الحرب تختبر شهية المستثمرين.. وتعيد رسم خريطة التمويل
(القبس)-12/03/2026
في أوقات الهدوء الاقتصادي تتحدد حركة أسواق المال وفق معايير مالية تقليدية مثل الأرباح والنمو والتقييمات، لكن عندما تتصاعد التوترات الجيوسياسية وتندلع الحروب تتحول العوامل الجيوسياسية الى عامل رئيسي في معادلة التقييم، هذا هو المشهد الذي يواجهه العالم اليوم مع تصاعد المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة والكيان الاسرائيلي من جهة وايران من جهة أخرى، وهو صراع لا يقتصر تأثيره على الميدان العسكري بل يمتد ليطول الاقتصاد العالمي وأسواق المال في المنطقة.
بالنسبة لدول الخليج، فان انعكاسات هذه المواجهة لا تقتصر على أسعار النفط فحسب، بل تمتد أيضاً الى أنشطة أسواق رأس المال مثل الطروحات الأولية وزيادات رؤوس الأموال، واصدارات السندات والصكوك، اضافة الى ادراج الشركات الجديدة، وتصبح هذه الأنشطة مؤشراً مهماً على ثقة المستثمرين وقدرة الشركات على تأمين التمويل اللازم للتوسُّع، غير أن التوترات الاقليمية تضع هذه الأنشطة أمام اختبار حقيقي، حيث تعيد الشركات والمستثمرون تقييم المخاطر وتوقيت قراراتهم الاستثمارية.
فغالبا ما تكون أسواق رأس المال أول القطاعات التي تتفاعل مع الأحداث الجيوسياسية الكبرى، كونها تعتمد في جوهرها على عنصرين رئيسيين هما الثقة والتوقعات المستقبلية، وعندما تتعرض هذه التوقعات للاهتزاز بسبب حرب أو أزمة، فإن المستثمرين يميلون الى تعديل سلوكهم الاستثماري بسرعة.
وفي مثل هذه الظروف تصبح الأنشطة المرتبطة بجمع التمويل من الأسواق أكثر تعقيداً، لأن الشركات تحتاج الى بيئة مستقرة نسبياً لضمان نجاح عمليات الطرح أو اصدار أدوات الدين، فالحروب لا تغير فقط مسار السياسة الدولية، بل تعيد أيضاً تشكيل خريطة التمويل والاستثمار في الأسواق المالية، وفي حالة الأسواق الخليجية، ومنها الكويت فإن تأثير التوترات الإقليمية لن يقتصر على حركة الأسهم اليومية، بل سيمتد الى القرارات الاستراتيجية للشركات فيما يتعلق بالتمويل والتوسع.
فالطروحات الأولية وزيادات رأس المال واصدارات السندات والصكوك ليست مجرد أدوات مالية، بل هي مؤشرات على ثقة الشركات والمستثمرين في المستقبل الاقتصادي، الأمر الذي يجعل تطورات المواجهة الاقليمية عاملا حاسما في تحديد مسار هذه الأنشطة في المرحلة المقبلة.
وفي الوقت الذي يراقب فيه المستثمرون تحركات النفط والأسواق العالمية، ستظل الأنظار أيضا موجهة الى نشاط أسواق رأس المال باعتبارها أحد المؤشرات الأكثر دلالة على قدرة الاقتصاد على التكيف مع التحديات الجيوسياسية المتسارعة.
الطروحات الأولية والاكتتابات
تعد الطروحات الأولية أحد أهم المؤشرات على حيوية الأسواق المالية، لكن في أوقات التوترات الجيوسياسية تصبح هذه العملية أكثر حساسية، ولا سيما أن الشركات التي تخطط لطرح أسهمها للاكتتاب العام تسعى عادة الى تحقيق أفضل تقييم ممكن، وهو ما يتطلب سوق مستقرة وشهية قوية لدى المستثمرين.
وفي حال تصاعد التوترات العسكرية، قد تجد هذه الشركات نفسها أمام خيارات صعبة، إما تأجيل الطرح حتى تتحسن ظروف السوق، وإما تقليص حجمه لتقليل المخاطر أو تقييم الأسهم عند مستويات أقل من التوقعات لضمان نجاح الاكتتاب.
وفي السوق الكويتي قد تعتمد الشركات التي تخطط للطروحات الأولية على هذه الخيارات وفق تطورات المشهد الجيوسياسي، لكن في المقابل قد تبقى بعض القطاعات قادرة على تنفيذ طروحات ناجحة، خصوصا القطاعات المرتبطة بالطاقة أو الخدمات المالية، التي غالبا ما تتمتع بثقة المستثمرين حتى في أوقات التقلبات.
نجاح أي اكتتاب عام أو خاص يعتمد بشكل أساسي على شهية المستثمرين، وفي أوقات التوترات الجيوسياسية تميل هذه الشهية الى التراجع، لكن في المقابل قد تتحول بعض الاكتتابات الى فرص جذابة اذا تم تسعير الأسهم بأسعار مغرية، ففي أوقات التقلبات قد تقدم الشركات خصومات سعرية لجذب المستثمرين، وهو ما قد يشجع بعض المتداولين على المشاركة في الاكتتابات رغبة في الدخول في فرص استثمارية جيدة.
زيادات رأس المال
زيادة رأس المال تعد أداة رئيسية للشركات المدرجة للحصول على التمويل اللازم للتوسع أو تحسين مراكزها المالية، لكن نجاح هذه العملية يعتمد الى حد كبير على مستوى أسعار الأسهم في السوق، ولا سيما أنه عندما تتراجع الأسواق نتيجة التوترات والأزمات قد تضطر الشركات الى اصدار عدد أكبر من الأسهم للحصول على قيمة التمويل نفسها، الأمر الذي يؤدي الى زيادة تكلفة التمويل عبر الأسهم.
ومع ذلك قد تدفع الأزمات بعض الشركات إلى تسريع خطط زيادة رأس المال، خاصة إذا كانت ترى فرصاً استثمارية جديدة في ظل التغيرات الاقتصادية التي قد تفرضها الحرب. فعلى سبيل المثال، قد تستفيد بعض القطاعات من ارتفاع أسعار الطاقة أو زيادة الانفاق الحكومي، وهو ما قد يدفع الشركات الى تعزيز رؤوس أموالها لتمويل مشاريع جديدة.
السندات والصكوك
السندات تمثل إحدى أهم أدوات التمويل للشركات والحكومات، لكنها تتأثر بسرعة بتغير مستوى المخاطر في الأسواق، ففي أوقات التوترات الجيوسياسية يطالب المستثمرون عادة بعائد أعلى مقابل شراء السندات لتعويضهم عن المخاطر المتزايدة.
بالنسبة للشركات يعني ذلك أن تكلفة الاقتراض عبر السندات قد ترتفع، لكن رغم هذا الارتفاع قد تظل سوق السندات نشطة نسبيا في المنطقة الخليجية. أما الصكوك فتمثل إحدى أهم أدوات التمويل وغالباً ما تتمتع بدرجة من الاستقرار مقارنة ببعض أدوات الدين التقليدية ويرجع ذلك الى ارتباط بأصول حقيقية، والطلب القوي من البنوك الاسلامية، فضلاً عن استخدامها في تمويل المشاريع الكبرى.
إدراج الشركات
يعتمد قرار ادراج شركة جديدة في بورصات الأوراق المالية على عوامل عدة رئيسية من بينها قوة السوق ومستوى السيولة وتقييمات الشركات، وخلال فترات التوترات الجيوسياسية قد تصبح هذه العوامل أقل وضوحاً، وهو ما قد يدفع بعض الشركات الى تأجيل خطط الادراج حتى تتحسن ظروف السوق. لكن في المقابل، قد يختلف الوضع في الاقتصادات النفطية مثل الكويت، ففي حال أدت التوترات الاقليمية الى ارتفاع أسعار النفط فقد ينعكس ذلك بشكل ايجابي على الاقتصاد المحلي ويزيد السيولة في السوق، الأمر الذي قد يشجع بعض الشركات على المضي في خطط الادراج رغم التقلبات.
