الإتجاهات الحديثة في إدارة الإلتزام ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب
توظيف الذكاء الإصطناعي في الإمتثال يتطلّب وضع أطر حوكمة صارمة
تضمن العدالة وتمنع الإنحياز وتحافظ على خصوصية المستخدمين
شهد النظام المالي العالمي في العقد الأخير تحوُّلاً نوعياً في مفهوم إدارة الإلتزام ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إذ لم يعد الإمتثال مجرّد إلتزام شكلي بمجموعة من القواعد التنظيمية، بل أصبح عنصراً جوهرياً من عناصر الحوكمة المؤسسية وركيزة أساسية في تعزيز النزاهة المالية والإستقرار الإقتصادي. فقد أظهرت الأزمات المالية المتعاقبة، إلى جانب التطوُّرات التقنية المتسارعة، أن هشاشة نظم الإمتثال لا تؤدي فقط إلى مخاطر قانونية وعقابية، بل تمتد لتقوّض ثقة المستثمرين والمراسلين الدوليين، وتحدّ من قدرة المصارف على الإنخراط الفاعل في النظام المالي العالمي.
من هنا، برزت الحاجة إلى إعادة صياغة الإطار المفاهيمي لإدارة الإلتزام بما يتجاوز التقيُّد القاعدي إلى منظور قائم على الفعّالية (Effectiveness-Based Compliance)، حيث يتم تقييم الأداء وفق النتائج المحققة، لا وفق حجم الوثائق والإجراءات المعتمدة. ونتيجة لذلك، باتت قدرة المؤسسات المالية على الوقاية من المخاطر المالية والإجرامية تُقاس بمدى قدرتها على كشف الأنماط المشبوهة وتحليل العلاقات المعقدة بين المعاملات، بدلاً من الإكتفاء بملء النماذج وإرسال التقارير.
وقد فرض هذا التحوُّل الجوهري إعادة هيكلة كاملة لوظائف الامتثال، سواء على مستوى الموارد البشرية، أو البُنى التقنية، أو منهجية تحليل المخاطر، ما خلق تحدّياً جديداً أمام الإدارات المصرفية يتمثّل في تحقيق التوازن بين الكفاءة التشغيلية والرقابة الوقائية.
الإطار التنظيمي والمعياري العالمي
يُشكل الإطار التنظيمي العالمي لإدارة الإلتزام ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب المرجعية الأساس التي تستند إليها جميع الأنظمة الوطنية، وهو نتاج تراكم عقود من الجهود الدولية التي هدفت إلى بناء منظومة مالية أكثر شفافية ومتانة. وتُعد مجموعة العمل المالي (FATF) الأساس في هذا البناء، إذ أسست منذ العام 1989 منهجية شاملة تعتمد على التوصيات الأربعين التي وضعت معايير موحدة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وإنتشار أسلحة الدمار الشامل. ومع مرور الزمن، تحوُّلت هذه التوصيات من أدوات إسترشادية إلى معايير إلزامية، يُقاس من خلالها إلتزام الدول في إطار التقييمات المتبادلة الدورية التي تنفذها المجموعة. واللافت أن تركيز FATF لم يعد على وجود القوانين فقط، بل على فعّالية التطبيق ومدى قدرة الأنظمة الوطنية على تحقيق نتائج ملموسة، مثل معدّلات التحقيق والإدانة وجودة التنسيق بين الأجهزة الرقابية والقضائية.
أما على الصعيد الأوروبي، فقد شهدت أوروبا منذ العام 2015 سلسلة من الإصلاحات العميقة في إطار مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تُوجت في العام 2024 بإقرار الحزمة التشريعية الجديدة التي تضمّنت إنشاء الهيئة الأوروبية لمكافحة غسل الأموال (The Authority for Anti-Money Laundering and Countering the Financing of Terrorism) ومجموعة من اللوائح الملزمة لجميع الدول الأعضاء. وتمثل هذه الهيئة نقلة نوعية في بنية الإشراف الأوروبي، إذ تتولّى الرقابة المباشرة على المؤسسات المصرفية عالية المخاطر، وستُنشئ قاعدة بيانات موحدة للملكية المستفيدة، إلى جانب وضع حدّ أقصى للتعاملات النقدية لا يتجاوز عشرة آلاف يورو.
وتأتي هذه التطورات إستجابةً للثغرات التي كشفتها فضائح غسل الأموال الأوروبية في السنوات الأخيرة، والتي بيّنت أنّ تعدّد السلطات الوطنية وتفاوت معايير التنفيذ أضعفا فعّالية النظام الأوروبي بأكمله.
أما في الولايات المتحدة، فقد شكّل قانون الشفافية المؤسسية (Corporate Transparency Act) الذي دخل حيّز التنفيذ مطلع العام 2024، نقطة تحوّل مهمة في تعزيز مبدأ الإفصاح عن الملكية المستفيدة. وألزَم القانون المذكور الشركات الأميركية والكيانات الأجنبية العاملة في السوق بتقديم بيانات دقيقة حول المالكين الفعليين إلى شبكة مكافحة الجرائم المالية، ما وفّر أداة مركزية للحدّ من إساءة إستخدام الهياكل القانونية في إخفاء الهويات الحقيقية للمستفيدين. وبذلك عزّزت الولايات المتحدة نموذجها القائم على الشفافية الوقائية، مكمّلةً سياساتها الصارمة في العقوبات الإقتصادية ومتابعة تمويل الإرهاب، التي لا تقتصر على الأفراد بل تمتد إلى الكيانات الوسيطة وشبكات التمويل غير التقليدية.
وضمن هذا السياق، أصبحت الأصول المشفّرة محوراً تنظيمياً جديداً في أوروبا والولايات المتحدة على السواء. فقد أقرّ الإتحاد الأوروبي في العام 2023 لائحة الأسواق في الأصول المشفّرة، التي تهدف إلى تنظيم عمل مزودي خدمات الأصول الرقمية، وتفرض متطلّبات الإفصاح والحوكمة والإمتثال على غرار المصارف. كما أُقرّت قاعدة Travel Rule التي تُلزم الجهات المزودة بخدمات الأصول المشفّرة بجمع بيانات المرسِل والمستفيد في جميع التحويلات الرقمية، ما أسهم في سدّ الفجوة بين القطاع المصرفي التقليدي والعالم الافتراضي للأصول الرقمية.
وبذلك، يظهر أن الإطار المعياري العالمي يتجه نحو التكامل بين الشفافية، التكنولوجيا، والمساءلة، مع تراجع الفوارق بين الأنظمة المصرفية التقليدية والأنشطة المالية الرقمية.
وتفرض هذه الإتجاهات واقعاً جديداً على المصارف العربية، التي باتت مطالَبة بمواكبة هذه المعايير لا كمتلقية لها، بل كشريك فاعل في صياغة نموذج عربي متطوّر يعكس خصوصيات البيئة الإقليمية ومتطلّبات الإندماج في النظام المالي العالمي.
التقنيات الحديثة في الإمتثال والرصد والتحليل
أحدثت الثورة الرقمية في القطاع المالي نقلة نوعية في مفهوم الإمتثال، بعدما أصبحت التكنولوجيا عنصراً أساسياً في الكشف المبكر عن المخاطر وتعزيز كفاءة الرصد والتحليل. فبينما كان الإمتثال في الماضي يعتمد على قواعد يدوية ونماذج جامدة، أصبح اليوم منظومة ذكية تقوم على تحليل البيانات الضخمة (Big Data) والذكاء الإصطناعي والتحليلات الرسومية (Graph Analytics)، بما يتيح فهماً أعمق للأنماط المشبوهة وتدفقات الأموال العابرة للحدود. وتُعد التحليلات الرسومية من أبرز الأدوات التي غيّرت وجه المراقبة المالية، إذ تسمح برسم العلاقات المعقّدة بين العملاء والمعاملات بطريقة بصرية تكشف شبكات تمويل خفية أو معاملات متكررة تتجاوز الأنماط الطبيعية للسلوك المالي. فالمصارف التي تبنّت هذه الأدوات أصبحت قادرة على تتبّع سلاسل التحويلات التي تتجاوز عشرات الحسابات في دقائق معدودة، وإكتشاف الإرتباطات بين كيانات تبدو في الظاهر غير مترابطة. لم يعُد هذا الأسلوب حكراً على الأجهزة الأمنية، بل أصبح ركيزةً في برامج الإمتثال داخل المؤسسات المالية المتقدمة.
أما الذكاء الإصطناعي، فقد أضاف بعداً تحوُّلياً من خلال قدرته على التعلم الذاتي وتحسين أداء نظم الإنذار مع مرور الوقت. فبدلاً من إعتماد القواعد الثابتة، إنتقلت المؤسسات إلى أنظمة قائمة على النماذج التنبؤية التي تتعلّم من التجارب السابقة وتتكيّف مع تغيّر أنماط السلوك المالي. ونتيجة لذلك، تمكّنت المصارف التي اعتمدت خوارزميات التعلم الآلي من خفض الإنذارات الكاذبة بنسبة تتراوح بين 30 % و50 % في بعض الحالات، مع رفع دقة الإكتشاف وتحسين تخصيص الموارد البشرية.
لكن هذا التطوُّر التقني ترافق مع تحديات جديدة، أبرزها ضرورة ضمان تفسيرية القرارات وشفافية النماذج، إذ لم تعد الجهات الرقابية تقبل أن تُدار قرارات الإيقاف أو الإبلاغ بناءً على «صندوق أسود» لا يُمكن تبرير مخرجاته.
وتبرز أيضاً أهمية التحليلات السلوكية في مراقبة سلوك العملاء والمعاملات بناءً على أنماط إستخدامهم الإعتيادية. فعندما تنحرف حركة العميل عن السلوك الطبيعي المسجل تاريخياً، تُولد إنذارات فورية قد تكشف محاولات غسيل أموال أو تمويلاً غير مشروع. ولعلّ الجمع بين التحليلات السلوكية والرسومية ضمن بيئة تحليلية موحدة يشكل الخطوة التالية في تطوير ما يُعرف بـ «الذكاء الإمتثالي»، وهو إتجاه عالمي تسعى إليه المصارف الكبرى لتقليل الزمن بين الإشتباه واتخاذ القرار.
إلى جانب هذه التقنيات، تلعب البيانات الضخمة دوراً جوهرياً في إثراء عملية الرصد والتحليل. فالمؤسسات المالية أصبحت تجمع كمّاً هائلاً من البيانات التشغيلية والتجارية والشخصية التي تُستخدم لتغذية أنظمة الامتثال بالمعطيات الدقيقة. وتقوم الأنظمة الحديثة بدمج مصادر متعدّدة، كبيانات العملاء، وسجلات التحويلات، ونشاطات القنوات الإلكترونية، وسجلات الأسواق الثانوية، لتشكّل صورة شاملة عن المخاطر المحتملة. غير أنّ هذا التوسُّع في جمع البيانات يفرض إلتزامات جديدة في مجال الخصوصية وحماية المعلومات، ما يستدعي توازناً دقيقاً بين متطلّبات الرقابة ومتطلّبات الأمن السيبراني والحوكمة.
وفي الوقت نفسه، تحوّلت المدفوعات الفورية إلى تحدٍ تقني جديد لأنظمة الامتثال، إذ لم يعد الوقت متاحاً للمراجعة اليدوية. فالمصارف الرائدة أنشأت غرف عمليات هجينة تجمع بين الذكاء الإصطناعي والمحللين البشريين، بحيث يُتخذ القرار خلال ثوانٍ معدودة دون تعطيل العمليات الشرعية.
كما تم إعتماد معيار الجودة ISO 20022 في تصميم الرسائل المالية لتوسيع الحقول المعلوماتية الخاصة بالمُرسل والمُستفيد والغرض من التحويل، مما حسّن من جودة البيانات المستخدَمة في الرصد الفوري.
ورغم هذا التقدم، تبقى التحدّيات الأخلاقية والتشغيلية قائمة، إذ يتطلب توظيف الذكاء الاصطناعي في الإمتثال وضع أطر حوكمة صارمة تضمن العدالة وتمنع الإنحياز وتحافظ على خصوصية المستخدمين. كما ينبغي للمصارف أن تطوّر قدرات بشرية موازية لفهم مخرجات النظم الذكية وتفسيرها للإدارات العليا والجهات الرقابية. فالتقنية ليست بديلاً عن الإنسان، بل هي أداةٌ لتعزيز قدرته على إتخاذ القرار في بيئة أكثر تعقيداً وسرعةً من أي وقت مضى.
تمويل الإرهاب وتمويل الانتشار والعقوبات الدولية
يشكّل تمويل الإرهاب وتمويل الإنتشار أحد أعقد القضايا التي تواجه أنظمة الإمتثال الحديثة، إذ تتجاوز مخاطرهما الأطر المالية لتصبح مسألة أمن قومي وسياسي عالمي. فمع تنامي العولمة المالية وتنوُّع أدوات التحويل عبر الحدود، أصبحت شبكات تمويل الإرهاب تستخدم قنوات شرعية في ظاهرها مثل التجارة والعمل الإنساني والتحويلات الفردية لتضخيم مواردها أو تمرير الأموال بطرق يصعب رصدها بالوسائل التقليدية. ويزداد الأمر تعقيداً عندما تتقاطع هذه الأنشطة مع مناطق نزاع أو اقتصادات نقدية ضعيفة الضبط، كما هي الحال في عددٍ من الدول العربية والنامية، حيث تتقلّص قدرة السلطات الرقابية على تتبّع حركة الأموال بصورة دقيقة.
لقد أظهرت مجموعة العمل المالي في تقاريرها الأخيرة أنّ مكافحة تمويل الإرهاب لا يُمكن أن تقتصر على متابعة أسماء الأفراد أو الكيانات المدرجة في القوائم، بل يجب أن تمتد إلى تحليل الأنماط السلوكية والإقتصادية المرتبطة بتلك الكيانات. وهذا ما يعرف اليوم بـ «التحليل الشبكي للتمويل الإرهابي»، الذي يهدف إلى إكتشاف الروابط غير المباشرة بين المتبرعين والوسطاء والمستفيدين النهائيين. كما وسّعت المجموعة نطاق الرقابة ليشمل تمويل الإنتشار، أي دعم الأنشطة المتعلّقة بنشر أسلحة الدمار الشامل أو المواد مزدوجة الإستخدام، وهو مجال يتطلّب تعقّب سلاسل التوريد والتجارة الدولية ومصادر التمويل المساندة لها.
وقد أصبحت العقوبات الدولية أداة رئيسية لمواجهة هذه المخاطر. فالولايات المتحدة، والإتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة تعتمد أنظمة متطورة لتجميد الأصول وحظر التعامل مع الأفراد أو الكيانات المتورّطة في الإرهاب أو الإنتهاكات الدولية. وقد تطوّرت تقنيات فحص العقوبات لتشمل الملكية والسيطرة غير المباشرة، بحيث لا يقتصر الفحص على الإسم القانوني بل يمتد إلى الكيانات التابعة والمملوكة جزئياً، ما يتطلّب من المصارف تحديث قواعد بياناتها بصورة مستمرة والتأكد من توافقها مع التغييرات اللحظية في القوائم الدولية.
كما أدّت الرقمنة المتزايدة في التمويل إلى بروز تحديات جديدة مثل استخدام العملات المشفّرة في تمويل الأنشطة المحظورة، ما دفع الهيئات التنظيمية إلى فرض قواعد Travel Rule التي تلزم مزودي خدمات الأصول المشفّرة بالإفصاح عن بيانات المرسل والمستفيد في كل تحويل. ومن هنا، يتضح أن مستقبل مكافحة تمويل الإرهاب وتمويل الإنتشار يعتمد على التكامل بين الإمتثال التقني والتحليل الاستخباراتي المالي، وعلى قدرة المؤسسات في بناء أنظمة رصد مرنة توازن بين سرعة التنفيذ ودقة التحقق.
وفي ظل ذلك، فالمصارف العربية مدعوة اليوم إلى تطوير قدراتها في هذا المجال، لا سيما عبر تعزيز التعاون بين الجهات الرقابية الوطنية والمصارف التجارية، وتبادل المعلومات ذات الصلة بالمعاملات المشبوهة ضمن أطر قانونية وآمنة.
فالمسؤولية لم تعد تقع على جهة واحدة، بل أصبحت مشتركة بين المصارف والهيئات التنظيمية ووحدات الإستخبارات المالية، في إطار ما يُعرف بالشراكة الوقائية التي أثبتت فعّاليتها في الحد من الجرائم المالية عبر تبادل الخبرات وتوحيد أنظمة الإنذار المبكر.
المصدر: إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية
