إلى أي مدى فقدت الأسواق حساسيتها للأحداث الجيوسياسية؟
(سي ان بي سي)-14/01/2026
تتماهى الأسواق مع الأحداث الجيوسياسية، لكنها لم تعد تتفاعل معها بالحدة نفسها كما في السابق؛ إذ تتشكل تحركات الأسعار من مزيج دقيق بين التوقعات المستقبلية للأحداث وتداعياتها الأوسع نطاقاً وبين استجابة فورية للأساسيات الاقتصادية، ما يجعل الضوضاء الإعلامية أقل تأثيرًا على قرارات المتداولين.
تعيد الأحداث المتكررة ترتيب أولويات المستثمرين، فتتحول المخاطر السياسية من مفاجآت تهز السوق إلى عناصر مدروسة أو مُسعرّة مسبقاً ضمن معادلات قياس الأثر، لتحسب الأسواق بدقة هشاشة سلاسل الإمداد والاعتماد على مصادر بعيدة، وتدمج هذه المخاطر كمعطيات ثابتة في استراتيجيات الشراء والبيع.
ويكشف رد فعل الأسواق على أحداث عطلة الأسبوع الماضي، بعد العملية الأميركية في فنزويلا والقبض على الرئيس نيكولاس مادورو، جانباً من تلك المعادلة التي يتم التفاعل من خلالها مع الأحداث الجيوسياسية الكبرى، وبما يكشف تحول هيكلي في سلوك السوق تزامناً مع إعادة تقييم وقراءة للمخاطر بشأن أكثر تركيزاً.
تستجيب الطاقة بشكل مختلف عن المعادن والأسهم في كثير من الأحيان؛ إذ يظل فائض العرض والطلب الفعلي هو المحدد الأساسي للتحركات السعرية. ويركز المستثمرون على كمية الإنتاج، جودة الخام، وقدرة البنية التحتية على الاستيعاب، ما يجعل الأحداث الجيوسياسية مجرد عامل ثانوي في تشكيل اتجاه السوق.
منذ بداية الأسبوع الجاري -وهو الأسبوع الأول للتداولات بعد أحداث فنزويلا والقبض على مادورو وتقديم للمحاكمة في الولايات المتحدة- سجلت العقود الآجلة للخام الأميركي انخفاضاً بأكثر من 2% -حتى تسوية تعاملات الخميس 8 يناير/ كانون الثاني- وفق حسابات CNBC عربية. كما تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 1.3%.
يأتي ذلك في وقت تعاني فيه السوق من حالة إرهاق من المخاطر الجيوسياسية، ويفضّل المستثمرون رؤية تأثيرات ملموسة على الإمدادات قبل تسعير الأحداث بقوة في الأسعار.
ومن ثم تتفكك النظرة التقليدية للطريقة التي تتفاعل بها الأسواق مع تلك المتغيرات، لتصبح أقل حساسية من أي وقت مضى، بينما ترسخ الأسواق عقلية “الحذر المنهجي”؛ فتدمج كل إشارات التوتر الجيوسياسي في تحليلاتها دون الانجرار وراء كل عنوان عاجل.
لكن.. إلى أي مدى فقدت الأسواق حساسيتها للأحداث الجيوسياسية؟ وهل يعكس هذا الحول وعياً أعمق بكيفية توازن العرض والطلب مع التقلبات السياسية، ويجعل قرارات الاستثمار أقل تقلبًا وأكثر اعتمادًا على الحقائق الاقتصادية؟
رهانات خاسرة
رداً على هذا السؤال، تقول العضو المنتدب والرئيس العالمي لاستراتيجية السلع في RBC Capital، هيليما كروفت لـ CNBC عربية: “أعتقد بأن الأسواق تتجاهل القصص الجيوسياسية؛ لأن الاضطرابات في الشرق الأوسط والحرب بين روسيا وأوكرانيا لم تُسفر عن تعطّلات كبيرة ومستدامة في الإمدادات”.
وتضيف: “لقد خسر كثيرون أموالهم حين راهنوا على حدوث تعطّل في إمدادات روسيا لم يتحقق، ولذلك بات عدد كبير من المشاركين في السوق يفضّلون انتظار حدوث اضطراب فعلي وملموس قبل الإقدام على اتخاذ مراكز شراء في النفط”.
وفي سياق متصل، رسمت مذكرة حديثة صادرة عن فريق من الباحثين المختصين في قطاع السلع الأساسية بـ Oxford Economics، إن المخاطر الجيوسياسية عادة ما كانت تؤثر على أسعار السلع، غير أنها باتت تعمل بصورة متزايدة كعامل تسعير متواصل بدلاً من اعتبارها مجرد “صدمات عابرة”.
ويشيرون في تقريرهم إلى أنه “في الوقت الذي لا تزال فيه الأحداث (الجيوسياسية) الحادة ذات قدرة على إحداث تحركات سعرية قوية، فإن الأسواق تميل حالياً إلى تضمين علاوة مخاطر ثابتة، بما يعكس هشاشة سلاسل التوريد المستمرة، وتجزئة التجارة، والنزعة القومية في الموارد”.
وخلصوا من ذلك إلى أنه “في نهاية المطاف، أصبح الصراع آلية تسعير دائمة بدلاً من كونه مجرد ومضة مؤقتة على رادارات التجار”، مشيرين إلى أن “نتيجة لذلك، يتم دمج الاعتبارات الجيوسياسية بشكل أكثر منهجية في التسعير وقرارات الاستثمار واستراتيجيات الشراء في العديد من أسواق السلع الأساسية، بدلاً من استبعادها بسرعة بمجرد أن يختفي حدث ما من عناوين الأخبار”.
أساسيات السوق
المدير العام في شركة Bannockburn Capital Markets، داريل فليتشر، يقول لـ CNBC عربية، إنه “من المثير للاهتمام مدى محدودية ردود فعل السوق تجاه أحداث عطلة نهاية الأسبوع الماضي؛ إذ يبدو أن النفط على الأقل يتبع أساسيات السوق.. وهذا أمر يُؤخذ بعين الاعتبار في ظل توقعات فائض العرض العالمي للعام 2026”.
ويضيف: “لست متأكدًا ما إذا كنا قد اعتدنا على العوامل الجيوسياسية أو شعرنا بالإرهاق من العناوين.. لكن يبدو أن الأساسيات الآن تتفوق على العناوين بالنسبة لتحركات السوق”.
ويتابع: “ردود الفعل أصبحت بالفعل أكثر محدودية.. ربما تكون كثرة العناوين حول التعرفات الجمركية منذ 2025، التي تؤثر بشكل رئيسي على أسواق المعادن، والصراع المستمر بين روسيا وأوكرانيا، وإيران قد أرهقت السوق في ردود فعلها.. على الأقل في الوقت الحالي، يبدو أن الأساسيات هي المسيطرة أخيرًا على تحركات السوق في كلا قطاعي الطاقة”.
النفط الفنزويلي
أما الحقائق الفعلية عن النفط الفنزويلي فهي: على الرغم من أن لديهم احتياطيات نظرية واسعة (تقنياً الأكبر بين جميع الدول بنحو 300 مليار برميل مثبتة)، إلا أن إنتاجهم الفعلي لا يتجاوز أقل من 1% من الإنتاج العالمي (حوالي 900 ألف برميل سنوياً)، ولذا فإن النفط هو مجرد احتياطيات مثبتة، بعيدة عن الإنتاج الفعلي، وثقيلة وحامضية.
ويستطرد: بالنظر إلى نقص البنية التحتية، وطبيعة الخام وعدم الاستقرار، فلن يكون له تأثير ملموس على السوق في أي إطار زمني قصير أو متوسط.
