«الاحتياطي الفيدرالي».. لا مجال للنهايات السعيدة حال توفر السيولة النقدية
(البيان)-10/02/2026
على الرغم من دعواته المستمرة لخفض أسعار الفائدة، رشّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كيفن وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، والذي أعلن قبل شهرين تقريباً أن «السيولة في وول ستريت ميسرة للغاية، والائتمان في الشارع الرئيسي ضيق للغاية».
إن وارش يقول إنه يريد تقليص الميزانية العمومية الضخمة للاحتياطي الفيدرالي، الأمر الذي قد يرفع أسعار الفائدة على المدى الطويل. لكن وارش سياسي محنك ويبدو مستعدًا لتنفيذ أوامر ترامب.
كما قال إنه يعتقد أن أمريكا قد تكون على أعتاب طفرة إنتاجية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي من شأنها أن تعزز إنتاجية العمال بشكل كبير، مما يسمح للاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة دون التسبب في ارتفاع الأسعار.
في الواقع، لا أحد يعلم ما إذا كان هذا صحيحاً حتى الآن. لكن وارش محق بشكل قاطع في أمر واحد، وهو أن أمريكا باتت تعتمد بشكل خطير على «تدخل الاحتياطي الفيدرالي».
وبالاعتماد على تدخل الاحتياطي الفيدرالي كلما ساءت الأوضاع، تهرب صناع السياسات في واشنطن من اتخاذ قرارات مالية صعبة، واعتمدوا على التيسير النقدي وأسعار الفائدة المنخفضة لدعم الأسواق ونمو الناتج المحلي الإجمالي لعقود. لذا، هل يستطيع وارش حل هذه المشكلة؟
أعتقد مبدئياً أن الإجابة هي لا. فلتقليل الاعتماد على السياسة النقدية، بغض النظر عمن يتولى إدارة الاحتياطي الفيدرالي، لا بد من سياسة مالية ذكية تعالج فعلياً التحديات التي تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة.
ومجرد تسهيل حصول الشركات الصغيرة على الائتمان لن يُعيد تأهيل القوى العاملة، أو يُصلح سوق الإسكان، أو يُخفض تكاليف الرعاية الصحية.
بل يتطلب ذلك نقاشات جادة حول المفاضلات في الميزانية، بالإضافة إلى وجود كونغرس وبيت أبيض مستعدين وقادرين على خوض هذه النقاشات. ولم نشهد أياً منهما منذ ستينيات القرن الماضي.
ويُذكرنا هذا الوضع بمصطلح «الأسلحة والزبدة» أو تلك المفاضلة بين الإنفاق العسكري والإنفاق المدني المجتمعي التي طرحها الرئيس السابق ليندون جونسون، حينما حاول شن حرب فيتنام وإطلاق برامجه لـ«المجتمع العظيم» في آن واحد دون رفع الضرائب.
وقد أدى ذلك إلى اتساع العجز المالي وارتفاع التضخم، حتى تمكن بول فولكر (رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال الفترة بين 1979 وحتى 1987) في نهاية المطاف من كبح جماح هذه المشكلة. ولعل هذه كانت آخر مرة يتخذ فيها رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي إجراءً حاسماً ومؤلماً يتعارض مع التيارات السياسية. لكنها كانت في الوقت نفسه نقطة تحول حاسمة أظهرت أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قادر بالفعل على ضمان استقرار الاقتصاد الكلي. ومنذ ذلك الحين، يلجأ كل رئيس وكل كونغرس إلى مجلس الاحتياطي الفيدرالي للقيام بذلك.
وكانت النتيجة اتجاهاً استمر على مدى نصف قرن نحو انخفاض أسعار الفائدة، وجولات عديدة من التيسير الكمي ذات تأثير مشكوك فيه على النمو الاقتصادي الحقيقي، وتزايداً في دورات الازدهار والركود المالي. وهذه الأخيرة مؤلمة دائماً. لكن بالنسبة للكونغرس والرؤساء الأمريكيين، يبدو أنها أقل إيلاماً من إخبار الناخبين بالحقيقة: أن الولايات المتحدة تنفق أكثر بكثير من إمكانياتها، وأنه ستكون هناك في نهاية المطاف علاوة مخاطر أعلى يجب دفعها نتيجة لذلك.
وإذا كنا لا نريد أن نشهد ارتفاعاً في التضخم وانخفاضاً في قيمة الدولار، فنحن بحاجة إلى تقديم بعض التضحيات في الميزانية للسيطرة على وضع الدين. لكن لن يكون ترامب ولا هذا الكونغرس من يفعل هذا. بدلاً من ذلك، يبدو أننا على وشك تكرار سياسات عهد ريغان المتمثلة في تخفيض الضرائب، وإلغاء القيود، وتعزيز الدفاع (لنتذكر هنا برنامج ترامب «القبة الذهبية» بقيمة 175 مليار دولار) في وقت أصبحت فيه نسبة الدين الفيدرالي إلى الناتج المحلي الإجمالي أكثر من ثلاثة أضعاف ما كانت عليه آنذاك.
وقد يصف وزير الخزانة سكوت بيسنت نفسه بأنه من دعاة خفض العجز، لكن التخفيضات الضريبية التي أُقرت العام الماضي لم تُضف سوى 1 % من الناتج المحلي الإجمالي إلى العجز، وقد تُضاعف مقترحات ترامب بشأن إعادة الرسوم الجمركية هذا الرقم بسهولة.
ولو كنت تؤمن حقاً بأن طفرة إنتاجية كبيرة باتت وشيكة، فبإمكانك تصور إدارة اقتصاد مزدهر كهذا دون خلق ضغوط تضخمية. إنني آمل أن تكون هذه هي الحال، لكن هناك احتمال مماثل أن يؤدي مزيج الرسوم الجمركية.
وإعادة التصنيع، وتخفيضات الهجرة (التي تُقيّد القوى العاملة)، وبعض الاضطرابات الجديدة في سلاسل التوريد (التي قد تحدث بسهولة لأسباب تتراوح بين الجغرافيا السياسية والكوارث الطبيعية) إلى ارتفاع التكاليف قبل انتهاء ولاية ترامب. إذن، ما الذي يمكن أن يفعله وارش؟
لقد اتخذ موقفاً متشدداً – وأعتقد أنه كان صائباً – بشأن التيسير الكمي عندما كان الديمقراطيون في السلطة خلال الأزمة المالية وجائحة كوفيد 19.
حينها أراد التقدميون عدة جولات من التيسير الكمي وخفض أسعار الفائدة لتعزيز دخول الفئة عند أدنى السلم الاجتماعي والاقتصادي، وأراد العديد من المشاركين في السوق ذلك لرفع أسعار الأسهم. لكن لم يكن هناك احتمال كبير أن تُعوّض كل تلك الأموال السهلة التحولات الهيكلية في الاقتصاد التي أضرت بالعمالة المحلية منخفضة المهارة.
وكان التيسير الكمي، وخاصة جولاته الأخيرة، مجرد مسكن مؤقت لم يستطع حتى تعويض ارتفاع تكاليف السكن والتعليم والرعاية الصحية. وإذا تبنى وارش الآن نهجاً مماثلاً في ظل ترامب دون بيانات موثوقة ومتسقة تُظهر أن الذكاء الاصطناعي يُغيّر بالفعل مسار التضخم، فسندرك حينها أنه ليس صاحب مبدأ. وسندرك أيضاً أننا وصلنا إلى مرحلة جديدة في تدخل الاحتياطي الفيدرالي.
