الخليج يتجه إلى اقتصاد الابتكار في الطاقة
(القبس)-13/01/2026
في وقت تتسارع فيه التحولات العالمية في قطاع الطاقة، وتشتد فيه المنافسة بين الاقتصادات الكبرى على قيادة مستقبل التقنيات النظيفة، يعود إلى الواجهة سؤال جوهري يتعلق بمصير اقتصادات المنطقة: كيف سيكون شكلها في العقود المقبلة؟ وإلى أي مدى تستطيع الانتقال من نموذج يعتمد على النفط إلى اقتصاد تقوده المعرفة والابتكار؟
في هذا السياق، أفاد تقرير نشره موقع ذا ناشيونال أن الابتكار في مجال طاقة المستقبل يجب أن يتحول إلى الركيزة الأساسية لاقتصادات دول الخليج.
ويستشهد التقرير بمقارنة لافتة: فبينما باع أكبر مصدر للنفط في العالم، السعودية، خلال العام الماضي نحو 190 مليار دولار من النفط، حققت الصين في الفترة نفسها حوالي 240 مليار دولار من صادرات التقنيات النظيفة. ومع انطلاق القمة العالمية لطاقة المستقبل، تبرز آفاق جديدة تدعو إلى جعل الابتكار في مجال الطاقة عمادًا رئيسيًا للاقتصاد.
ويشير التقرير إلى أن الآراء حول الطلب المستقبلي على النفط والغاز تختلف على نطاق واسع، لكن حتى مع تبني النظرة المتفائلة لمنظمة أوبك، وافتراض زيادة الحصة السوقية لدول «أوبك+»، فمن غير المرجح أن تنمو مبيعاتها بأكثر من %1 سنويًا حتى عام 2050. وحتى إذا بقيت الأسعار مستقرة تقريبًا بدلًا من أن تنخفض، فإن ذلك لن يكون كافيًا لتحقيق الطموحات الاقتصادية الكبرى لدول الخليج.
الطاقة الشمسية والهيدروجين
ويبيّن التقرير أن عدداً من دول الشرق الأوسط أصبح بالفعل في طليعة الدول عالميًا في مشاريع الطاقة الشمسية الضخمة منخفضة التكلفة، كما أن مشاريع البطاريات تلحق بها بسرعة، في حين يمثل إنتاج الهيدروجين طموحًا واسع النطاق في السعودية وسلطنة عمان. وتوفر هذه التطورات بصمة كربونية أقل ونظام طاقة محلي أرخص، كما تثبت للمتشككين أنها قد تكون، على الأقل، بنفس موثوقية الكهرباء التقليدية المعتمدة على الوقود الأحفوري.
ويضيف التقرير أن الخطوة الحاسمة التالية تتمثل في البناء على هذه الإنجازات لإنشاء أعمال جديدة مبتكرة وواسعة النطاق في مجال الطاقة، تركز على التصدير. لكنه يوضح في الوقت نفسه أن تصنيع الألواح الشمسية أو البطاريات لمنافسة العملاق الصيني سيكون بالغ الصعوبة، خصوصًا في ظل بروز دول مثل فيتنام والهند كمستوى ثانٍ من الموردين العالميين.
وفرة رأس المال
ويلفت التقرير إلى أن دول الشرق الأوسط تمتلك مجموعة من المزايا المهمة، من بينها وفرة رأس المال في العديد منها، وامتلاكها موارد استثنائية من الطاقة المتجددة والأحفورية، فضلًا عن الإمكانات الجيولوجية لاحتجاز الكربون والهيدروجين الطبيعي، إضافة إلى انفتاحها النسبي على الابتكار وتقبّل المخاطرة.
ويؤكد أن دول المنطقة تتمتع بميزة إضافية مهمة تتمثل في وجود شركات وطنية رائدة في مجال الطاقة النظيفة. وقد بنت هذه الشركات محافظ واسعة من مشاريع الطاقة المتجددة والبطاريات في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى والهند وأوروبا وغيرها، ما يعرّضها للمنافسة الدولية ويمنحها في الوقت نفسه ساحة اختبار حقيقية للتقنيات الجديدة ونماذج الأعمال المبتكرة.
وفي المقابل، يشير التقرير إلى أن هناك مجالات أخرى تحتاج إلى مزيد من العمل. فعلى الرغم من وجود مؤسسات تقدم إسهامات مهمة في تقنيات الطاقة وأبحاث المناخ، فإن منطقة الخليج لا تزال بحاجة إلى أن تصبح أكثر حيوية من الناحية الفكرية، خاصة في ظل الفرصة المتاحة لاستقطاب باحثين تضرروا من التسييس في الولايات المتحدة أو من نقص التمويل في أوروبا.
الرهانات الكبرى
ويبيّن التقرير أن رأس المال المخصص للابتكار الحقيقي أصبح أكثر توفرًا، لكنه يحتاج إلى أن يكون على نطاق أوسع، وأن يكون مستعدًا لتحمل رهانات كبيرة ومحفوفة بالمخاطر، تتجاوز نطاق البرمجيات وخدمات المستهلك.
كما يوضح أن الاقتصاد الإقليمي، خارج إطار الشركات الحكومية العملاقة، يحتاج إلى إنشاء عدة شركات كبرى تستوفي أربعة معايير أساسية: أن تبلغ قيمتها السوقية عشرات المليارات من الدولارات، وأن تضم نحو 10 آلاف موظف أو أكثر، وأن تكون لها روابط واسعة داخل الاقتصاد المحلي، وأن تأتي معظم إيراداتها من التصدير، ويفضل أن يكون ذلك إلى خارج المنطقة.
شبكات الكهرباء
ويتطرق التقرير إلى أن موازنة شبكات الكهرباء أصبحت أكثر تعقيدًا، مع تزايد الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة المتقلبة، مثل الرياح والشمس، وظهور أحمال جديدة وكبيرة مثل شحن السيارات الكهربائية، وانتشار الألواح الشمسية على المنازل والشركات. وفي كثير من الدول، تحتاج الشبكات إلى التوسع، لكن تعارض استخدامات الأراضي وتعقيد إجراءات الموافقات يشكلان عائقًا حقيقيًا أمام ذلك.
وفي المقابل، يشير التقرير إلى أن التحسن الكبير في تقنيات البطاريات، والتقدم في أنظمة المراقبة والتحكم المدعومة بالذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، يمنحان مديري الشبكات قدرة أكبر على ضمان الموثوقية وخفض التكاليف والانبعاثات في آن واحد.
إزالة الكربون
ويشدد التقرير على أن الإرث الماضي والمستمر من الانبعاثات يجعل من الضروري العمل على إزالة الكربون من الغلاف الجوي، وهو ما يتطلب إيجاد شركات يتم تعويضها بشكل عادل مقابل القيام بهذه المهمة. ومن بين الأساليب المبتكرة المطروحة تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى معادن صلبة تحت الأرض.
كما يتحدث التقرير عن تحالف تجار الانبعاثات الصفرية، الذي يروّج لآليات الدفع مقابل احتجاز الكربون وإزالته من الغلاف الجوي وعزله بيولوجيًا، إلى جانب مبادرات أخرى تستخدم غابات المانغروف كوسيلة طبيعية لحبس الكربون.
ويبيّن التقرير أن مناخ الخليج الحار، إلى جانب إرث التصاميم العمرانية غير الملائمة في كثير من الأحيان، يفرضان ضرورة إعادة التفكير جذريًا في كفاءة الطاقة، ولا سيما في مجال التبريد.
ويتناول التقرير أيضًا مسألة المعادن الحيوية اللازمة لهذه الأنظمة الجديدة للطاقة، موضحًا أن احتياجات هذه المواد تتغير باستمرار بفعل التطورات التكنولوجية والاضطرابات الجيوسياسية. ويؤكد أن الخليج يمكن أن يكون مكانًا مثاليًا لمعالجة أو إعادة تدوير بعض هذه المعادن بطريقة منخفضة الانبعاثات.
أمل في عالم مضطرب
أكد موقع ذا ناشيونال في ختام تقريره أنه في عالم يزداد قلقًا بشأن المناخ، وغالبًا ما تطغى فيه الاضطرابات السياسية والمخاوف الاقتصادية والدعاية السلبية على القضايا البيئية، فإن هذه الابتكارات تمنح قدرًا حقيقيًا من الأمل، مشيرًا إلى أن القمة العالمية لطاقة المستقبل تمثل تذكيرًا بأهمية التفكير على نطاق عالمي، والنظر بعيدًا إلى الأمام، وبناء اقتصاد الخليج الجديد على أساس الابتكار في مجال الطاقة.
