بين دعم النمو وكبح التضخم.. حرب إيران تضع البنوك المركزية أمام معضلة صعبة
(سي ان بي سي)-09/03/2026
أدى التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط إلى تغيير جذري في آفاق السياسات النقدية للبنوك المركزية العالمية، إذ يفرض صدمة الإمدادات الضخمة معادلة صعبة بين دعم النمو وكبح التضخم.
وبالنسبة للبنوك المركزية في الاقتصادات الآسيوية الناشئة، أصبح خفض معدلات الفائدة رهانا محفوفاً بالمخاطر، ليس فقط بسبب الضغوط السعرية الإضافية الناجمة عن ارتفاع تكاليف الوقود، بل أيضاً بسبب خطر تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج نتيجة تدهور شروط التبادل التجاري مع الولايات المتحدة.
وفي الهند، من المرجح أن يركز بنك الاحتياطي الهندي بدرجة أكبر على دعم النمو عبر الإبقاء على معدلات الفائدة منخفضة، بحسب ما نقلته مصادر لرويترز. غير أن الاندفاع نحو الدولار باعتباره ملاذاً آمناً، والذي يتسارع بفعل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، قد يجبر البنك على تكثيف تدخله لدعم العملة التي تتعرض للضعف.
وقال تورو نيشيهاما، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في معهد داي-إيتشي لايف للأبحاث في طوكيو، إن تايلاند والفلبين قد تضطران إلى التراجع عن نهجهما النقدي المائل إلى التيسير، حتى مع تسبب ارتفاع تكاليف الوقود في إلحاق الضرر باقتصاديهما.
وأضاف أن «العديد من البنوك المركزية ستواجه قرارات صعبة في ظل ضغوط متزايدة من الأسواق والحكومات»، مشيراً إلى أنه «في ظل غياب نهاية واضحة للصراع، فإن مخاطر الركود التضخمي تتزايد يوماً بعد يوم».
وفي الأسواق، هبطت الأسهم في آسيا يوم الإثنين بينما ارتفع الدولار الأميركي الذي يعد ملاذاً آمناً، مع قفز أسعار النفط إلى ما فوق 110 دولارات للبرميل، ما أثار مخاوف من حرب مطولة في الشرق الأوسط قد تهدد إمدادات الطاقة العالمية وتغذي التضخم، الأمر الذي قد يدفع البنوك المركزية إلى رفع معدلات الفائدة.
ويعد هذا التحدي أكثر حدة بالنسبة للاقتصادات الصناعية المعتمدة على التجارة مثل كوريا الجنوبية واليابان، التي تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة العالمية واستقرار الأسواق وتوافر المواد الخام بأسعار منخفضة، وهي عوامل تتعرض جميعها لضغوط بفعل اتساع أزمة الشرق الأوسط.
ويرى كيم جين-ووك، الاقتصادي لدى سيتي غروب، أن البنك المركزي في كوريا الجنوبية، الذي أبقى معدلات الفائدة دون تغيير في فبراير شباط، قد يتبنى موقفاً أكثر تشدداً إذا استقر التضخم عند مستوى يتجاوز مستهدفه بنقطة مئوية كاملة.
وأضاف لرويترز أن البنك المركزي الكوري «من غير المرجح في الوقت الراهن أن يرفع معدلات الفائدة استجابة لارتفاع أسعار النفط بما يفوق التوقعات»، مشيراً إلى أن الإجراءات الحكومية للحد من أسعار الوقود قد تقلل من انتقال تأثير ارتفاع النفط إلى التضخم.
التفكير في ما لا يمكن تصوره
كما تواجه البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة، مثل الفدرالي الأميركي، معادلة دقيقة بين دعم النمو والسيطرة على التضخم في ظل ضغوط سياسية متزايدة.
وتبرز هذه المعضلة بوضوح لدى بنك اليابان. فبحسب معهد نومورا للأبحاث، فإن بقاء أسعار النفط عند مستوى 110 دولارات للبرميل لمدة عام كامل قد يقتطع نحو 0.39 نقطة مئوية من النمو الاقتصادي، وهو ما يمثل ضربة كبيرة لاقتصاد لا يتجاوز معدل نموه المحتمل بين 0.5% و1%.
لكن بخلاف الماضي، حين كان بوسع بنك اليابان تأجيل رفع معدلات الفائدة، فإن مساحة المناورة أصبحت أضيق حالياً مع بقاء التضخم فوق مستهدفه البالغ 2% منذ نحو أربعة أعوام.
ويعني ذلك أن البنك قد يجد نفسه مضطراً إلى تكرار تأكيد التزامه بمواصلة رفع معدلات الفائدة، مع تجنب تحديد توقيت واضح لهذه الخطوة، التي قد تثير استياء الإدارة الحكومية التي تعارض ارتفاع تكاليف الاقتراض، وفقاً لمحللين.
تُعدّ أستراليا ونيوزيلندا مثالين نموذجين على كيفية وضع دورات الاقتصاد المختلفة صانعي السياسات في مأزق صعب.
وقال جوناثان كيرنز، كبير الاقتصاديين في شركة تشالينجر، والذي شغل سابقاً منصب مسؤول في بنك الاحتياطي الأسترالي، إن «ارتفاع أسعار النفط المستمر قد يهدد بزعزعة توقعات الأسعار في أستراليا، حيث يرتفع معدل التضخم بالفعل». وأضاف: «إذا زادت توقعات التضخم، وهو أمر محتمل في هذه الفترة التي شهدنا فيها تضخماً مرتفعاً، فإن ذلك سيعني أن بنك الاحتياطي سيكون مضطراً للحفاظ على معدلات فائدة مرتفعة لفترة أطول من أجل إعادة التضخم إلى مساره».
أما نيوزيلندا فتواجه تحدياً مختلفاً، إذ تكافح اقتصادياً للتعافي من آثار رفع معدلات الفائدة السابقة. وقال جارود كير، كبير الاقتصاديين في كيوي بانك: «نعتقد أن البنوك المركزية، وبنك الاحتياطي النيوزيلندي على وجه الخصوص، قد تضطر إلى تحمل معدل تضخم أعلى على المدى القصير لتجنب تشديد السياسة النقدية في ظل اقتصاد عالمي يتباطأ».
من جانبها، قالت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، يوم الإثنين، إن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10% إذا استمر طوال معظم العام سيؤدي إلى زيادة التضخم العالمي بمقدار 40 نقطة أساس. وأضافت خلال ندوة في طوكيو: «نشهد مرة أخرى اختباراً للمرونة بفعل الصراع الجديد في الشرق الأوسط. ونصيحتي لصانعي السياسات في هذا البيئة العالمية الجديدة هي التفكير فيما لا يمكن تصوره والاستعداد له».
