هل أداء الاقتصاد الأمريكي استثنائي كما يصوره ترامب؟
(البيان)-26/01/2026
أمام منتدى دافوس خلال الأسبوع الماضي، لم يتردد دونالد ترامب في أن ينسب الفضل لنفسه في الأداء الاقتصادي الأمريكي الاستثنائي.
وقال أمام نخب العالم السياسية والمالية: «النمو يتسارع، والإنتاجية في تصاعد، والاستثمار يرتفع، والدخول في ازدياد. وقد تم القضاء على التضخم. نحن الدولة الأسرع نمواً في العالم».
وبغض النظر عن مبالغات الرئيس الأمريكي، فإن أهم اقتصاد في العالم ينطلق بقوة نحو عام 2026 بمستويات نمو تتجاوز بكثير توقعات معظم الاقتصاديين عندما عاد ترامب إلى منصبه قبل عام.
وقال جيسون فورمان، الأستاذ في كلية هارفارد كينيدي والمستشار السابق لباراك أوباما: «معظم الاقتصادات المتقدمة ستكون سعيدة للغاية بتحقيق أرقام النمو الأمريكية».
أظهرت الإحصاءات الرسمية الصادرة منذ أيام نمواً سنوياً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.4 % في الربع الثالث من عام 2025.
ويتوقع بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا ارتفاعاً إلى 5.4 % في الربع الأخير من 2025. وباستثناء فترة التعافي من جائحة كوفيد 19، سيمثل ذلك أقوى توسع اقتصادي منذ أكثر من عقد.
ويأتي هذا الأداء القوي على الرغم من سلسلة الصدمات الاقتصادية التي تعرض لها الاقتصاد منذ عودة ترامب إلى السلطة، والتي كان معظمها من صنعه.
فقد اقترنت حروب ترامب التجارية، التي اتسمت بالتقلب بين التصاعد والتراجع، بمواجهة حادة مع بنك الاحتياطي الفيدرالي.
علاوة على ذلك، شهد الاقتصاد إغلاقاً حكومياً قياسياً مطولاً، وخلافات علنية مع حلفاء مقربين بلغت ذروتها في المواجهة بشأن غرينلاند.
وقد اهتزت الثقة في الأصول المقومة بالدولار، مما دفع كبار المستثمرين، مثل شركة بيمكو، إلى تنويع استثماراتهم عبر التوجه إلى أسواق أخرى.
ويزيد خطر اتخاذ ترامب خطوة مفاجئة أخرى تُلحق الضرر بالاقتصاد من المخاوف بشأن ارتفاع التضخم، وما إذا كان ازدهار الذكاء الاصطناعي الذي يدعم النمو الأمريكي مستداماً.
لكن الزخم الاقتصادي قوي، في الوقت الراهن. ويؤكد آدم بوسن، رئيس معهد بيترسون للاقتصاد الدولي: «أي شخص يقول إننا لا نشهد ازدهاراً في جزء كبير من الاقتصاد الأمريكي مخطئ، بلا شك.
ففي الوقت الحالي، تتمتع الولايات المتحدة، في المجمل، بمزايا كثيرة جداً رغم العديد من الأخطاء التي ارتكبتها بنفسها»، لكنه نبه إلى أنه: «مع مرور الوقت، سيؤدي إلحاق الضرر بالنفس إلى إبطاء النمو حتى لو لم يُصب الأجزاء الحيوية».
وفي واشنطن، لا يساور مستشاري ترامب شك كبير في أن الاقتصاد يقترب من مرحلة الازدهار الكامل، حتى لو كان الارتفاع المتوقع في نمو الربع الأخير مدفوعاً جزئياً بتقلبات التجارة.
وقال جو لافورجنا، مستشار وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، لصحيفة فاينانشال تايمز: «إذا تبين أن نمو الربع الأخير بلغ 5.4 % حتى مع الإغلاق، لكان من الممكن أن يصل إلى 6 أو 7 % بدونه». وهذه هي الأرقام التي تشير إلى بداية طفرة اقتصادية.
وتؤكد الإدارة الأمريكية رغبتها في تعزيز الانتعاش الاقتصادي بشكل أكبر في عام 2026 من خلال الضغط لخفض أسعار الفائدة بالتزامن مع توسيع الميزانية العامة.
ومع ذلك، ورغم الأرقام القوية المعلنة، يحذر العديد من الاقتصاديين من هشاشة هذا النمو الاقتصادي، فرغبة ترامب في تحفيز الاقتصاد بقوة تنذر بعودة التضخم السريع، مما قد يبدد حالة التفاؤل السائدة.
ويعتمد النمو الأمريكي بشكل كبير على ازدهار الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. لذلك، فإنه إذا لم تحقق عوائد قطاع التكنولوجيا توقعات المستثمرين، فقد نشهد تراجعاً حاداً في سوق الأسهم، مع ما يترتب على ذلك من آثار بعيدة المدى على ثروات الأسر واستهلاكها.
ويعقد الأمل على استمرار تحسن الإنتاجية، مدفوعاً بالذكاء الاصطناعي، مما يجعل وتيرة النمو السريعة مستدامة ويقلل من خطر التضخم المفرط، كما حدث في الولايات المتحدة خلال فترة من طفرة التكنولوجيا في التسعينيات.
وقال إي جيه أنتوني، كبير الاقتصاديين في مؤسسة التراث والذي رشحه ترامب العام الماضي لإدارة مكتب إحصاءات العمل قبل سحب ترشيحه: «إن أرقام الإنتاجية وحدها تفوق التوقعات بكثير.
وطالما استمرت الإصلاحات الضريبية والتنظيمية وكذلك إصلاحات الطاقة، فلا أرى أي سبب يمنع استدامة هذه المستويات من النمو الاقتصادي».
وتوقع صندوق النقد الدولي منذ أيام نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.4 % في عام 2026، بزيادة قدرها 0.3 نقطة مئوية مقارنةً بتوقعاته السابقة في أكتوبر، متجاوزاً بذلك توقعات شركاء الولايات المتحدة في مجموعة السبع.
ويتوقع الصندوق الآن نمواً أقوى مما كان عليه في يناير من العام الماضي، قبل أن يشن ترامب حروبه التجارية. كما يتوقع محللو غولدمان ساكس نمواً في استثمارات الشركات يتجاوز 5 %.
وقد أسهم تراجع ترامب عن تهديداته بزيادة الرسوم الجمركية على الشركاء الأوروبيين في تهدئة أحد المخاطر الواضحة التي تهدد هذه التوقعات، بل يتوقع المحللون أن يستمر تراجع تأثير الرسوم الجمركية الذي طال النمو العام الماضي.
وقال ماركو كاسيراغي من «إيفركور آي إس آي» إن أحدث البيانات الأمريكية «تدعم النظرة الإيجابية للاقتصاد الكلي في الولايات المتحدة، مع تضخم أساسي مستقر، ونمو قوي، وسوق عمل مستقر».
وتسعى الإدارة إلى تعزيز النمو، إذ تطالب بخفض أسعار الفائدة من الاحتياطي الفيدرالي، وتقلص القيود التنظيمية بالتزامن مع زيادة الإنفاق وتخفيض الضرائب التي أقرها الرئيس في قانونه الرئيسي «القانون الكبير الجميل»، لكن بعض الاقتصاديين يحذرون من أن اجتماع النمو المرتفع مع عجز الموازنة الهائل الذي يقدر بنحو 6 % من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات القادمة يجعل الأمر يبدو غير مستدام، ويثير مخاوف بشأن احتمال ارتفاع التضخم.
وقالت جيتا جوبيناث، المسؤولة السابقة في صندوق النقد الدولي: «تبدو هذه الإدارة عازمة على تحقيق اقتصاد مزدهر للغاية.
لكن تشير كل الدلائل إلى اقتصاد قد يكون فيه الطلب قوياً للغاية، وبالتالي قد يرتفع التضخم بشكل ملحوظ. كما أننا لم نشهد بعد التأثير الكامل للرسوم الجمركية على أسعار المستهلك، وهذا أيضاً يسهم في ارتفاع التضخم».
من ناحية أخرى، حذر صندوق النقد الدولي من أن الكثير سيتوقف على ما إذا كانت أرباح الذكاء الاصطناعي ستبرر تقييماتها المرتفعة في سوق الأسهم.
ولم ترتفع تقييمات الأسهم إلى مستويات طفرة الإنترنت، لكن القيمة السوقية الإجمالية للأسهم الأمريكية أعلى الآن بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، حيث بلغت 226 % مقابل 132 % في عام 2001.
ووفقاً لتحليل صندوق النقد الدولي، فإن انخفاض الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب «حدوث تصحيح معتدل» في تقييمات أسهم التكنولوجيا، قد يؤدي إلى تراجع النمو العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية هذا العام.
وحذر الصندوق قائلاً: «حتى تصحيح أكثر اعتدالاً قد يكون له تأثير كبير على الاستهلاك الإجمالي».
وقد تكمن المشكلة الأكبر التي تواجه ترامب في أن الكثير من الأمريكيين مازالوا لا يشعرون بآثار الطفرة الاقتصادية، إذ تستمر الأسعار المرتفعة في التأثير سلباً على الاقتصاد.
وأظهر استطلاع رأي أجرته صحيفة نيويورك تايمز بالتعاون مع جامعة سيينا منذ أيام أن 40 % فقط من المشاركين راضون عن أداء الرئيس في إدارة الاقتصاد، بينما أعرب 58 % عن استيائهم.
وقد انخفضت ثقة المستهلكين في ديسمبر للشهر الخامس على التوالي، مما يعكس المخاوف بشأن فرص العمل ونمو الدخل. وكان التوظيف في عام 2025 هو الأضعف منذ جائحة كوفيد 19.
وهكذا، لا يزال نمو الدخل الحقيقي ضعيفاً، وتزامن الإنفاق القوي مع انخفاض معدل الادخار، مما جعل الأوضاع المالية للأسر أقل استقراراً. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في وقت لاحق من هذا العام، يسعى ترامب لإقناع الناخبين بنجاحاته، حيث أطلق جولات أسبوعية تبدأ من ولاية أيوا، للترويج لرسالته الاقتصادية.
وقال جيسون فورمان من جامعة هارفارد إنه لا شك في أن الاقتصاد في «وضع أفضل بكثير مما كان متوقعاً في أبريل ومايو، بعد أن شن ترامب ما أسماه حملة تعريفات يوم التحرير»، لكنه حذر من المبالغة في تقدير قوة الاقتصاد الأمريكي، مشيراً إلى غموض البيانات الرسمية والتشوهات الناجمة عن التقلبات الحادة في التجارة عام 2025، حيث من غير المرجح أن تتضح الصورة الكاملة لعدة أشهر.
وقال: «إذا كنت تعتقد أننا نعيش عصراً ذهبياً جديداً، فلا أرى ما يؤكد ذلك في البيانات».
