البنوك والمتداولون يتسابقون لاقتناص أرباح الذهب القياسية
(سي ان بي سي)-24/12/2025
تتسع وتيرة توسع المصارف والمتداولين في مكاتب المعادن الثمينة والقدرات اللوجستية، في سباق محموم للاستفادة من الارتفاع التاريخي للذهب هذا العام؛ وهو ما حول عالم تداول السبائك والتخزين الذي كان هادئاً في السابق، إلى أحد أكثر المجالات ربحية في القطاع المالي.
وفي ظل الارتفاع الحاد لأسعار الذهب والفضة، قفزت إيرادات مكاتب تداول المعادن الثمينة في المصارف الكبرى بنسبة 50% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، وفقا لبيانات شركة “كريسيل كواليشين غرينويتش” للتحليلات.
وقال كالوم مينز، مدير الأبحاث في “كريسيل” لصحيفة فايننشال تايمز: “هناك فرص كبيرة للربح هذا العام، والجميع يُبدي حماساً كبيراً في هذا المجال”.
وأضاف أن المعادن الثمينة باتت تُشكل “نسبةً أكبر من إجمالي أعمال الأسواق” للبنوك الكبرى.
وبلغت إيرادات تداول المعادن الثمينة في 12 مصرفاً رائداً نحو 1.4 مليار دولار بين يناير كانون الثاني وسبتمبر أيلول، مما يضع عام 2025 على المسار الصحيح ليكون ثاني أفضل عام على الإطلاق لتداول الذهب، بعد عام 2020، بحسب “كريسيل”.
وحتى المصارف التي أغلقت مكاتب المعادن الثمينة لديها سابقاً، تعود حالياً للدخول في هذا القطاع؛ حيث قامت مؤسسات مثل “سوسيتيه جنرال” و”مورغان ستانلي” و”ميتسوي” بتوسيع أقسام المعادن الثمينة لديها هذا العام، وفقا للمشاركين في السوق.
وفي نيويورك، يمكن لبعض الخزائن المعتمدة من قبل بورصة “كومكس” الاحتفاظ بالمعادن للتسليم مقابل عقود “كومكس” الآجلة. أما في لندن، التي تعد أكبر مركز عالمي لتداول الذهب الفعلي وتجري فيها مقاصة سبائك تزيد قيمتها عن 35 تريليون دولار سنوياً، فيتعين على المصارف الأعضاء في عملية المقاصة امتلاك خزائن خاصة بها. ويوجد حالياً أربعة أعضاء مقاصة فقط في سوق الذهب بنظام “لوكو لندن”.
وكان امتلاك الخزائن يعد سابقا عملا “مملا” ومنخفض الهامش الربحي، وهو ما دفع مصارف من بينها “باركليز” و”سكوتيا بنك” لبيع خزائنها في الأعوام الأخيرة. لكن هذا التوجه بدأ يعود حاليا ليتصدر المشهد.
وقال مينز، من شركة “كريسيل”: “معظم المصارف إما تستكشف أو استكشفت بالفعل مجال التخزين. فإذا كنت مدرجا في قائمة التخزين، فستحصل على إيرادات إضافية تفوق الجميع، ورغم أنها عوائد منخفضة، إلا أنها توفر زخما جيدا”.
ومن بين الجهات التي تتطلع لافتتاح خزنة حاليا مصرف “سيتي غروب”، وفقا لمشاركين في السوق.
من جهته، أوضح جيمس إيميت، الرئيس التنفيذي لشركة “إم كي إس بامب”، التي اشترت خزنة “سكوتيا بنك” في نيويورك عام 2021، أن امتلاك خزنة يجعل من الممكن إدارة أعمال الحفظ التي توفر دخلا شبيها بالمعاشات السنوية.
وتمتلك “إم كي إس بامب” بالفعل ذراعا تجاريا (عُرف سابقا باسم MKS)، بالإضافة إلى مصفاة سويسرية كبرى (Pamp)، حيث تم دمج الكيانين في عام 2021، وهو أمر غير مألوف بين المصافي.
وقد أجرت الشركة عدة تعيينات كبرى هذا العام، شملت ضم بول فولر، الرئيس السابق للمعادن الثمينة في مصرف “إتش إس بي سي”، نائبا لرئيس مجلس الإدارة، كما وسعت عملياتها في آسيا عبر مقر إقليمي جديد في هونغ كونغ.
وأكد إيميت التخطيط لمزيد من النمو في العام المقبل، بما في ذلك إطلاق تداول خيارات الذهب وتوسيع عمليات المصافي في الولايات المتحدة، قائلا: “طموحنا هو أن نكون المؤسسة الرائدة في مجال المعادن الثمينة عالميا، فنحن نقوم بكل شيء باستثناء استخراج المعدن من الأرض”.
وتكمن إحدى المزايا التي تتمتع بها مصارف “وول ستريت” في قدرتها على الوصول إلى ميزانية عمومية ضخمة؛ وهو أمر بات حاسما هذا العام، حين أدى الارتفاع غير المتوقع في أسعار الذهب إلى الضغط على الميزانيات العمومية للمصنعين وصغار المتداولين.
توريد السبائك
ومع ذلك، يتمتع العديد من منافسيهم من خارج القطاع المصرفي بميزة الخبرة الأكبر في توريد السبائك الذهبية؛ وهي عملية معقدة نظرا للحاجة إلى التأكد من منشأ السبائك لتصنف ضمن فئة “التسليم الجيد” وتكون مقبولة لدى جمعية سوق السبائك في لندن. وتعتبر مخاطر شراء ذهب غير ممتثل للمعايير مرتفعة للغاية بالنسبة لكثير من المصارف، مما يمنعها من الانخراط مبكرا في سلسلة التوريد قبل تكرير الذهب.
وقد بدأ بيتا تداول سويسريان في القيام بذلك مؤخرا؛ حيث أطلق “ترافيغورا” و”غونفور”، المتخصصان تقليديا في الطاقة والمعادن الأساسية، مكاتب لتداول السبائك الفعلية هذا العام تتعامل بـ “الذهب الخالص” (Doré) -وهو سبائك ذهب مختلطة بمعادن أخرى مستخرجة من المناجم- والذهب المكرر.
ووفقا لشركة “كريسيل”، كانت إحدى أكثر الصفقات ربحية هذا العام هي عملية “التحكيم” (Arbitrage) التي نشأت بين نيويورك ولندن خلال شهري يناير كانون الثاني وفبراير شباط؛ حيث أدت المخاوف من التعرفات الجمركية المحتملة إلى تحليق سعر السبائك الفعلية في الولايات المتحدة مقارنة بنظيرتها في لندن.
ومع ذلك، لم يتمكن الجميع من الاستفادة من هذه المكاسب؛ إذ أشار مينز من “كريسيل” إلى أن إيرادات تداول الذهب في المصارف أظهرت “تشتتا” أكثر من المعتاد هذا العام.
ويرحب العديد من خبراء الذهب بحقيقة أن السبائك باتت الآن مركز الاهتمام؛ حيث قال سكينر من “ستون إكس”: “مرت أوقات خلال مسيرتي المهنية لم تكن فيها المعادن موضوعا يتحدث عنه الناس، لكن هذا الأمر انعكس تماما حاليا”.
