هل حقاً تغير كل شيء بالنسبة للاقتصاد العالمي في 2025؟
(البيان)-08/01/2026
شهد عام 2025 تغيرات جذرية، ومع ذلك، يبدو أن شيئاً لم يتغير.
فقد رفعت الولايات المتحدة الرسوم الجمركية إلى أعلى مستوى لها منذ قرن تقريباً، وردت الصين بالمثل، وازدادت حالة عدم اليقين في السياسات العالمية.
ومع ذلك، لا يزال النمو العالمي متوقعاً بنسبة 3.2%، وهو ما توقعه المتنبئون قبل عام عندما لم تكن هذه الاضطرابات تلوح في الأفق.
لكن لا تنخدعوا فمن الخطأ الاعتقاد بأن الاقتصاد العالمي بمنأى عن حروب الرسوم الجمركية والفوضى السياسية.
لقد رأينا هذا السيناريو من قبل، وذلك عندما تم إقرار استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم من الزيادة الحادة في حالة عدم اليقين، كان التأثير الاقتصادي ضئيلاً في البداية.
لكن بعد عقد من الزمان، تشير التقديرات إلى أن المملكة المتحدة خسرت ما بين 6 إلى 8% من ناتجها المحلي الإجمالي مقارنة بمسارها قبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. الدرس بسيط: الضرر الهيكلي يظهر ببطء، ودائماً بعد فوات الأوان لعكسه.
إذن، لماذا لم يشعر العالم بوطأة الرسوم الجمركية حتى الآن؟ يكمن جزء من الإجابة في أن الرسوم الجمركية الفعلية تبلغ حوالي نصف ما أعلنته الولايات المتحدة بفضل العديد من الاستثناءات. ومع ذلك، فإن نسبة 14% لا تزال تمثل ارتفاعاً كبيراً كان لتبعاته جانبان معاكسان:
أولاً، أسهم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي والارتفاع الكبير في سوق الأسهم، مدفوعاً بالتفاؤل بشأنه، في دعم النمو الأمريكي وإنعاش اقتصادات مثل تايوان وكوريا الجنوبية التي تصدّر سلعاً متعلقة بالذكاء الاصطناعي.
ثانياً، اتسمت السياسة المالية بتوسع أكبر، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل بشكل أكبر في ألمانيا والصين.
وقد حجبت هذه العوامل التأثير السلبي للرسوم الجمركية الأمريكية والردود الصينية. كما جعلت عام 2025 يبدو أكثر استقراراً مما كان عليه في الواقع.
إن الاقتصاد العالمي أكثر هشاشة مما توحي به الأرقام المعلنة، خاصة هشاشة قطاع الذكاء الاصطناعي.
وقد بدأ المستثمرون أخيراً في التساؤل عن الفجوة بين التقييمات المرتفعة للغاية للذكاء الاصطناعي والعوائد الفعلية منه.
ولذلك، عوقبت شركات مثل ميتا، التي أعلنت عن زيادات هائلة في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي دون وجود تدفقات مقابلة للإيرادات.
وهي ليست الوحيدة. وستواجه شركات الذكاء الاصطناعي قريبًا تحديًا كبيرًا: فالتكاليف عالية للغاية، ما يعني ضرورة رفع الاشتراكات. ولن يكفي مبلغ 20 دولاراً شهرياً لتغطية التكاليف أو دعم سباق تطوير البنية التحتية في مواجهة المنافسين الجدد.
ولا يتعلق الأمر هنا بإمكانيات الذكاء الاصطناعي، التي يُرجّح أن تكون تحويلية، بل يتعلق بالربحية. فمع الضغوط التنافسية الظاهرة والخفية، يبقى خطر حدوث تصحيح اقتصادي على غرار فقاعة الإنترنت قائماً.
في الوقت نفسه، فإنّ ما يشار إليه حول «المرونة» في مواجهة الرسوم الجمركية مُضلّل للغاية.
فقد كانت الرسوم الجمركية باهظة، خاصة على الأمريكيين، رغم أن الشركات الأمريكية تحملت نحو 95% من التكاليف، ولم يُنتقل سوى جزء ضئيل منها إلى المستهلكين.
ومع ذلك يبقى هذا «الجزء الضئيل» مهما: فقد أضافت الرسوم الجمركية وحدها 0.7 نقطة مئوية إلى التضخم.
ولولاها، لكان التضخم قد انخفض إلى 2% هذا العام، وهو الهدف الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي. لكن بدلاً من ذلك، تسببت الرسوم الجمركية في خسارة الأسرة الأمريكية العادية 600 دولار. وستتضح آثار الرسوم الجمركية بشكل أكبر في عام 2026 مع تراجع المرونة التي وفرتها الواردات المُسبقة.
من جانبها، يتعين على الصين مواجهة بعض الحقائق غير المريحة. فاستمرار الاعتماد على النمو القائم على التصدير أمر غير مستدام، وخطة بكين الخمسية الجديدة، التي تُعطي الأولوية لتخصيص الموارد لقطاعات التكنولوجيا على حساب تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي وزيادة الاستهلاك، تُنذر بتفاقم الاختلالات الهيكلية.
أما أوروبا، فقد تحلت بالمسؤولية من خلال الدفاع عن نظام عالمي قائم على القواعد، لكنها لا تزال بحاجة إلى إجراء إصلاحات داخلية خاصة بها.
لذلك، يجب على الاتحاد الأوروبي تعزيز سوقه الموحدة، ورفع الإنتاجية، وترسيخ مكانته كوجهة جاذبة لرؤوس الأموال العالمية الساعية إلى التنويع.
أما الولايات المتحدة، فهي لا تقدم أي مساعدة. فقطع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي – أكبر شركائها الاقتصاديين – يعد استراتيجية اقتصادية خاطئة.
وبينما لا تحدث أي كارثة بين عشية وضحاها، يحاول الأوروبيون بهدوء وتدريجياً فك ارتباطهم بالبنية التحتية المالية الأمريكية، وباتوا يشككون في اعتمادهم على فيزا وماستركارد. قبل عام واحد فقط، كان هذا الأمر مستحيلاً.
وهكذا، فإن حقيقة الأمور تقول إن 2025 كان عام التغيير الجذري. والسؤال الآن هو: هل سيكون 2026 عام تصحيح المسار؟ ثمة فرصة سانحة، حيث تتولى الولايات المتحدة رئاسة مجموعة العشرين، وفرنسا رئاسة مجموعة السبع.
وبإمكانهما معاً حث العالم على اتخاذ إجراءات لاستعادة الاستقرار إلى نظام عالمي مضطرب ومتزايد التشرذم. أما إذا تقاعسنا عن العمل، ستتدهور مستويات المعيشة في كل مكان، وستفقد السياسات الانعزالية التي تحظى اليوم بتأييد شعبي شعبيتها.
كما أن حينها قد يكون الأوان قد فات.
