هل تستطيع أوروبا منافسة أمريكا في جذب الاستثمارات؟
(البيان)-24/03/2025
في ساحة الأسواق المالية، يتجلى العنصر الأساسي الذي تتمتع به الولايات المتحدة في «مصداقيتها»، الأمر الذي يجذب صناديق الاستثمار العالمية ويحافظ على تدفق استثماراتها، وهو العنصر ذاته الذي تسعى أوروبا حالياً إلى اكتسابه.
في المقابل، تتخذ الإدارة الأمريكية الجديدة مواقف مناهضة للتعددية والتحالفات الديمقراطية، كما تبدو غير مبالية بقيم العلم والمؤسسات الأكاديمية وسيادة القانون. ويبدو أنها تسعى إلى إعادة هيكلة النظام المالي العالمي بهدف دعم التصنيع المحلي. لكن، هل يمكن أن ينجح هذا التوجه؟
إن العديد من المستثمرين والمحللين، لكن ليس جميعهم، يرون في الانخفاض الأخير الذي شهدته الأسهم الأمريكية فرصة سانحة للشراء. وهذه أبعد ما تكون عن أنها وجهة نظر هامشية، وإليكم مثال على ذلك: يرى ديفيد ليفكوفيتز، رئيس قسم الأسهم الأمريكية لدى «يو بي إس غلوبال ويلث مانجمنت» في مذكرة نُشِرَت حديثاً: «نعتقد أن البيع الكثيف الذي أصاب أسواق الأسهم الأمريكية كان مدفوعاً بعدم اليقين بشأن السياسات وهو النابع إلى حد كبير من التعريفات الجمركية والتهديدات بفرضها، وكذلك بسبب الإدارة الحكومية، إلى حد أقل». وأوضح «أن هذا الوضع يدعو إلى الحاجة إلى إعلان المزيد من التفاصيل حيث من المُرجح أن تتعافى الأسهم بمجرد أن نحصل على وضوح بشأن السياسات».
يبدو هذا غريباً، لكنه قد يكون صحيحاً. ولعل ميزة الوفرة التي تتمتع بها الولايات المتحدة تنبع من أن لديها عملة الاحتياطي العالمي الأكبر والأكثر سوءاً، كما أنها موطن لبعض من أنجح الشركات على مستوى العالم. ويعني هذا أن «الوضوح السياسي» بشأن كيف يمكن للإدارة إرباك شبكات التداول المُنظّمة بعناية، بغض النظر عن مدى ضرر هذا الإرباك، قد يكون كافياً لتهدئة الأسواق.
وفي الضفة المقابلة من الأطلسي، وعلى النقيض من ذلك، لدينا قارة أوروبا التي تُظهر مؤشرات على أنها تعمل وفق وحدة مقاصد نادرة في سبيل الدفاع عن نفسها ضد الجارة الشرقية المعادية وباستقلالية عن الحليف غير الموثوق به الآن في الغرب. وقد أظهرت ألمانيا مدى جديتها في التخلّي عن أساليبها التقشفية التقليدية، وهي مستعدة لفعل كل ما يتطلبه الأمر لإصلاح البنية التحتية والدفاع. ويأتي هذا بالتزامن مع سعي الاتحاد الأوروبي إلى الشراء الجماعي للأسلحة، في تحوّل كبير للنفوذ والقوة إلى بروكسل، مع الإشارة إلى ارتفاع أسواق الأسهم الأوروبية بأكثر من 9 % منذ بداية العام وحتى الآن، بينما تواجه أسواق الأسهم الأمريكية وضعاً مغايراً.
ومع ذلك، حتى أكثر من يتبنون توقعات إيجابية على غير المعتاد بخصوص الأصول الأوروبية ما زالت لديهم مخاوف. فعلى سبيل المثال لا الحصر، وحسب ما ذكره ستيفن جين وفاتح يلمظ من «يوريزون»: «من المُفترض أن يميل المستثمرون إلى الأصول المُقوّمة باليورو، بما في ذلك العملة. ومع ذلك، يجب على المستثمرين أيضاً أن يكونوا على دراية بالعيوب الهيكلية التي ستعود يوماً ما لتمثل مشكلات لهذه الأصول حال عدم إصلاحها. ونعتقد أن التفاوتات داخل أوروبا قد تزداد اتساعاً خلال الأعوام المقبلة مع تفوق الدول الأساسية، مثل ألمانيا، على الدول الطرفية. لذا، فإن السردية المتفائلة بشأن السوق الأوروبية ربما تكون مُعقّدة».
إنه من الصعب تغيير السمعة المعهودة. وترتبط صورة الاتحاد الأوروبي باعتباره ماكينة لتوليد القواعد التنظيمية بعملة غير سليمة هيكلياً وعلى نحو مترسخ. ومن جديد، فالأمر ليس دون أسباب. لكن التوقعات تحسنت بالفعل خلافاً لتقديرات المستثمرين، ومع ذلك، لا يتبنى مديرو الصناديق رهانات كبيرة وإيجابية على أوروبا. وبدلاً من ذلك، يتبنى مديرو الصناديق موقفاً محايداً بعد أعوام من تجنّب المنطقة بأسرها تقريباً.
ويُعد مصرف بي إن بي باريبا الفرنسي واحداً من بين الذين يناشدون المستثمرين تبني وجهة نظر جديدة إزاء أوروبا. وأعربت مجموعة من محللي المصرف في عرض تقديمي منذ أيام، عن أن الرغبة الجديدة في ألمانيا للاقتراض والإنفاق لإخراج نفسها من المأزق تُعد «نقطة تحوّل».
في الوقت نفسه، أوضح هؤلاء المحللون أن خطر التعريفات التجارية المؤلمة من جانب الولايات المتحدة يعني أن تحقيق مآرب ألمانيا قد يستغرق وقتاً. وذكروا أيضاً أن أوروبا قد تستغرق وقتاً لتقليص اعتمادها على الواردات في مجال الدفاع، مما سيحد من التأثير الإيجابي للإنفاق على التسليح على تعزيز الاقتصاد على المدى القريب.
وبالرغم من ذلك، لفت سام لينتون-براون، محلل العملات، إلى أن «أوروبا تُعد مثيرة للانتباه بالنسبة لنا في الوقت الراهن». وتابع: «لم تتوقع السوق سرعة الإصلاحات التي تضطلع بها ألمانيا، لذا، فإن السوق منفتحة للغاية على تغيير وجهة نظرها». الأهم من ذلك، أن ارتفاع عوائد السندات الحكومية الألمانية يعكس انخفاضاً في الأسعار، بطبيعة الحال، وهو وضع لا يصب في صالح من يحتفظون بهذه السندات بالفعل. لكن، على المدى الطويل، يعتقد المصرف أن ارتفاع العوائد سيقنع الصناديق الأوروبية بمواصلة ضخ الاستثمارات في أوروبا، ما سيجتذب رؤوس أموال أجنبية، وهو ما من شأنه تعزيز اليورو وربما إلى مستوى 1.20 دولار أمريكي في العام المقبل. وللعلم، يسجل اليورو 1.09 دولار حالياً.
وقد توقف محللون، مع ذلك، عند تشكيك العملاء في وجهة النظر الإيجابية هذه. وكما رأينا في خضم أزمة ديون منطقة اليورو قبل عِقد أو نحو ذلك، يبرع الاتحاد الأوروبي في أن يخطو بخطى سريعة إلى حلول غير مثالية ومُعقّدة لمشكلات بسيطة لكنها مثيرة للخلافات. وقد أبرزت تلك الأزمة التحديات التنافسية للاتحاد الأوروبي بوضوح، غير أن هذا لم يكن له تأثير فوري.
إن فكرة «لقد شاهدت هذا الفيلم الأوروبي من قبل» بدأت تذهب أدراج الريح، لذلك، تتدفق الأموال من الولايات المتحدة إلى داخل أوروبا بوتيرة سريعة. ولا يُعد تغيّر عقلية مديري الأموال هو العامل الأوحد في استمرارية شعار «اجعلوا أوروبا عظيمة مرة أخرى»، لكنه عامل مهم. لذلك، تحتاج أوروبا إلى الاستفادة من حسن الظن الذي تمتعت به الولايات المتحدة لأمد طويل.