صمود الأسواق الناشئة والمرونة الاقتصادية المذهلة
(العربية)-11/02/2026
محمد بن عبد الله الجدعان*
كان يُعتقد سابقًا أن الأسواق الناشئة تتأثر سلبًا عند تعطل الاقتصادات المتقدمة. لكن هذا لم يعد صحيحًا. ففي أعقاب الصدمات العالمية الأخيرة، مثل ارتفاع التضخم بعد الجائحة وموجة جديدة من الرسوم الجمركية، صمدت الأسواق الناشئة بشكل جيد. واستمر تباطؤ التضخم، وحافظت العملات عمومًا على قيمتها، وبقيت تكاليف إصدار الديون عند مستويات معقولة. ولم تظهر أي بوادر للاضطرابات المالية التي رافقت الصدمات الاقتصادية السابقة.
في الواقع، عززت الأسواق الناشئة دورها كمحرك رئيسي للنمو العالمي، حيث تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي أكثر من مرتين منذ 2000. وتمثل الأسواق الناشئة العشر في مجموعة العشرين وحدها الآن أكثر من نصف النمو العالمي.
وبينما ساهمت الظروف الخارجية الداعمة في مرونة الأسواق الناشئة المذهلة، كان للسياسات والمؤسسات التي تدعمها دورٌ بالغ الأهمية أيضًا. ازدادت استقلالية البنوك المركزية، مع تحديد أهداف تضخمية أكثر وضوحًا وتقليل اعتمادها على تدخلات سوق الصرف الأجنبي لامتصاص الصدمات. كما باتت أسواق ناشئة أخرى تستخدم قواعد مالية لفرض انضباط مالي.
ففي البرازيل، على سبيل المثال، أثمرت الإصلاحات النقدية في جهود البلاد لمكافحة التضخم. فبالاستناد إلى إطار استهداف التضخم الذي أُنشئ 1999، كانت البرازيل من أوائل الدول التي رفعت أسعار الفائدة مع ارتفاع الأسعار خلال الجائحة. ومنذ ذلك الحين، حسّنت إطارها، ومن المتوقع الآن أن تصل إلى هدفها البالغ 3% العام المقبل.
وبالمثل، نفّذت نيجيريا إصلاحات صارمة لتحسين إطار تسعير الطاقة لديها والتخلص التدريجي من تمويل البنك المركزي لعجز الموازنة. أما مصر، فتمضي قدمًا في خططها لتوسيع قاعدتها الضريبية، بما في ذلك توسيع ضريبة القيمة المضافة، وسد الثغرات، ورقمنة الإدارة الضريبية.
ولكن على الرغم من أن الأسواق الناشئة قد حققت خطوات كبيرة في تحسين أطر سياساتها وتعزيز مصداقيتها، إلا أن هذا ليس وقتًا للتراخي. يعكس أداؤها القوي أخيرًا ظروفًا مواتية، مثل انخفاض أسعار الفائدة، والظروف المالية الميسرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
ومع ذلك، لم تُترجم مرونة الأسواق الناشئة بعد إلى نمو أسرع. فبعد مرور ست سنوات تقريبًا على تفشي جائحة كوفيد-19، يشهد الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية نموًا أبطأ مما كان عليه قبل الجائحة، وهو اتجاهٌ أعاق تحقيق هدف سد فجوة الدخل مع الاقتصادات المتقدمة. وفي الوقت نفسه، قد تُصعّب التحولات العميقة في الجغرافيا السياسية والتجارة والتكنولوجيا والتركيبة السكانية على الأسواق الناشئة اللحاق بالركب.
في عالمٍ يُرجّح أن يبقى مضطربًا لبعض الوقت، تحتاج الأسواق الناشئة إلى المضي قدمًا في إصلاحات مُركّزة. ويتعين على كل دولة تحقيق التوازن بين السياسات المُحفّزة للنمو والحفاظ على المرونة الاقتصادية (من خلال الاحتياطيات وغيرها من الأدوات التي توفر الحماية في فترات الركود).
وتتطلب تهيئة الظروف لانطلاقة نمو جديدة غنية بالوظائف تعزيز بيئة الأعمال لحشد المستثمرين المحليين وجذب رؤوس الأموال الأجنبية. وستؤدي المؤسسات والحوكمة الفعّالة إلى أسواق مالية أكثر عمقًا، تُمكّن الشركات الأكثر ديناميكية وواعدة من النمو. يجب على صانعي السياسات أيضًا تهيئة اقتصاداتهم للاستفادة من المكاسب الإنتاجية المحتملة للذكاء الاصطناعي.
فعلى سبيل المثال، كشفت المملكة العربية السعودية والهند ودول أخرى في مجلس التعاون الخليجي عن استثمارات ضخمة في البنية التحتية ستضع الأساس لتبني الذكاء الاصطناعي لعقود مقبلة. وينبغي للأسواق الناشئة الأخرى، حيثما أمكن، أن تحذو حذوها.
كما تتمتع بعض الأسواق الناشئة بميزة وجود شريحة واسعة من الشباب في سن العمل، سريعة النمو، والمتعطشة للفرص. ويمكن لهذه الميزة الديموغرافية أن تُدرّ عوائد هائلة، ولكن بشرط أن تستثمر الدول بشكل كبير في التعليم والتدريب لإعداد كوادرها لمواجهة التحديات المستقبلية.
ورغم أن التوترات في التحالفات القديمة قد زادت من حالة عدم اليقين، إلا أن المشهد الجيوسياسي والتجاري المتغير يتيح فرصًا لأشكال جديدة من التكامل والتعاون. وتلعب الأسواق الناشئة بالفعل دورًا رائدًا في هذا التحول. فمن جنوب شرق آسيا إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية، تعمل التكتلات الإقليمية على بناء روابط تجارية جديدة وتعميق العلاقات الاقتصادية والمالية لأعضائها.
ومع ازدياد النفوذ الاقتصادي للأسواق الناشئة، ازداد تأثيرها في النقاشات العالمية. تتزايد وتيرة تضافر جهود هذه الاقتصادات لمناقشة سبل الاستفادة من حجمها المتنامي وتعزيز قدرتها على الصمود التي اكتسبتها بشق الأنفس.
ويُعدّ هذا الموضوع محور اهتمام مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، الذي يُعقد هذا الأسبوع في مدينة العلا. ويجمع هذا الحدث السنوي، الذي تنظمه السعودية بالاشتراك مع صندوق النقد الدولي، صانعي السياسات وقادة الأعمال والمفكرين الاقتصاديين لرسم مسارٍ لهذه الاقتصادات. وسيعمل قادة الأسواق الناشئة على وضع خططٍ لتحقيق الازدهار
في عالمٍ يشهد تحولاتٍ في الشراكات، يُشددون على استمرار الانفتاح والتعاون. هدفهم المشترك هو مواجهة التقلبات العالمية بسياسات اقتصادية سليمة تُعزز القدرة على الصمود وتُساعد شعوبهم على تحقيق مزيدٍ من الازدهار والأمان.
