الذكاء الاصطناعي يقود الاقتصاد العالمي
(القبس)-12/01/2026
اتفقت كبرى البنوك والمؤسسات المالية العالمية على أن الذكاء الاصطناعي كان المحرك الأبرز للنشاط الاقتصادي والاستثماري في عام 2025، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها هذا القطاع. ورغم الإجماع على استمرار موجة الاستثمار خلال عام 2026، فإن التقديرات اختلفت بشأن حجم العوائد المتوقعة، والمخاطر المصاحبة، وما إذا كانت الأسواق تقترب من ذروة دورة استثمارية استثنائية أم لا تزال في بدايتها.
يُعد «جيه بي مورغان» من أكثر البنوك تفاؤلًا بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي، إذ يرى أن هذه التقنية ستواصل إحداث تحولات عميقة في الاقتصاد العالمي والفرص الاستثمارية. ويتوقع البنك أن تتجاوز استثمارات شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى 500 مليار دولار، مقارنة بنحو 150 مليار دولار في 2023، بما يعادل قرابة ربع إجمالي الإنفاق الرأسمالي في السوق الأمريكية، وفق الشرق بلومبيرغ.
ويشير البنك إلى أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا يزال محدودًا نسبيًا قياسًا بحجم الاقتصاد العالمي، إذ لا يتجاوز حاليًا %1 من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل نسب تراوحت بين %2 و%5 خلال دورات استثمارية تاريخية كبرى، مثل الكهرباء والسكك الحديد والاتصالات، ما يعني أن الطفرة الحالية لا تزال في مراحلها الأولى.
من جهتها، ترى «بلاك روك» أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل الاقتصادات والأسواق خلال 2026، مشيرة إلى أن الاستثمار في هذا القطاع في الولايات المتحدة تضاعف ثلاث مرات مقارنة بمتوسطه التاريخي.
من هم المستفيدون الحقيقيون؟
يؤكد بن باول، كبير إستراتيجيي الاستثمار لمنطقة آسيا في «بلاك روك»، أن موجة الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لم تبلغ ذروتها بعد، وأن شركات التكنولوجيا الكبرى لا تزال تتسابق لتعزيز قدراتها التنافسية دون مؤشرات واضحة على تباطؤ الاستثمار.
ويرى باول أن المستفيدين الرئيسيين من هذه الدورة لا يقتصرون على مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي، بل يشملون بالأساس الشركات التي توفر البنية التحتية اللازمة، مثل مصنعي الرقائق، وشركات الطاقة، وموردي النحاس، ومعدات الشبكات، في ظل الطلب المتسارع على مراكز البيانات وقدرات المعالجة.
أما «باركليز» فيتوقع أن ينتقل مركز الثقل الاستثماري تدريجيًا من الشركات المطورة للتقنية إلى الشركات التي تتبناها وتوظفها، خصوصًا في قطاعات الرعاية الصحية والدفاع والأمن السيبراني.
محرّك للأرباح
من بريطانيا، يرى «إتش إس بي سي» أن التشاؤم بشأن ضعف العوائد من استثمارات الذكاء الاصطناعي مبالغ فيه، مؤكدًا أن الابتكار سيظل المحرك الرئيسي لنمو أرباح الشركات عالميًا خلال 2026. كما يشير إلى أن آسيا ستشكل إحدى أهم ساحات النمو، مع بروز الصين واليابان وكوريا الجنوبية كاقتصادات تقودها الابتكارات، في حين تظل هونغ كونغ وسنغافورة جذابتين بفضل تقييماتهما المنخفضة وعوائد الأرباح المرتفعة.
ويضيف البنك أن موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تدفع إلى تسارع الإنفاق على مراكز البيانات، ما يعزز الطلب على الطاقة ويوفر فرصًا واسعة في قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات المالية والمرافق.
وفي السياق نفسه، يرى «دويتشه بنك» أن الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي سيكون من العوامل الداعمة لارتفاع الأسواق خلال 2026.
عوائد أقل
على الجانب الأكثر تحفظًا، يتوقع «غولدمان ساكس» أن يستمر إنفاق الشركات الكبرى على الذكاء الاصطناعي بوتيرة تفوق التوقعات، لكنه يرجح أن تبقى العوائد محدودة نسبيًا في المدى القريب. ويشير إلى أن هذه التقنية تقود نموًا غير مسبوق في قطاعات أشباه الموصلات والبرمجيات والأمن السيبراني والخدمات المالية، وأن المحللين دأبوا على التقليل من حجم الإنفاق الفعلي خلال العامين الماضيين.
ورغم عدم تقديمه رقمًا محددًا لاستثمارات 2026، يتوقع البنك أن يقترب الإنفاق السنوي من تريليون دولار بحلول 2027.
مخاطر التركّز
يتفق «فانغارد» مع الرأي القائل إن دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا تزال في بدايتها، مشيرًا إلى تعهد شركات كبرى مثل «أمازون» و«ألفابت» و«مايكروسوفت» و«إنفيديا» و«أبل» و«تسلا» و«أوراكل» بإنفاق يصل إلى 2.1 تريليون دولار حتى 2027. لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن هذه المرحلة قد تنتج مشهدًا استثماريًا محدود الفرص وعالي المخاطر في حال لم تتحقق العوائد المرجوة.
وفي السياق ذاته، يشدد «ستاندرد تشارترد» على ضرورة عدم حصر الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا وحده، في ظل اتساع الفجوات بين القطاعات والأسواق.
من الإنفاق إلى العائد
يحذر «بنك أوف أمريكا» من أن العوائد المستقبلية على استثمارات الذكاء الاصطناعي قد تكون أقل من دورات الاستثمار السابقة، رغم استمرار التدفقات النقدية القوية. ويشير إلى أن التركيز بدأ يتحول من كثافة الإنفاق إلى تحقيق العوائد وتعزيز المزايا التنافسية.
ويقدّر البنك أن الإنفاق على مراكز البيانات ساهم في رفع نمو الناتج المحلي في الولايات المتحدة والصين بنحو 1.4 إلى 1.5 نقطة مئوية في الفصول الأخيرة، ويتوقع استمرار هذا الأثر خلال 2026. كما يرى أن فرص الإيرادات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تتجاوز تريليون دولار خلال خمس سنوات.
أما «مورغان ستانلي» فيتوقع أن يهيمن التمويل المرتبط بالتكنولوجيا على أسواق الائتمان، مع إنفاق رأسمالي على مراكز البيانات قد يصل إلى 3 تريليونات دولار، لم يُنفذ منها سوى أقل من %20 حتى الآن.
تباطؤ في الأفق
تتوقع «فرانكلين تمبلتون» أن يشهد الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي تباطؤًا في 2026 بعد تجاوز المستويات التاريخية في 2025، نتيجة سياسات التجارة العالمية وتسريع الشركات مشترياتها قبل فرض رسوم جمركية. لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن الاستثمار في هذا القطاع لا يزال في بدايته، وأن خطط الإنفاق الضخمة ستطلق دورة جديدة في استثمارات الطاقة.
ورغم الحديث المتزايد عن احتمال تشكل «فقاعة ذكاء اصطناعي»، ترى الشركة أن التركيز يجب أن يبقى على الإمكانات طويلة المدى للتقنية.
تحديات التبني وأسعار الطاقة
يتبنى «سيتي» موقفًا حذرًا، محذرًا من مخاطر في التقييمات، رغم إقراره بدور الذكاء الاصطناعي في دعم النشاط الاقتصادي خلال 2025. ويرى أن تبني التكنولوجيا لن يكون سلسًا بالكامل، وأن تراجعًا حادًا في القطاع غير مرجح لكنه يبقى أحد المخاطر المحتملة.
أما «بي إن بي باريبا» فيتوقع أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى رفع الإنتاجية على المدى الطويل، لكنه قد يفرض ضغوطًا على أسعار الطاقة في الأجل القريب.
