إيميت التخطيط لمزيد من النمو في العام المقبل، بما في ذلك إطلاق تداول خيارات الذهب وتوسيع عمليات المصافي في الولايات المتحدة، قائلا: “طموحنا هو أن نكون المؤسسة الرائدة في مجال المعادن الثمينة عالميا، فنحن نقوم بكل شيء باستثناء استخراج المعدن من الأرض”.
وتكمن إحدى المزايا التي تتمتع بها مصارف “وول ستريت” في قدرتها على الوصول إلى ميزانية عمومية ضخمة؛ وهو أمر بات حاسما هذا العام، حين أدى الارتفاع غير المتوقع في أسعار الذهب إلى الضغط على الميزانيات العمومية للمصنعين وصغار المتداولين.
توريد السبائك
ومع ذلك، يتمتع العديد من منافسيهم من خارج القطاع المصرفي بميزة الخبرة الأكبر في توريد السبائك الذهبية؛ وهي عملية معقدة نظرا للحاجة إلى التأكد من منشأ السبائك لتصنف ضمن فئة “التسليم الجيد” وتكون مقبولة لدى جمعية سوق السبائك في لندن. وتعتبر مخاطر شراء ذهب غير ممتثل للمعايير مرتفعة للغاية بالنسبة لكثير من المصارف، مما يمنعها من الانخراط مبكرا في سلسلة التوريد قبل تكرير الذهب.
وقد بدأ بيتا تداول سويسريان في القيام بذلك مؤخرا؛ حيث أطلق “ترافيغورا” و”غونفور”، المتخصصان تقليديا في الطاقة والمعادن الأساسية، مكاتب لتداول السبائك الفعلية هذا العام تتعامل بـ “الذهب الخالص” (Doré) -وهو سبائك ذهب مختلطة بمعادن أخرى مستخرجة من المناجم- والذهب المكرر.
ووفقا لشركة “كريسيل”، كانت إحدى أكثر الصفقات ربحية هذا العام هي عملية “التحكيم” (Arbitrage) التي نشأت بين نيويورك ولندن خلال شهري يناير كانون الثاني وفبراير شباط؛ حيث أدت المخاوف من التعرفات الجمركية المحتملة إلى تحليق سعر السبائك الفعلية في الولايات المتحدة مقارنة بنظيرتها في لندن.
ومع ذلك، لم يتمكن الجميع من الاستفادة من هذه المكاسب؛ إذ أشار مينز من “كريسيل” إلى أن إيرادات تداول الذهب في المصارف أظهرت “تشتتا” أكثر من المعتاد هذا العام.
ويرحب العديد من خبراء الذهب بحقيقة أن السبائك باتت الآن مركز الاهتمام؛ حيث قال سكينر من “ستون إكس”: “مرت أوقات خلال مسيرتي المهنية لم تكن فيها المعادن موضوعا يتحدث عنه الناس، لكن هذا الأمر انعكس تماما حاليا”.
سمحت منصة «بينانس» بمرور مئات ملايين الدولارات عبر حسابات مشبوهة، حتى بعد تعهدها بتشديد إجراءات الامتثال، وذلك في إطار تسوية جنائية مع أميركا بقيمة 4.3 مليار دولار في عام 2023، وفق تحقيق أجرته صحيفة «فايننشال تايمز».
وكشف التحقيق، استناداً إلى ملفات داخلية اطّلعت عليها الصحيفة، أن حسابات تحمل مؤشرات خطر واضحة، من بينها صلات بشبكات تمويل إرهابية، وأنماط تسجيل دخول مستحيلة عملياً، وفشل في التحقق من الهوية، واصلت التداول لفترة طويلة بعد اتفاق الإقرار بالذنب في نوفمبر تشرين الثاني 2023. وتغطي البيانات المسرّبة معاملات جرت بين عامي 2021 و2025.
وحصلت «فايننشال تايمز» على بيانات تتعلق بـ13 حساباً مشبوهاً تعاملت بما مجموعه 1.7 مليار دولار، من بينها 144 مليون دولار جرى تداولها بعد إبرام التسوية مع السلطات الأميركية. وأحد هذه الحسابات مسجّل باسم امرأة فنزويلية تبلغ من العمر 25 عاماً، تلقت أكثر من 177 مليون دولار من العملات المشفرة خلال عامين، وغيّرت بيانات حساباتها المصرفية 647 مرة خلال 14 شهراً، متنقلة بين 496 حساباً مختلفاً في أنحاء القارتين الأميركيتين.
وقال ستيفان كاسيلا، المدعي الفدرالي السابق، للصحيفة إن هذا النمط «يُعد نشاطاً مشبوهاً»، مضيفاً أن «الأمر يبدو كما لو أن شخصاً يدير نشاطاً لتحويل الأموال».
وجاء تحقيق «فايننشال تايمز» بعد أشهر من تخلي هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية عن دعواها القضائية ضد «بينانس»، والتي اتهمت فيها المنصة بتضخيم أحجام التداول بشكل مصطنع، إضافة إلى اتهامات بتحويل أموال العملاء وتضليل المستثمرين بشأن أنظمة المراقبة لديها.
كما أُثيرت مخاوف هذا العام بشأن عمليات «بينانس» في فرنسا، التي فتحت تحقيقاً جنائياً مطلع عام 2025.
وأظهرت البيانات أيضاً أن أحد الحسابات المرتبطة بموظف في بنك فنزويلي سجل دخولاً من كراكاس عند الساعة 3:56 مساءً في 24 فبراير شباط 2025، ثم من مدينة أوساكا اليابانية عند الساعة 1:30 صباحاً في اليوم التالي، في تسلسل زمني يُعد مستحيلاً من الناحية الجغرافية.
وتلقّت الحسابات الثلاثة عشر مجتمعةً نحو 29 مليون دولار بعملة «تيثر» المستقرة من حسابات جمدتها إسرائيل لاحقاً بموجب قوانين مكافحة الإرهاب.
من جانبها، قالت «بينانس» للصحيفة إنها «تحافظ على ضوابط امتثال صارمة ونهج عدم التسامح مطلقاً مع الأنشطة غير المشروعة»، مؤكدة امتلاكها «أنظمة قوية لرصد المعاملات المشبوهة والتحقيق فيها».
وفي تطور لافت، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عفواً عن مؤسس «بينانس» تشانغبينغ تشاو في أكتوبر تشرين الأول، بعد إدانته بانتهاك قوانين مكافحة غسل الأموال الأميركية. وأعقب ذلك توسيع عائلة ترامب لعلاقاتها التجارية مع المنصة هذا الشهر عبر شركة «وورلد ليبرتي فايننشال»، مع الإعلان عن «توسع كبير» لعملة مستقرة جديدة مرتبطة بالدولار الأميركي على منصة «بينانس».
وكانت وزارتا العدل والخزانة الأميركيتان قد عينتا مراقبين مستقلين في مايو أيار 2024 للإشراف على امتثال «بينانس»، إلا أن كثيراً من المعاملات التي راجعتها «فايننشال تايمز» جرت بعد بدء هذا الإشراف.
وقالت جيسيكا ديفيس، المسؤولة السابقة في الاستخبارات الكندية، إن عفو ترامب «خفف من صرامة بيئة الامتثال»، مضيفة أن «الدافع سابقاً كان يتمثل في إبقاء المدير التنفيذي خارج السجن». وأردفت أن الغرامات، مهما بلغت قيمتها، قد تصبح «عديمة التأثير» في ظل الأرباح الضخمة التي تحققها هذه المنصات.