دول الخليج على أعتاب عصر «الموظفين الرقميين»
(القبس)-19/01/2026
في وقت يتسارع فيه سباق الدول والشركات على تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي، يشير تقرير حديث للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن دول الخليج مرشحة لأن تكون من بين أكثر مناطق العالم جهوزية للانتقال إلى مرحلة جديدة في التحول الرقمي، عنوانها الأبرز: عصر «الموظفين الرقميين» – أي أنظمة ذكية لا تكتفي بالمساعدة أو الإجابة، بل تنفّذ مهام، وتتخذ قرارات ضمن حدود واضحة، وتعمل جنبًا إلى جنب مع البشر داخل المؤسسات.
أكد التقرير أن هذا التحول لا يمثل مجرد قفزة تقنية، بل تغييرًا جذريًا في طريقة تنظيم العمل وإدارة المؤسسات وتوزيع الأدوار بين الإنسان والتكنولوجيا. ووفقًا لما أورده المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن دول الخليج تمتلك مجموعة فريدة من العوامل الهيكلية — من بنية تحتية رقمية سيادية، واستراتيجيات وطنية موحدة، وسرعة في تكييف الأطر التنظيمية – تجعلها في موقع متقدم مقارنة بالعديد من الاقتصادات الأخرى.
ويضرب التقرير مثالًا دالًا من القطاع المصرفي في الشرق الأوسط: قبل سنوات قليلة، كان موظف القروض يحتاج إلى يومين كاملين لمعالجة طلب رهن عقاري واحد بسبب إجراءات «اعرف عميلك» (KYC) التي تتطلب مراجعة يدوية مطولة للوثائق ومطابقة البيانات عبر أنظمة متعددة وانتظار الموافقات. أما اليوم، وبحسب التقرير، فقد أصبح بالإمكان إنجاز العملية في أقل من أربع ساعات، لأن «موظفًا رقميًا» يتولى الجزء الأكبر من التحقق ولا يُحيل إلى الموظف البشري إلا الحالات الاستثنائية.
أعمال روتينية
ويلفت المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السؤال الجوهري لم يعد: «هل سيختفي العمل؟» بل: «كيف سيتغير؟». فالموظف الذي كان يقضي وقته في أعمال روتينية بات اليوم قادرًا على توجيه جهده نحو مهام أعلى قيمة، مثل تحليل أنماط الاحتيال المعقدة، أو تدريب الزملاء الجدد، أو تعزيز العلاقة مع العملاء. وبحسب التقرير، فإن طبيعة العمل تتحول تدريجيًا نحو مهارات الحكم البشري، والتعاطف، والذكاء الثقافي، وبناء الثقة.
ويشير التقرير إلى أن عام 2025 شكّل نقطة انعطاف واضحة في مسار تبنّي «الموظفين الرقميين» في دول الخليج. فبعد مرحلة التجريب بالمساعدات الذكية وروبوتات الدردشة خلال عامي 2023 و2024، دفعت الأطر الوطنية الجديدة للذكاء الاصطناعي، وإطلاق البيئات السحابية السيادية، والموجة الأولى من التطبيقات المؤسسية، بهذه الفكرة من حيّز التجربة إلى حيّز التطبيق الفعلي.
وبحسب المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن وتيرة التبني تتسارع بشكل ملحوظ. فعلى المستوى العالمي، بدأ نحو ثلث المؤسسات في توسيع برامج الذكاء الاصطناعي التقليدية. أما في الخليج، فيؤكد التقرير أن قرابة %19 من المؤسسات تجاوزت بالفعل مرحلة التجارب وبدأت الاعتماد الفعلي على «الموظفين الرقميين»، في حين تخطط الغالبية العظمى لاعتمادهم خلال الفترة القريبة المقبلة. وفي هذه المؤسسات، بات الدور البشري يتركز على تحديد الأولويات الاستراتيجية، وتفسير مخرجات الأنظمة الذكية، وضمان الالتزام بالمعايير الأخلاقية، والتدخل عند ظهور حالات استثنائية تتطلب قرارًا إنسانيًا.
ميزة تنافسية
يجيب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي عن هذا السؤال بالإيجاب، مشيرًا إلى أن المنطقة تنتقل بسرعة من مرحلة الاستكشاف إلى مرحلة التوسع الواسع، مستفيدة من مجموعة من نقاط القوة الهيكلية. ويذكر التقرير أن معظم المؤسسات الخليجية تستثمر بالفعل في الذكاء الاصطناعي، بدعم مباشر من استراتيجيات وطنية موحدة وثقافة قيادية يقود فيها الرؤساء التنفيذيون وكبار المسؤولين عملية التحول الرقمي بأنفسهم. هذا التوافق بين الحكومات والجهات التنظيمية والشركات يقلل الاحتكاكات البيروقراطية ويحوّل الزخم المبكر إلى مسار جاد نحو الريادة العالمية.
كما يبرز التقرير ميزة البنية التحتية الرقمية، ولا سيما مناطق الحوسبة السحابية المصممة على أساس «السيادة الرقمية» في دول مثل الإمارات والسعودية والبحرين، حيث تبقى البيانات الحساسة داخل الحدود الوطنية مع تشفير افتراضي وإمكانية تدقيق فوري. ويرى المنتدى أن هذا النموذج يقلل التعقيدات القانونية المرتبطة بتدفق البيانات عبر الحدود، ويوفر إطارًا موحدًا عندما يتولى «الموظفون الرقميون» معالجة معلومات حساسة.
ويضيف التقرير أن التناغم بين الرؤى الوطنية والاستراتيجيات الصناعية والأطر التنظيمية يشكّل عامل تسريع مهما. ففي كثير من دول الخليج، تتحرك الجهات الحكومية والرقابية والقطاع الخاص في الاتجاه نفسه وفي التوقيت ذاته، ما يختصر دورات اتخاذ القرار، ويُسرّع توحيد المعايير، ويبسّط متطلبات الامتثال، ويخلق بيئة مواتية لتوسع نموذج «الموظفين الرقميين» بعوائق أقل.
ويلفت المنتدى كذلك إلى أن «المرونة التنظيمية» باتت إحدى نقاط القوة الجديدة في المنطقة، حيث تُبدي الجهات الرقابية استعدادًا لإصدار إرشادات سريعة، والعمل مع القطاع الخاص، وتحديث القواعد مع تطور سلوك الأنظمة الذكية. ويؤكد التقرير أن هذا النهج يقلل مخاطر التبني المبكر ويحوّله إلى خيار استراتيجي مدروس بدل أن يكون قفزة غير محسوبة.
ويستشهد التقرير بحالات تطبيق واقعية، من بينها جهة حكومية في دولة الإمارات استخدمت «موظفين رقميين» لتمكين المواطنين من الحصول على المعلومات بلغة طبيعية، ما أدى إلى تسريع الاستجابة وتقليص التراكمات وتحويل الموظفين البشر من التعامل مع الطلبات الروتينية إلى التركيز على تطوير السياسات والتفاعل النوعي مع الجمهور. وفي قطاع الطاقة، يشير التقرير إلى أن استخدام هذه الأنظمة في تحليل البيانات الزلزالية رفع مستوى الدقة بشكل كبير، ومنح الخبراء وقتًا أوسع لتفسير النتائج وتوجيه استراتيجيات الاستكشاف اعتمادًا على خبراتهم المتراكمة.
مفاتيح النجاح
يخلص تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن المؤسسات الأكثر نجاحًا في هذا المجال ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أحدث التقنيات، بل تلك التي تستثمر بعمق في ثلاثة محاور مترابطة: الثقة، والتدريب، والتحول المؤسسي.
فهي تبني الثقة عبر التعامل مع «الموظفين الرقميين» بوصفهم أعضاء فاعلين في فرق العمل، لهم أدوار واضحة وحدود صلاحيات محددة ومسؤوليات قابلة للمساءلة. وهي تستثمر في التدريب بما يتجاوز المهارات التقنية إلى تنمية الحكم المهني، والفهم السياقي، والقيادة التكيفية. كما أنها لا تكتفي بأتمتة العمليات القديمة، بل تعيد تصميم نماذج العمل من الأساس.
ويرصد التقرير استخدام هذه الأنظمة في الخليج لرصد أعطال الشبكات وتنفيذ إجراءات المعالجة تلقائيًا، وفي خدمة العملاء عبر «موظفين رقميين» متعددي اللغات يتعاملون مع الاستفسارات الروتينية، بينما تُحال القضايا الحساسة ثقافيًا إلى البشر. كما تُستخدم في إدارات الامتثال لمتابعة التغيرات التنظيمية وإعداد الوثائق، بحيث يتركز دور الخبراء على تفسير المخاطر الاستراتيجية.
ويؤكد المنتدى أن هذه التطبيقات حققت نتائج ملموسة، من بينها زيادة الإنتاجية وتقليص زمن المعالجة من أيام إلى ساعات. لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن «الموظفين الرقميين» لا يمثلون مجرد مشروع تقني، بل تحولًا عميقًا في مفهوم القوة العاملة، ويتطلب شجاعة تنظيمية ورؤية بعيدة المدى.
5 خطوات واضحة
ختم التقرير بالتأكيد على أن النجاح يتطلب خطوات عملية واضحة:
1 – ترسيخ نماذج فعالة للرقابة البشرية.
2 – تحديد مسارات تصعيد عند حدوث الأخطاء.
3 – توزيع المسؤولية بين المطورين والمؤسسات والجهات الرقابية.
4 – الحفاظ على طبقات البيانات السيادية لضمان الشفافية والامتثال.
5 – ضرورة الاستثمار في مهارات الحكم والسياق وبناء الثقة لدى القوى العاملة، وأن يعمل «الموظفون الرقميون» ضمن هويات وصلاحيات وحدود قرار محددة بدقة.
وضع معيار عالمي جديد
بحسب المنتدى الاقتصادي العالمي، إذا التزمت دول الخليج هذا النموذج، فإنها قادرة على وضع معيار عالمي جديد في عصر «الموظفين الرقميين» يجمع بين حماية السيادة وتعزيز القدرات البشرية، ويضمن أن الساعات التي يتم توفيرها عبر القطاعات المختلفة – مثل موظف القروض الذي انتقل من يومين من العمل الورقي إلى أربع ساعات من الإشراف الذكي – ستُعاد توجيهها باستمرار نحو أعمال أعلى قيمة وأعمق أثرًا.
