هل تفقد سويسرا آخر مصارفها العالمية الكبرى؟
(البيان)-28/02/2025
هذه قصة رئيسين يختلفان جذرياً في نهجهما السياسي والاقتصادي، وكيف أثرت سياساتهما على القطاع المصرفي في بلديهما، الرئيس الأول هو دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي الحالي، وفي المقابل هناك الرئيسة السويسرية الحالية، كارين كيلر-سوتر.
وعند إعلان فوزه في الانتخابات الأمريكية في الخامس من نوفمبر 2024، شهدت أسواق المال العالمية ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار أسهم البنوك، وأرجع كثيرون ذلك إلى أن ترامب، المعروف بدعمه القوي لاقتصاد السوق الحرة، يُتوقع منه تبني سياسات تحفز النمو الاقتصادي، وتقلص الأنظمة الرقابية المشددة على القطاع المصرفي، مما سيوفر بيئة مواتية لازدهار البنوك، خاصة المؤسسات المالية الكبرى في وول ستريت.
وفي غضون شهر واحد فقط من توليه منصب الرئاسة نجح دونالد ترامب في تحييد السلطات التنظيمية الرئيسية في القطاع المالي، ومثل العديد من الرؤساء، الذين سبقوه حقق ذلك جزئياً من خلال استبدال قيادات تلك الهيئات الرقابية، وهو إجراء معتاد يتبع تغيير الحزب الحاكم بعد الانتخابات، غير أن ترامب لم يكتف بذلك، فباستثناء مجلس الاحتياطي الفيدرالي وظف ترامب أسلوبه المعروف بتحطيم الأعراف والتقاليد، فقد استولى بشكل مباشر على عملية صنع القواعد التنظيمية، بل وصل الأمر في حالة مكتب حماية المستهلك المالي إلى ما يعتقد أنه إغلاق شبه كامل لهذه الهيئة الرقابية المهمة.
وامتد تأثير هذا التوجه خارج الولايات المتحدة، مما دفع المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي لتخفيف القيود التنظيمية خشية تراجع تنافسية أسواقهما المالية أمام السوق الأمريكي.
وأسهم ذلك، جزئياً، في ارتفاع ملحوظ لأسهم البنوك الأوروبية، حيث سجلت أسهم باركليز ودويتشه بنك مكاسب مماثلة لنظيرتيهما جيه بي مورغان وغولدمان ساكس، بارتفاع 20 – 25 % منذ الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
أما في سويسرا، التي تعد مقراً لمصرف عالمي آخر، وهو «يو بي إس»، فتتخذ الأوضاع منحى مختلفاً تماماً، فالرئيسة السويسرية الحالية، كارين كيلر-سوتر، تحمل على عاتقها أجندة تنظيمية حاسمة ستحدد، إلى حد بعيد، مستقبل المصرف خلال الأشهر المقبلة.
بموجب النظام السويسري الفريد، الذي يتيح تناوب كبار الوزراء على الرئاسة سنوياً، تشغل كارين كيلر-سوتر منصبي وزيرة المالية والرئيسة الحالية، وتتبنى إلى جانب البنك الوطني السويسري ( البنك المركزي) وهيئة الرقابة المالية «فينما» نهجاً مختلفاً تماماً عن السياسات التحررية لترامب، حيث هناك سعي لإضافة «اللمسة السويسرية» إلى المعايير التنظيمية العالمية.
ولهذا التوجه التنظيمي المتشدد مبرراته، إذ لم يمضِ سوى عامين على فقدان سويسرا أحد بنكيها العالميين، فقد شكل انهيار كريدي سويس، واستحواذ بنك يو بي إس عليه، في صفقة نسقتها الحكومة، ضربة قاسية لسمعة البلاد المعروفة بالاستقرار المالي والأمانة المصرفية، كما كانت الأزمة بمثابة صدمة شخصية لكيلر-سوتر، التي اضطرت للتعامل مع أزمة مالية كبرى بعد شهرين فقط من توليها وزارة المالية.
النتيجة المباشرة لهذا التوجه هي أن مصرف «يو بي إس» يجد نفسه الآن أمام احتمالية مواجهة قواعد تنظيمية أكثر صرامة مما يواجهه منافسوه العالميون. وعلى الرغم من الارتفاع الملحوظ لسعر سهم البنك في أعقاب فوز ترامب بالانتخابات الأمريكية إلا أنه تعرض لانخفاض حاد، وسريع في مطلع فبراير، عندما أصدرت المجموعة المصرفية تحذيراً بشأن التأثير المتوقع للقواعد التنظيمية المقترحة.
وتحظى بعض الإصلاحات المطروحة بإجماع واسع، فهناك اتفاق على ضرورة تعزيز دور وصلاحيات هيئة الرقابة المالية «فينما»، التي اتسمت تاريخياً بدور رقابي محدود مقارنة بنظيراتها في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، لتصبح هيئة رقابية أكثر فاعلية وصرامة، كما من المقترح إنشاء نظام خاص بمساءلة كبار المديرين، على غرار النظام البريطاني، الذي تم استحداثه عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008.
ويتمحور الخلاف الأبرز حول متطلبات رأس المال المصرفي، فالسلطات السويسرية ترى أن «يو بي إس»، الذي بات الآن أكبر حجماً، وأصبح يمثل خطراً أكبر على الاستقرار المالي في البلاد، بحاجة إلى تعزيز نسبة رأس المال الأساسي من الشريحة الأولى – وهو مؤشر مالي رئيسي، يقيس متانة القاعدة الرأسمالية للبنك، والهدف من هذه المتطلبات الجديدة هو رفع هذه النسبة من مستواها الحالي البالغ حوالي 14 % من الأصول المرجحة بالمخاطر – وهو مستوى يتماشى مع المعدلات العالمية – إلى نطاق يتراوح بين 17 و19 %، وهو ما قد يكلف المصرف ما يصل إلى 25 مليار دولار.
ويواجه «يو بي إس» تحدياً صعباً في إيجاد طريقة للتعامل مع اللوائح التنظيمية المشددة.
نظرياً يمكنه التلميح بنقل مقره الرئيسي (رغم أن ذلك سيكون عملية معقدة للغاية)، أو السعي للاندماج مع مصرف أوروبي آخر (رغم أن معظم المصارف الأوروبية ليست بنفس مستوى الربحية أو غير متوافقة معه من حيث نموذج الأعمال)، أو حتى التلميح بإمكانية الاستحواذ عليه من قبل مؤسسة مالية كبرى في وول ستريت، لكن هذا السيناريو غير مرجح، بسبب تحفظ الجهات التنظيمية العالمية على عمليات الدمج الضخمة، بالإضافة إلى أن السلطات السويسرية لن تقبل بفقدان آخر مصارفها الكبرى.
وقد تكون استراتيجية تقديم تنازلات بديلة أكثر فعالية في التفاوض مع السلطات التنظيمية.
ورغم تداعيات انهيار «كريدي سويس» فإن روح التوافق والوصول إلى حلول توفيقية تظل جزءاً أساسياً من الثقافة والهوية السويسرية، وهو ما قد يمنح بنك يو بي إس ومستثمريه سبباً للأمل بأن سويسرا لن تنحرف كثيراً عن المسار التنظيمي العالمي في نهاية المطاف.