بنك نيويورك (BNY Mellon) إستضاف أكبر مؤتمر مصرفي دولي لإتحاد المصارف العربية
مؤتمر «الحوار المصرفي العربي –الأميركي» في دورته الـ 12
حوار القطاع الخاص بين الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2025:
«تعزيز الإمتثال المالي في ظل مشهد عالمي سريع التطوّر»
في وقت تتّجه فيه الأنظمة المصرفية حول العالم إلى توسيع نطاق التعاون الدولي، بما يدعم إستقرار الأسواق المالية، ويُعزّز من فرص النمو الاقتصادي المستدام في المنطقة العربية، عقد إتحاد المصارف العربية الدورة الثانية عشرة من حوار القطاع الخاص بين الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (PSD) في مقر بنك نيويورك (BNY) في مدينة نيويورك، الولايات المتحدة. وقد جاء تنظيم هذا المنتدى الرفيع المستوى بالتعاون مع بنك الإحتياطي الفيدرالي في نيويورك (FRBNY) وبمشاركة صندوق النقد الدولي (IMF) ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ووزارة الخزانة الأميركية. وقد جمع الحدث نخبة من كبار المسؤولين والهيئات التنظيمية وقادة القطاع المصرفي من الولايات المتحدة والمنطقة العربية.
تحت شعار «تعزيز الإمتثال المالي في مشهد عالمي سريع التطور»، إنعقدت دورة العام 2025 من حوار القطاع الخاص بين الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (PSD) في وقت يشهد العالم تحوُّلاً تنظيمياً وتكنولوجياً عميقاً، فيما تواجه المؤسسات المالية في جميع أنحاء العالم تشديد المعايير الإحترازية، وتشديد الرقابة على مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وظهور تهديدات متطورة مثل غسل الأموال القائم على التجارة والجرائم المالية الإلكترونية.
وفي الوقت نفسه، أعادت التطورات التكنولوجية، ولا سيما الإستخدام المتزايد للذكاء الإصطناعي في الإمتثال، تشكيل كيفية تحديد المخاطر وإدارتها. وقد فاقمت هذه التطوُّرات الضغوط الهيكلية طويلة الأمد، بما في ذلك هشاشة علاقات البنوك المراسلة وتحدّيات دمج الأصول الرقمية في النظم المالية الخاضعة للتنظيم.
وفي هذا السياق، شكّل الحوار منصةً مناسبة لتعزيز التعاون عبر الإقليمي، مما مكّن أصحاب المصلحة في الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من مواجهة تحدّيات الإمتثال المشتركة وحماية النزاهة المالية عبر الحدود. ومنذ إنشائه في العام 2006، سعى الحوار إلى بناء الثقة وتعميق المشاركة التنظيمية وتعزيز الحلول التعاونية، وهي مهمة أكد عليها مؤتمر العام 2025 بوضوح.
وقد جمع المؤتمر عدداً كبيراً من المصرفـيين العرب (إتحادات وجمعيات مصارف)، ومصرفـيين من الولايات المتحدة، مع قادة ومسؤولين من السلطات الرقابية والتنظيمية والتشريعية الأميركية، لبحث المواضيع الراهنة حول التطورات الرقابية فـي ما يتعلق بالعقوبات وتعزيز العلاقة مع البنوك المراسلة، وذلك عطفاً على التطوُّرات والتعديلات الطارئة على المشهد الرقابي والتنظيمي.
علماً أن مؤتمر «الحوار المصرفي العربي – الأميركي» كان قد ناقش مستجدّات القوانين الأميركية المتعلقة ببرامج مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب للمؤسسات المالية، ومتطلّبات العلاقات مع البنوك المراسلة بما يُواكب المعايير والمتغيّرات الدولية، والأطر التنظيمية للأصول المشفّرة والعملات الرقمية والمدفوعات العابرة للحدود.
وتزامناً مع الإجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، أقام إتحاد المصارف العربية حفل إستقبال (16 تشرين الأول/ أكتوبر 2025) في العاصمة واشنطن.
أهمية حوار القطاع الخاص بين الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
يُعدُّ حوار القطاع الخاص بين الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مبادرةً طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز التعاون التنظيمي والمصرفي بين الولايات المتحدة والعالم العربي. وقد تأسس الحوار في العام 2006 من قِبل جهات معنية من القطاعين العام والخاص من كلا الجانبين، وعقد منذ ذلك الحين العديد من اللقاءات التي تهدف إلى تعزيز التفاهم المتبادل. ويعمل الحوار كجسرٍ يركز على السياسات بين السلطات الأميركية (مثل وزارة الخزانة والإحتياطي الفيدرالي) والجهات التنظيمية المالية والبنوك المركزية والمسؤولين التنفيذيين في البنوك في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ومن خلال إضفاء الطابع المؤسسي على هذا الحوار، يُوفر الحوار منصّةً مستدامةً لمعالجة القضايا ذات الإهتمام المشترك، من غسل الأموال والإمتثال للعقوبات إلى الإبتكار والشمول المالي، في بيئةٍ صريحةٍ وتعاونية.
وترتكز الرؤية الكامنة وراء هذه المبادرة على تعزيز إستقرار ونزاهة القطاع المصرفي في كلا المنطقتين، ويسعى إتحاد المصارف العربية وشركاؤه، من خلال إطار حوار القطاع الخاص، إلى تحقيق عدة أهداف رئيسية. تسعى هذه المبادرة إلى:
– تعزيز معايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب الصارمة، وتعزيز إجراءات مكافحة الفساد.
– دعم الإمتثال للوائح المتطورة لحماية النظام المالي من التهديدات الأمنية.
– تعزيز المشاركة البنّاءة والتواصل بين الأوساط المصرفية في الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
– تعزيز التعاون بين الجهات التنظيمية والإشرافية والقطاع الخاص في مواجهة تحدّيات الإمتثال المشتركة.
ومن خلال السعي لتحقيق هذه الأهداف، يُساعد منتدى التعاون بين الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مواءمة التوقعات التنظيمية وأفضل الممارسات بين مختلف الولايات القضائية، وقد أصبح هذا المنتدى «حدثاً طال إنتظاره» في التقويم المصرفي السنوي، إذ يجمع تحالفاً واسعاً من المؤسسات، بما في ذلك صندوق النقد الدولي وهيئات دولية أخرى، لتعزيز النزاهة والشمول الماليين بشكل جماعي.
في جوهره، يُمثل منتدى التعاون بين الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منتدىً موثوقاً به لمناقشة السياسات: فهو يُمكّن المصرفيين والجهات التنظيمية الأميركية والعربية من تبادل الخبرات، ومناقشة الإتجاهات الناشئة، وتنسيق الإستجابات لمخاطر الجرائم المالية والامتثال. ومع مرور الوقت، ساهم هذا الحوار في بناء ثقة أكبر بين شركاء المصارف المراسلة، وتحسين شفافية بنوك منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومرونتها، وضمان المضي قدماً في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب من خلال الجهود المشتركة. وقد واصلت نسخة العام 2025 هذا التقليد، مما عزّز أهمية القطاع الخاص كمحرّك للتعاون عبر الحدود في عصر التغيُّر السريع.
كلمات الإفتتاح
رئيس إتحاد المصارف العربية محمد الإتربي
تعزيز الشراكة بين القطاع المصرفي العربي والمؤسسات المالية الأميركية والدولية لدعم إستقرار الأنظمة المالية وتعزيز الشفافية والحوكمة
في كلمته الرئيسية، أكد محمد الإتربي، رئيس إتحاد المصارف العربية والرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، «أهمية تعزيز الشراكة بين القطاع المصرفي العربي والمؤسسات المالية الأميركية والدولية، بما يُسهم في دعم إستقرار الأنظمة المالية وتعزيز الشفافية والحوكمة، لا سيما في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام المالي العالمي»، مشدّداً على «ضرورة تكثيف الجهود المشتركة في مجالات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومواكبة التطورات التنظيمية العالمية، وخصوصاً في مجالات الأصول الرقمية المشفّرة، والتقنيات المالية الحديثة والمدفوعات العابرة للحدود».
وعبّر الإتربي عن نبرة تفاؤلية وحازمة في آنٍ واحد حيال الدور المتطوّر للإمتثال في القطاع المالي الحديث، مشيراً إلى «أن منتدى الإمتثال بين الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يُعزز كل عام الجسر بين المنطقة العربية والولايات المتحدة، جسر مبني على الثقة والتعاون والإلتزام المشترك بحماية سلامة النظام المالي العالمي».
وتأكيداً على موضوع المؤتمر، أشار الإتربي إلى «أننا نعيش في عصر يشهد تغيّرات هائلة، حيث تُحدث التقنيات الجديدة إضطرابًا في القطاع المالي، وتتحوّل التيارات الجيوسياسية، وتُشكل تهديدات الجرائم المالية والهجمات الإلكترونية والعقوبات إختباراً لمرونة المؤسسات.
أضاف الإتربي: «في هذا السياق، مع التحدّيات تأتي الفرص، فالإمتثال، الذي كان يُنظر إليه سابقاً على أنه عبء تنظيمي، أصبح الآن مفتاح المصداقية والإستدامة والنمو في الأسواق العالمية، والأساس الذي تُبنى عليه الثقة، فالثقة نفسها هي جوهر التمويل الحديث»، موضحاً أن التحوّل الملحوظ في وظيفة الإمتثال على مدى العقدين الماضيين: ما بدأ كتركيز ضيّق على مكافحة غسل الأموال ومعرفة العميل توسع ليشمل إطاراً شاملًا يشمل تمويل مكافحة الإرهاب والعقوبات والشفافية الضريبية والأمن السيبراني وحتى إعتبارات الحوكمة البيئية والإجتماعية والمؤسسية».
وأكد الإتربي «أن الإمتثال لم يعد تفاعلياً، بل أصبح تنبؤياً ومدفوعاً بالتكنولوجيا، مستفيداً من التحليلات المتقدمة ومراقبة المعاملات في الوقت الفعلي والذكاء الإصطناعي وحلول سلسلة الكتل (البلوكتشين) للكشف عن الشذوذ وتخفيف المخاطر قبل تفاقمها. يعني هذا التطوّر أن الإمتثال نظام حيّ ومتكيّف، حيث يجب أن يتطوّر بإستمرار لمواجهة التهديدات المتطوّرة بشكل متزايد»، والأهم من ذلك، أكد الإتربي «أن البنوك العربية لا تقف مكتوفة الأيدي في هذا التطور».
وقال الإتربي: «نحن نمضي قدماً، ونحوّل الإمتثال من درع دفاعي إلى محرّك إستباقي للإبتكار والمرونة والقدرة التنافسية. وتستثمر البنوك الإقليمية في الموارد البشرية، من خلال تدريب أجيال جديدة من قادة الإمتثال، وتسخير التكنولوجيا، نشر الذكاء الإصطناعي والتعلم الآلي وأدوات التكنولوجيا التنظيمية، للبقاء في صدارة المخاطر الناشئة. كما أنهم يتبنّون الشفافية ليس فقط لإرضاء الجهات التنظيمية ولكن لأن العملاء والشركاء والمجتمعات يطالبون بها».
وتتمثل الرؤية، كما أوضح الإتربي، في «ألاّ تكتفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالوفاء بالمعايير الدولية فحسب، بل أن تكون قدوة في الريادة في الامتثال، مستفيدة من طاقة الشباب وإمكاناتهم في المنطقة لتكون في طليعة أفضل الممارسات العالمية»، مسلطاً الضوء على «أن مؤتمر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للتنمية أكثر من مجرد مؤتمر، بل إن حوار الولايات المتحدة والشرق الأوسط وشمال أفريقيا هو شراكة حيّة، تحافظ على إتصال البنوك العربية بالأسواق العالمية والمؤسسات الأميركية المنخرطة في واحدة من أكثر مناطق العالم ديناميكية. وهذا التعاون ضروري ليس فقط للحد من المخاطر ولكن أيضاً لتوسيع الفرص».
وفي إشارة واضحة إلى تقليل المخاطر، قال الإتربي إن «الإمتثال لا ينبغي أن يؤدي إلى الإقصاء، بل ينبغي أن يؤدي إلى الشمول، ومن وجهة نظره، ينبغي أن تسهّل الإدارة الفعّالة للمخاطر التدفقات المشروعة للتجارة والإستثمار والتحويلات المالية التي ترتقي بالمجتمعات وتعزز التنمية، بدلاً من عزل المناطق عن النظام المالي عن غير قصد».
وختم الإتربي كلمته بالحث على «الجرأة والقدرة على التكيُّف والعمل الجماعي في مواجهة التغيير. وبفضل الإبتكار، والجهات التنظيمية الملتزمة، والإيمان الراسخ بأن النزاهة أمرٌ لا يقبل المساومة، يُمكن للشراكة بين الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن ترسم مستقبل القطاع المالي بدلاً من مجرد التفاعل معه»، مؤكداً «أن هذه الشراكة ستواصل إزدهارها، ليس بدافع الضرورة، بل كمنارة تُجسّد كيف يُمكن للمناطق، من خلال العمل يداً بيد، أن تبني الثقة والمرونة والإزدهار للأجيال المقبلة».
الأستاذ محمد الإتربي يفتتح الحوار المصرفي العربي – الأميركي
شخصيات رسمية ومصرفية وإعلامية لبنانية وعربية وأجنبية في الملتقى
الأمين العام لإتحاد المصارف العربية د. وسام فتوح
الإتحاد سبّاق بإتجاه تطوير الممارسات المصرفية وتعزيز ثقافة الإمتثال
والشمول المالي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
الدكتور وسام فتوح يلقي كلمته في الافتتاح
في كلمته، شدّد الأمين العام لإتحاد المصارف العربية الدكتور وسام فتوح على العديد من المحاور ذاتها، مركّزاً على التطوّرات والتحدّيات الملموسة في القطاع المالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ووصف د. فتوح مؤتمر القطاع الخاص بأنه «منصّة مهمة تعكس إلتزاماً أميركياً عربياً مشتركاً بالتواصل والتعاون خدمةً للإستقرار المالي والنمو المستدام»، شاكراً شركاء المؤتمر (بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وصندوق النقد الدولي، ووزارة الخزانة الأميركية، التي غابت الأخيرة بسبب إغلاق الحكومة الأميريكية – وبنك نيويورك كمضيف)، مشيراً إلى «أن المشاركة الواسعة من الجهات المعنية أكدت المسؤولية الجماعية في رسم مستقبل القطاع المالي».
ثم إنتقل د. فتوح إلى حالة المنطقة، مشيراً إلى «أن العام الماضي شهد تغييرات إيجابية كبيرة وفرصاً جديدة. علماً أن خطر الإرهاب الذي كان يُزعزع إستقرار المنطقة آخذ في الإنحسار: الإرهاب يُهزم بثبات، ويتجلّى ذلك في تجفيف مصادر تمويل الإرهاب في دول مثل سوريا ولبنان والعراق».
ومع ذلك، حذّر د. فتوح من «أن هذه المهمة لم تكتمل بعد، ولتعزيز المكاسب في مكافحة التمويل غير المشروع، لا بد من معالجة الثغرات المتبقية في الشفافية المالية. والأهم من ذلك هو التحدّي المستمر الذي يفرضه الإقتصاد القائم على النقد في العديد من الدول العربية، بالإضافة إلى أساليب غسل الأموال البديلة»، مشيراً إلى «إساءة إستخدام الأصول عالية القيمة، مثل الأعمال الفنية والتحف والأحجار الكريمة وغيرها من الأشياء الثمينة، لإخفاء الأموال غير المشروعة ونقلها كقلق متزايد».
وحذّر د. فتوح قائلاً: «ما دام النقد هو السائد وظلت هذه القنوات البديلة من دون رقابة، فإن التدفقات غير المشروعة ستجد طريقها، وستتقوّض ثقة الجمهور في النظم المالية. ويشير هذا الواقع إلى حقيقة بسيطة: إن ضمان تجفيف مصادر تمويل الإرهاب والتدفقات غير المشروعة الأخرى بشكل دائم يتطلب إصلاحات شاملة للقطاع المصرفي، وليس مجرّد تحسين الإمتثال».
وقال د. فتوح: «الإصلاح لا يقتصر على الإمتثال فحسب؛ بل يشمل أيضاً بناء الهياكل والأنظمة والحوكمة التي تمكّن البنوك من دفع عجلة التكامل والتحديث والنمو في جميع أنحاء إقتصاداتنا. بمعنى آخر، ترتبط مكافحة الجرائم المالية ارتباطاً وثيقاً بالتنمية الإقتصادية والمؤسسية الأوسع. وفي هذا الصدد، كان إتحاد المصارف العربية في طليعة جهود التحديث، حيث عمل بشكل وثيق مع الجهات التنظيمية والبنوك المركزية والمؤسسات المالية لتطوير الممارسات المصرفية، وتعزيز ثقافة الإمتثال والشمول المالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».
وقدم الدكتور فتوح تقييماً موضوعياً لأوضاع دول عدة لتوضيح التحدّيات المتنوّعة التي تواجهها المنطقة ودور إتحاد المصارف العربية في معالجتها:
في العراق، دأب إتحاد المصارف العربية على تقديم الدعم لتعزيز القطاع المصرفي، إلاّ أن التقدم كان محدوداً بسبب غياب جهة نظيرة موحّدة وفعّالة على أرض الواقع. ولا تزال هناك فجوة كبيرة بين عدد قليل من البنوك العراقية الراسخة التي تتمتع بالإمتثال والربحية نسبياً، وقائمة طويلة من المؤسسات الأضعف، التي تطوّر العديد منها من شركات الصرافة، التي لا تزال تواجه أوجه قصور خطيرة في الإمتثال والتنظيم. هذا الخلل غير مستدام: كما أشار الدكتور فتوح، لا يُمكن للعراق تحقيق إنتعاش إقتصادي دائم دون إصلاح مصرفي حاسم. إن أسس هذا الإصلاح موجودة، لكن الإلتزام بتنفيذها يجب أن يصبح «أقوى وأكثر ثباتاً وعزيمة».
في سوريا، بعد رفع بعض العقوبات الدولية مؤخراً، فُتحت فرصة كبيرة للتقدم في القطاع المالي، لكن الطريق وعر. لقد تركت سنوات من الصراع والعزلة النظام المصرفي السوري مع لوائح ضعيفة وفقدان ثقة الجمهور. لمعالجة هذه التحدّيات، إقترح إتحاد المصارف العربية خارطة طريق تدريجية لإعادة تأهيل القطاع المصرفي السوري: البدء بإعادة هيكلة البنوك المتعثّرة وبناء البنية التحتية الأساسية للإمتثال، ثم وضع تدابير حوكمة وشفافية قوية، والقيام بتدريب مكثف وبناء القدرات (خصوصاً للموظفين الذين عملوا خلال فترة العقوبات)، وأخيراً السعي لتحقيق نمو مستدام من خلال الإبتكار والشراكات الدولية الجديدة. يهدف هذا النهج المنهجي إلى إعادة دمج البنوك السورية تدريجاً في النظام العالمي.
وفي ما يتعلق بلبنان، أرجأ د. فتوح التفاصيل إلى المتحدث اللبناني في المؤتمر (الدكتور مازن سويد، رئيس هيئة الرقابة على المصارف، لبنان)، لكنه سلّط الضوء على إتجاه إيجابي واحد: حتى في ظل مواجهة لبنان لضغوط إقتصادية شديدة، كان هناك تحوّل تدريجي بعيداً عن الإعتماد على النقد، مع زيادة إستخدام المدفوعات الإلكترونية (بطاقات الخصم والائتمان) من قبل الجمهور، وهي علامة مشجعة على التقدم في تحديث الثقافة المالية.
وفي اليمن (عدن تحديداً)، أشار د. فتوح إلى مرونة البنوك التي، رغم الظروف القاسية، حسّنت ممارساتها في مجال الإمتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ويفخر إتحاد المصارف العربية بدعم هذه الجهود، بما في ذلك المساعدة في إنشاء جمعية جديدة للبنوك اليمنية (التي حضر رئيسها المؤتمر)، وهو تطوّر وصفه د. فتوح بأنه نموذج للصمود في المنطقة.
على صعيد أقل إيجابية، أقرّ د. فتوح بأنه في السودان، رغم رفع العقوبات في السنوات الأخيرة، إلاّ أن إندلاع الحرب في العام 2023 عكس بشكل مأساوي الكثير من التقدم الذي تحقق بشق الأنفس في قطاعه المصرفي.
وبالتوسع في الموضوع، لفت د. فتوح الإنتباه إلى التطوّرات التنظيمية المهمة في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مشيراً إلى أن الحجم الكبير للقطاع المصرفي وعلاقاته الدولية الواسعة في دول مجلس التعاون الخليجي يُجبران البنوك على الحفاظ على علاقات مراسلة قوية والتمسك بأعلى معايير الإمتثال لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والبنية التحتية التكنولوجية والشفافية. وقد أجرت العديد من الولايات القضائية إصلاحات مهمة: على سبيل المثال، نفذت كل من الإمارات العربية المتحدة والأردن تحسينات قانونية وتنظيمية رئيسية، مما مكنهما من الخروج من «القائمة الرمادية» لمجموعة العمل المالي للولايات القضائية الخاضعة للمراقبة المتزايدة. وقد عزّزت هذه النجاحات قوة ومصداقية أنظمتها المالية، وراقب إتحاد المصارف العربية هذه التطوّرات عن كثب (في الواقع، كان من المقرّر مناقشة هذه المواضيع في الجلسة الثانية من المؤتمر).
ومن بين المواضيع الأكثر إلحاحاً في خطاب د. فتوح، التحدّي المستمر المتمثل في الوصول إلى الخدمات المصرفية المراسلة وتقليل المخاطر، مشيراً إلى أنه في العام 2015، كشف أول مسح مشترك بين صندوق النقد الدولي وإتحاد المصارف العربية حول تقليل المخاطر عن آثار شديدة على بنوك منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: فقد شهد ما يقرب من 40 % من البنوك في 17 دولة إغلاق حسابات المراسلة أو تشديد القيود، مما أدى إلى إرتفاع تكلفة التحويلات المالية وتمويل التجارة وصعوبة الوصول إليها في المنطقة. وبعد عقد كامل، في العام 2025، لا يزال تقليل المخاطر مصدر قلق كبير. لم يهدأ الضغط التنظيمي العالمي، ولا تزال البنوك في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تكافح في بعض الأحيان للحفاظ على علاقاتها مع البنوك المراسلة.
ولاحظ د. فتوح أن الفرق اليوم هو ظهور قنوات بديلة للمدفوعات والتحويلات عبر الحدود. إذ في العام 2015، كانت البدائل محدودة، لكن الآن، تُتيح تقنيات مثل الحلول القائمة على تقنية البلوكتشين، وشركات التكنولوجيا المالية وخدمات الأموال، ومنصّات الدفع الرقمية، آفاقًا جديدة. ومع ذلك، لم تخضع هذه البدائل للتنظيم الكامل بعد، وقد تُشكل مخاطر جسيمة إذا تُركت دون رادع. لذلك، أكد ضرورة إخضاع هذه القنوات الناشئة لأطر تنظيمية واضحة ومتسقة، بما يضمن تعزيز الإبتكار لا تقويضه لاستقرار النظام المالي. (إدراكًا للأهمية الإستراتيجية لهذه القضية، خصص منظمو مؤتمر القطاع الخاص جلسة خاصة من المؤتمر للتمويل الرقمي والإشراف على التكنولوجيا المالية). ورغم التحدّيات المذكورة، كانت رسالة د. فتوح في نهاية المطاف رسالة تصميم وحذر.
للمزيد متابعة الرابط الالكتروني: https://uabonline.org/wp-content/uploads/2026/01/تغطية-كاملة-لافتتاح-وجلسات-المؤتمر-المصرفي-العربي-السنوي-لعام-2025-في-بيروت-1.pdf
