«إصلاح المصارف» في لبنان قانون مُقيّد بـ «الفجوة المالية»
ومُحاصر بطعن «الدستوري» وملاحظات صندوق النقد الدولي
لم يصل قانون إصلاح المصارف في لبنان إلى أهدافه المرجوة، رغم أن البرلمان اللبناني أقرّه في 31 تموز (يوليو) 2025، إذ إن بعثة صندوق النقد الدولي سجّلت العديد من الملاحظات عليه، وطلبت من وزارة المال اللبنانية والبرلمان الأخذ بها، كما أن المجلس الدستوري أبطل موادَ في القانون خلال أيلول/ سبتمبر 2025 ، بعد طعن قدمته كتلة «لبنان القوي». في الأساس يهدف القانون إلى إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، والتركيز على تعزيز الإستقرار المالي ومُعالجة حالات التعثُّر للمصارف، كما يتضمّن مواد عدّة تهدف الى حماية الودائع وتحسين الرقابة على المصارف.
كل ما سبق أعلاه، يُحفّز على البحث عما يطلبه الصندوق من هذا القانون، وما هو رأي جمعية المصارف، وكيف يستعيد القطاع ككل ثقة المودعين والمستثمرين العرب والأجانب به. بداية لا بد من الإشارة إلى أن طريق العقبات التي تمنع تحويله إلى قانون قابل للتنفيذ عديدة، أولها إرتباطه بقانون إسترداد الودائع والانتظام المالي (الفجوة المالية) الذي على الحكومة وضعه، تمهيداً لإحالته إلى مجلس النواب لدرسه وإقراره، وثانيها ملاحظات صندوق النقد الدولي على القانون التي بلغت 22 ملاحظة، مما يعني أنه قد لا يُوافق على توقيع إتفاق مع لبنان في حال لم تنفذ هذه الملاحظات على غرار ما حصل مع قانون السرية المصرفية، وثالثها الطعن الذي قرّره المجلس الدستوري لبعض مواده.
إذاً، وُلد قانون إصلاح المصارف يتيماً رغم خروجه من رحم لجنة المال والموازنة التي أشبعته درساً، فحتى النواب الذين صوّتوا لصالحه يُقرّون أنه غير مُكتمل الأوصاف، في ظل غياب قانون «الإنتظام المالي» أو إسترداد الودائع (الفجوة المالية)، لكن الجميع أرادوه «رسالة إصلاحية» للمجتمع الدولي (على حد تعبير وزير المال اللبناني ياسين جابر). ويرى البعض أن القانون قد يُمثل خطوة في الإتجاه الصحيح لإعادة تنظيم القطاع، لكنه يظل قاصراً عن معالجة جذور الأزمة، كما إنتقدت جهات أخرى القانون لأنه لم يعالج غياب المحاسبة وإختلال موازين القوى، ولأنه قد لا يؤدي إلى إصلاح حقيقي، من دون كسر الهيمنة السياسية على المصارف وإعادة توزيع الخسائر بشكل عادل.
الدكتورة جوديت التيني:
لقانون موحّد يُترجم الخطة الإصلاحية للحكومية
في الميزان القانوني، توضح المحامية الدكتورة جوديت التيني لمجلة «إتحاد المصارف العربية»، أنه «يجب إقرار قانون واحد موحّد يُترجم الخطة الإصلاحية ويُعالج كل هذه المواضيع، لا سيما إصلاح المصارف والفجوة المالية»، مشدّدة على أن «هذا القانون يجب أن يُلغي جميع الأحكام القانونية السابقة والمخالفة له، مثل المادة 38 من قانون موازنة العام 2020، التي ياللأسف جرى تمريرها ضمن الموازنة من قبل الحكومة ومجلس النواب، خلافًا لأصول التشريع الدستورية، لأنها من فئة ما يُعرف بـ «فرسان الموازنة»، أي مواد لا علاقة لها بالموازنة، وكان على المجلس الدستوري إبطالها في حينه».
وتشرح التيني أن«هذه المادة تعدّل قيمة ضمان الودائع المصرفية المشمولة بضمانة مؤسسة ضمان الودائع، بحيث تصبح لغاية 75 مليون ليرة لبنانية أو ما يعادلها بالعملات الأجنبية (رأسمالاً وفائدة)، بالنسبة إلى مجموع حسابات الودائع العائدة لمودع واحد لدى أي مصرف، مع إعتبار أن مركز المصرف وفروعه مؤسسة واحدة. وطبعاً هذا المبلغ غير كافٍ، ويجب على القانون الجديد أن يعالج هذه النقطة».
وتضيف التيني: «لا بد أن يتم تنفيذ أحكام هذا القانون بالتوازي، فتكون إعادة أموال المودعين أولوية. وكفى تأويلاً في تطبيق قانون رفع السرية المصرفية، فهذا التأويل بدأ منذ إقرار القانون العام 2022، بهدف عدم تطبيقه وتركه حبراً على ورق».
وتختم التيني بالقول: «إن إقرار رفع السرية المصرفية لعشر سنوات، كما هو مطروح اليوم، يجب أن يُحتسب من تاريخ إقرار القانون، وليس من تاريخ تقديم طلب رفع السرّية المصرفية عن الحساب. أما خلاف ذلك فيعني تضييع الوقت، والتهرّب، وعدم معالجة الملفات الكبيرة».
الدكتور وليد أبوسليمان: سيتكرر سيناريو قانون
السرية المصرفية مع قانون إصلاح المصارف
يُسجل الخبير الإقتصادي الدكتور وليد أبوسليمان ملاحظات عدة على قانون «إصلاح المصارف»، ويقول: «إن أول ملاحظة يُمكن أن تُسجل هي أنه قانون مُعلّق، أي أنه غير ساري المفعول إلاّ بعد إقرار قانون الفجوة المالية، وعملياً كان يجب إقرار قانون الفجوة المالية لتحديد الخسائر في القطاع المصرفي، وبعدها يتم تحديد كيفية معالجة أوضاعها».
مشيراً إلى أن «الملاحظة الثانية هي ملاحظات صندوق النقد الدولي عليه، فأيّ مساعدة خارجية أو جسر للخروج من الأزمة نحو النظام المالي العالمي وإعادة ترميم الثقة معه، لا يُمكن أن يتم إلاّ عبر صندوق النقد الدولي، وبالأخص في موضوع إعادة هيكلة الدين العام وسندات اليوروبوندز، والصندوق لديه شروط أساسية منها تقييم أكبر 14 مصرفاً في لبنان، بالإضافة إلى تنفيذ إصلاحات مالية وإدارية في لبنان».
ويلفت إلى أن «الملاحظات الجوهرية التي قدمها الصندوق على القانون عشية إقراره، تطرح علامة إستفهام كبيرة حول كيف يُمكن إبرام إتفاق بينه وبين لبنان، في ظل الإختلاف في وجهات النظر حول قانون إصلاح المصارف والملاحظات الكثيرة التي يسجّلها الصندوق عليه (22 ملاحظة)».
مؤكداً أن «جوهر هذه الملاحظات يكمن في رفض الصندوق سلطة المصارف على الهيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية المعنية بتقييم أوضاع المصارف)، والتي يُعطيها القانون الحق بالطعن بأيّ قرار تُصدره الهيئة، بالإضافة إلى مشاركة مؤسسة ضمان الودائع فيها، والجميع يعلم أن أكثر أعضائها معيّنون من المصارف، وهذا هو الخلاف الكبير والجوهري بين ما أُقر في القانون وملاحظات الصندوق».
ويؤكد أبو سليمان أن «ملاحظات صندوق النقد الدولي تعني أن الخلاف أساسي بين ما يريده وبين ما أقرّه مجلس النواب»، معتبراً أن «الملاحظة الثالثة التي تُسجّل على القانون، هو إشراك المصرف المركزي في تطبيقه، والجميع يعلم أنه جزء من الأزمة، شئنا أم أبينا، لذلك ليس منطقياً إعطاؤه هامشاً واسعاً لفرض رؤيته على تنفيذ القانون (عضوية الحاكم والنائب الأول)، ومنحه صوتاً إضافياً لصالح «المركزي» الذي هو جزء من الأزمة والزلزال المالي بدأ من عنده».
ولا يستبعد أبو سليمان أن «يتكرر سيناريو قانون السرية المصرفية مع قانون إصلاح المصارف، لجهة عدم قبول الصندوق به حتى تعديله وفق الملاحظات التي أبداها»، آسفاً بأن «هذا الأمر قد تمّ في العام 2022 مع قانون السرية المصرفية إلى أن تمّ إقراره في العام 2025، أي أن مجلس النواب ماطل في إقرار القانون 3 سنوات على حساب المودعين وأموالهم».
ويختم أبو سليمان: «هل يُمكن أن ينتظر المودعون 5 سنوات أخرى للحصول على ودائعهم؟ وهل مَن يكترث للخسائر التي يتكبّدونها نتيجة التذويب الممنهج لودائعهم (رسوم باهظة/ تضخم…)، علماً أنه من شبه المؤكد بأن قانون الفجوة المالية، لن تجرؤ الطبقة السياسية على إقراره قبل الإنتخابات النيابية، لأنه سيحمّل المسؤولية للأطراف التي سبّبت هذه الازمة وهذا أمر غير شعبوي ولذلك من الصعب إقراره».
الدكتور سامي عطالله: لا نص في القانون لحماية
حقوق المودعين بعد تصفية المصارف
يقارب المدير المؤسس لمبادرة سياسات الغد الدكتور سامي عطالله، قانون «إصلاح المصارف» من زاوية مدى قدرته على صون حقوق المودعين، موضحاً أن «أول ملاحظة على القانون تُسجل عليه، هي سيطرة المصرف المركزي على الغرفة الثانية للهيئة المصرفية العليا، وهذا أمر غير سليم وغير صحيح، لأنها يجب أن تكون مستقلة عنه»، لافتاً إلى أن «القانون لا يتضمّن نصّاً صريحاً حول حماية حقوق المودعين، ولا سيما بعد أن تتم إعادة هيكلة المصارف وتصفيتها وترتيب وضعها الداخلي، فهذا الأمر غائب، وعند إطلاعنا عليه تبيّن أنه يحتاج إلى تطبيقات محاسبية واسعة، أي فريق تدقيق كبير ولجنة مستقلّة وقوية لعرض نتائج التدقيق لدى الغرفة الثانية في الهيئة»، مؤكداً بأن «هذا مسار طويل وكبير وهناك خوف من «تلغيم» عمليات التدقيق، التي قد تحصل داخل المصارف، ولا ضمانات بأن يكون هذا المسار سالكاً، بمعنى أن عمليات التدقيق في حسابات المصارف وميزانياتها، ستكون محترفة وشاملة ودقيقة بما يُمكّن من إتخاذ القرار الصحيح والسليم».
قرار المجلس الدستوري
المحامية دينا أبو الزور:
المواد التي تصيب المودعين بالغبن مطعون بها
ماذا يعني أن يُصدر المجلس الدستوري قراراً بإبطال جزئي للقانون رقم 23/2025 المُتعلّق بإصلاح وضع المصارف، وإبقائه على جوهر القانون نافذاً مع بعض التعديلات؟
قبل الإجابة، لا بد من الإيضاح بأن البنود التي قد تم إبطالها وتهم المودعين، هي الفقرة التي كانت تسمح بتفضيل ودائع معينة مثل ودائع المؤسسات العامة على حساب ودائع أخرى، وقد تم إلغاء هذه المادة لأنها تخالف مبدأ المساواة في الدستور. كما تم تجميد البند الذي ينقل الدعاوى العالقة من المحاكم العادية، إلى المحكمة الخاصة بالمصارف لأنه يضرّ بحق المودعين باللجوء إلى القضاء.
أما البنود التي بقيت فهي الهيئة المصرفية العليا، لأن وجودها ضروري لمتابعة الملفات، ولكن يحق للمودعين الطعن بقراراتها، كما ثبّت المجلس الدستوري تاريخ 17 تشرين الأول/ أوكتوبر 2019، حدّاً فاصلاً بين الودائع القديمة والجديدة، وقد تمّ ربط قانون إصلاح المصارف بقانون الإنتظام المالي، الذي لا يزال قيد التحضير في وزارة المال وبالمشاركة مع مصرف لبنان.
تشرح المحامية دينا أبو الزور (رابطة المودعين) أن «إبطال مواد من القانون لا يعني إبطاله بالكامل، وهذا يشير من الناحية القانونية إلى أن هناك جزءاً منه مُخالف للدستور، فيما طريقة التعاطي مع هذا الملف لم تكن منطقية»، معتبرة أنه «بعد صدور هذا الإبطال هناك خياران أمام مجلس النواب، إما مراجعة المواد المطعون بها وتعديلها بما يتناسب مع الدستور اللبناني، كي لا يتم الطعن فيها مرة جديدة، أو إيقاف العمل بالمواد المطعون بها، والسير بالمواد الباقية (هذا أمر غير منطقي) خصوصاً أن قانون إصلاح المصارف مرتبط بقانون الفجوة المالية الذي سيصدر لاحقاً».
تضيف أبو الزور: «بعد صدور الطعن، من المفروض أن يتم إرجاع القانون إلى مجلس النواب، ودراسة المواد التي تم إبطالها لتعديلها وفق ما ينص الدستور عليه، ولإعادة تكوين هذا القانون بكليته. هناك جزء أساسي يجب لفت النظر إليه، وهو أن هذا الطعن الذي قرّره المجلس الدستوري قد «نسف» سردية المصارف، معتبراً أنه ضروري في الموازنة أن تتضمّن حماية الودائع وإستعادة الانتظام المالي، وأن لا يتم تحقيق أي هدف من الهدفين على حساب الآخر، ولا إستعادة للإنتظام المالي على حساب الودائع، لأن ذلك جزء من الحقوق المكرّسة في الدستور»، مشدّدة على أنه «لا يُمكن المفاضلة بين حقين، وبالإضافة الى ذلك، فإن قرار المجلس الدستوري حوّل شعار «الودائع المقدسة» من مجرّد شعار سياسي إلى فعل، وفتح الباب أمام الإنتظام المصرفي من جهة، وأمام الودائع من جهة أخرى، وبين أن نقول إن الودائع مقدسة بطريقة علمية بالفعل وبحسب القانون من جهة ثالثة».
وتختم أبو الزور: «لا خوف على المودعين، لأن المواد التي تصيبهم بالغبن، مطعون بها دستورياً، لكن لا يُمكن الجزم بأن مجلس النواب سينفذ كل التعديلات المطلوبة على القانون والتي طلبها صندوق النقد الدولي»، متمنية «أن يحصل تعديل جوهري للقانون، لضمان حقوق المودعين ويُعالج الأزمة بشكل علمي ومنصف. علماً أننا مقبلون على إنتخابات نيابية، ولن تُقدم أي كتلة نيابية على طلب تعديلات أساسية تتعلق بالمودعين، سواء أكانت محقة أو لا. وأتمنى أن يعدّل المجلس النيابي القانون، ليصبح أكثر منطقياً وجدياً في معالجة الأزمة والمودعين».
موقف جمعية المصارف
عبّرت جمعية مصارف لبنان عن رفضها لصيغة قانون إصلاح المصارف، معتبرة أن «المصارف ليست بحاجة للإصلاح، بل لإستعادة أموال الدولة المودعة لديها. وقد وجهت إعتراضات عدة على مسوّدته الأولى تتعلق بمعالجة التعثُّر المصرفي ومسألة الدائنين، ورغم إعتراضات الجمعية، وافق مجلس النواب على القانون في تموز/ يوليو 2025، لكنه لاقى إنتقادات من جهات أخرى كونه لم يعالج جذور الأزمة. كما إعترضت الجمعية على تسمية القانون «إصلاح وضع المصارف»، لأنها ترى أن المشكلة ليست في القطاع المصرفي بحد ذاته بل في النظام.
باسمة عطوي
