من الجهوزية إلى الاقتصاد الرقمي: لماذا تتأخر الدولة اللبنانية؟
(النهار)-13/01/2026
وسيم منصور*
هل لبنان جاهز فعلًا لدخول العالم الرقمي؟ سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يختصر مفترقاً وطنياً حاسماً: هل نملك المقومات للانتقال إلى اقتصاد رقمي منتج، أم أننا ما زلنا عالقين في حلقة “القدرة المجتمعية” في مقابل “العجز المؤسسي”؟
للإجابة، لا يكفي أن ننظر إلى سرعة الإنترنت أو عدد التطبيقات أو مستوى الحضور على وسائل التواصل. “الجهوزية الرقمية” كما تقيسها المؤشرات العالمية ليست مسألة تقنية بحتة، بل “خلطة” متكاملة تضم الإطار السياسي والتنظيمي، والابتكار وريادة الأعمال، والبنية التحتية، والكلفة، والمهارات، ثم استخدام التكنولوجيا لدى الأفراد والشركات والحكومة، وصولًا إلى الأثر الاقتصادي والاجتماعي.
وعندما نقرأ نتائج مؤشرات دولية مثل Networked Readiness Index (بحسب منهجياتها المختلفة عبر السنوات)، وتقاطعاتها مع مقاربات إقليمية كأدبيات البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي حول التحول الرقمي في دول المشرق، يظهر مسار واضح رغم تعقيد الصورة: ففي تقرير Mashreq 2.0 لعام 2016 حلّ لبنان في المرتبة 88 من أصل 143 دولة. أمّا في تقرير Portulans Institute لعام 2023، فقد جاء لبنان في المرتبة 96 من أصل 134 اقتصاداً. ومع اختلاف المنهجية بين النسختين، فإن تغيّر الترتيب يعكس استمرار فجوة أساسية: جهوزية مجتمعية لا تقابلها قدرة مؤسسية كافية لترجمتها إلى إنتاجية ونمو. بمعنى مختصر: الاستعداد موجود… لكن التحويل إلى نتائج ما زال متعثراً.
المجتمع متقدّم رغم كل شيء
إذا أردنا أن ننصف الواقع، فلا يمكن تجاهل ما يملكه لبنان من عناصر قوة “مجتمعية”: شباب متعلم ومؤهل رقمياً، قطاع خاص أثبت قدرة عالية على الصمود، وشركات ناشئة وفرق تقنية تبتكر حتى في أقسى الظروف. هذه ليست شعارات؛ إنها حقيقة يلمسها كل من يتعامل مع السوق اللبنانية عن قرب.
لكن المشكلة تبدأ عندما نحاول تحويل هذه الطاقة إلى اقتصاد رقمي فعلي: وظائف نوعية، صادرات خدمات رقمية، جذب استثمارات طويلة الأمد، وتحسين أداء الدولة نفسها عبر رقمنة خدماتها. هنا تحديداً يظهر “عنق الزجاجة” الحقيقي: الإطار القانوني والتنظيمي، الحوكمة، والبنى التحتية المؤسسية التي يفترض أن تحوّل الجهوزية إلى إنتاجية. وهذا بالضبط ما تشير إليه الدراسات الدولية: فجوة واضحة بين جهوزية المجتمع وبين قدرة الدولة على مواكبة هذه الجهوزية وترجمتها إلى نتائج.
كما أن الاستثمار العام في البنية التحتية الرقمية بقي محدوداً في محطات كثيرة، وغالباً ما طغت مقاربة التعامل مع القطاع كمصدر جباية وإيرادات قصيرة المدى بدل اعتباره محركاً للنمو. والنتيجة: مجتمع جاهز… لكن بيئة مؤسسية لا تساعده على الانطلاق. والتأخر لا ينعكس في القوانين والمؤسسات فحسب، بل يظهر أيضاً في تفاصيل البنية نفسها.
وإذا كان هذا التأخر يظهر في القواعد والمؤسسات، فهو ينعكس أيضاً في مؤشرات تقنية تُقاس عالمياً وتؤثر مباشرة على تكلفة الخدمة وثقة المستثمرين.
لماذا تُهمّنا “المؤشرات البنيوية”؟
وبنظرة سريعة إلى مؤشرات تقنية حديثة مثل IPv6، ونقاط تبادل البيانات المحلية (IXP)، وأمن التوجيه (RPKI/ROV)، وهي مصطلحات قد تبدو تخصصية، نجد أنها تُترجم مباشرة إلى مفاهيم يفهمها الجميع: استمرارية الخدمة، تكلفتها، أمنها، وثقة المستثمرين بها.
فعندما يكون اعتماد المعايير الحديثة محدوداً، يصبح الإنترنت أقل كفاءة وأكثر تكلفة، وتزداد المخاطر التشغيلية والأمنية. وحين لا تستفيد حركة البيانات من تبادل محلي فعّال، يصبح الاقتصاد “يدفع أكثر” لقاء خدمة “أقل جودة”، لأن المسارات أطول وأعقد، ولأن الاعتماد على الخارج يصبح أكبر؛ ما يضعف أيضاً السيادة الرقمية.
الإنترنت اقتصاد قبل أن يكون خدمة
الأخطر أننا في لبنان لا نزال نتعامل مع الإنترنت أحياناً كأنه “خدمة تقنية” منفصلة عن الاقتصاد. بينما الواقع أن الإنترنت اليوم هو بنية تحتية اقتصادية تشبه الكهرباء والمياه والطرق. وكل ضعف فيها ينعكس تكلفةً إضافية على الشركات، وقيوداً على الابتكار، وتراجعاً في القدرة التنافسية، ونفوراً للاستثمار.
ووفق أدبيات البنك الدولي، فإن زيادة 10% في انتشار الإنترنت العريض النطاق تعني قرابة 1% نمواً إضافياً في الناتج المحلي. الاستثمار في الإنترنت إذاً استثمار اقتصادي، شرط الحوكمة والمنافسة والثقة. لكن هذه المعادلة لا تعمل من دون “ثقة” تُطمئن المستثمر والمستهلك معاً.
وهنا تحديداً تصبح “الثقة” الشرط الاقتصادي الأهم: من دون قواعد شفافة ومؤشرات قياس، لا استثمار مستداماً ولا إنتاجية.
الثقة هي العملة الأقوى لجذب الاستثمار
المستثمرون لا يبحثون عن سرعة أعلى فقط. هم يبحثون عن قواعد واضحة: حوكمة شفافة، مؤشرات أداء قابلة للقياس، بيئة تنافسية، واستقرار تنظيمي يمنحهم القدرة على التخطيط واستعادة رأس المال.
بمعنى آخر: المستثمر لا يشتري “سرعة” بل يشتري “وضوحاً”.
ولذلك، إذا أردنا أن يتحول لبنان إلى بلد “جاهز رقمياً”، علينا أن نربط البنية التحتية الرقمية بإصلاح مؤسسي واضح: قانون محدث وشامل، هيئة ناظمة فاعلة ومستقلة، شراكات واضحة مع القطاع الخاص ضمن قواعد عادلة، ومؤشرات أداء علنية (KPIs) تتيح للمواطن والمستثمر قياس النتائج لا الاستماع إلى الوعود.
حرّروا طاقات الناس قبل الأسلاك
في نهاية المطاف، لا يعاني لبنان من نقص في الكفاءات ولا في المعرفة ولا في الخبرات. ما ينقصه هو الإرادة المؤسسية لتفعيل الجهوزية الموجودة أصلًا في المجتمع وتحويلها إلى نمو رقمي حقيقي.
القرار المطلوب واضح: قواعد، شفافية، ومساءلة قبل أي سباق على السرعات.
إذا كان هدفنا لبنان “رقمياً”، فالأولوية ليست أن نضيف كابلات فقط، بل أن نصلح القواعد قبل السرعات، وأن نمنح ثقة قبل أن نطلب استثماراً.
الإنترنت ليس سرعة… الإنترنت ثقة.
*خبير اتصالات والمدير العام السابق لشركة “تاتش“
