نظام التجارة الدولية متعدد الأطراف على مذبح دافوس 2026
(العربية)-26/01/2026
*د. إحسان علي بوحليقة
ما انطباعك عن منتدى دافوس 2026؟ الإجابة: يعتمد أين تنظر! الوفد السعودي كان خلية نحل ببرنامج مزدحم يعج بلقاءاتٍ ثنائية واجتماعات و حوارات ومقابلات، يدعمها اقتصادٌ يزيد تنوعاً ونمواً عاماً بعد عام، ورؤيةٌ تتحقق رغم التحديات، وما أكثر تلك التحديات. وإذا نظرت في ناحية أخرى تقابلك زاوية تعاونٍ مشروطٍ، حيث كشف منتدى دافوس تحولاً نحو “التعاون مع الدول الصديقة” والتكامل الإقليمي، وهذا يعني -من حيث الممارسة العملية- رمي نظام القواعد ومنظمة التجارة العالمية خلف الظهور، ليحل محله عالم مُجزأ تحل فيه المرونة محل الكفاءة كأولوية قصوى. وإن نظرت في ناحيةٍ أخرى ستدرك أن خطر التشظي الجيوسياسي كان حاضراً بقوة، فقد أكد مؤتمر دافوس 2026 في تقريرٍ صادر عنه أن التجزئة الجيو-اقتصادية لم تعد مجرد خطر، بل غدت وعاءً يحتضن التجارة والتمويل والأمن العالميين. وعندما يجول نظرك لخطب قادة الغرب تدرك بأن الغرب أصبح غربين؛ فقد طغى الحوار المتوتر حول المواجهات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا، ليرشح عنها أن التجزئة الإقليمية طغت وأزاحت شعار “روح الحوار” الشعار الرسمي في مؤتمر دافوس 2026. أما الزاوية النيرة فهي بارقة ذكاء اصطناعي، رغم ما تحمله من طبقية بين من يملك ومن لا يملك، لكنها تَعدّ بازدهار الاستثمارات المدفوعة الذكاء الاصطناعي، مما يمنح بصيص أملٍ بأن ثمة محور تجتمع دول العالم حوله. وهكذا، يمكن الوصول لنتيجة وهي أن التجزئة الجيوسياسية والتجارية العميقة هيمنت على مناقشات مؤتمر دافوس.
وفي دافوس 2026 شهد العالم، نوعاً جديداً من الملاسنات بين الحلفاء؛ الولايات المتحدة وأوروبا، حتى وصل الأمر إلى إلغاء الرئيس ماكرون” قمة “السبع الكبار، وتوعده الرئيس ترامب بأن أيامه غدت معدودة. يحدث كل هذا، فيما يقبع “التنين” في زاويةٍ ليست بالبعيدة يراقب الوضع بهدوء مترقباً المكاسب حتى قبل أن يحط الغبار، فهناك ما يبرر القول أن الصين هي الكاسب الأكبر، ففي دافوس 2026 قدّمت الصين نفسها كقائد هاديء جدير بالثقة في خضم سياسة ترامب الخارجية الصادحة والمثيرة للجدل؛ فعلى نقيض الأحادية والحمائية التي تنادي بها إدارة الرئيس ترامب علناً، أكدت الصين على التعددية والتجارة الحرة كمبادئ أساسية، وتمسكت بالتعامل وفق القواعد وأصرت على أهمية العولمة، في الوقت الذي نًعَتَ فيه لوتنيك، وزير التجارة الأميركي، في حديثه في دافوس في العولمة نعوتاً أشد مما قاله الامام مالك في الخمر!
ومن منظوري في إقليم مجلس التعاون لدول الخليج العربية، لستُ مسكوناً بما سيفعله ترامب مع أوروبا (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي)، فهذه الدول لا تختلف نظرتها لبقية بلدان العالم تحقيق مكاسب من تصدير معدات وأسلحة وتقنيات وخدمات واستقطاب سياح. والأقرب أن ينتهي العراك بينهما (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) بتفاهم من نوع آخر، فليس بوسع ترامب -مهما قال- أن يتخلى عن الاتحاد الأوروبي ليصبح لقمة سائغة للصين. ومن ذات المنظور، فالتركيز هو التمعن فيما قد تجلبه سياسات الرئيس ترامب من تداعيات جيوسياسية تعيد هيكلة الاقتصاد العالمي بعمق، إنطلاقاً وإرتكازاً لتستقر عند إعادة توزيع التجارة الدولية وإعادة كتابة قواعد تيسيرها وتسيرها، وإعلان هلاك منظمة التجارة الدولية أو لجعلها خاوية من أي تأثير، فيصبح “العجز أو الفائض التجاري مع الولايات المتحدة” هو مؤشر “القرب او البعد” من السلام والوئام، وأن “عصى” الرسوم الجمركية جاهزة لمن يتنازع مع الولايات المتحدة، كما تابعنا طوال العام الأول من ولاية ترامب الثانية؛ مع جيرانه كندا والمكسيك رغم وجود اتفاقية تجارة حرة هو من وقعها في ولايته الأولى، ومع الاتحاد الأوروبي، وبالتأكيد مع الصين، ومؤخراً مع المشروبات الفرنسية.
وليس خافياً أن إعادة تشكيل قواعد التجارة الدولية ستؤثر بطريقة أو بأخرى على الاستقرار العالمي، والسبب أن إعادة التشكيل تعني حُكماً إعادة تمركز سلاسل الإمداد العالمية، ومن ثمة إعادة أوليات تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وبالتالي إعادة توزيع جيو-اقتصادي للعالم لمناطق النمو والازدهار ومناطق الضمور والفقر، ما يؤدي إلى هزات اجتماعية-اقتصادية في جنبات العالم. وما يجعل الخطر بمثابةِ سحابة داكنة فوق الرؤوس هو حقيقة أن الاقتصاد العالمي “بساط” واحد يجمع بلدان العالم، وتتأثر بما يعتريه -سلباً أو إيجاباً، ومن شواهد ذلك ظواهر أن مثل الضخم المستورد، والهزات الاقتصادية التي تأتي من الخارج نتيجة لتغيرات مباغتة في أسعار السلع المستوردة او المصدرة أو انقطاع امداداتها، وخير شاهد عايشه العالم بأسرهِ إبان جائحة كوفيد.
ما الحل؟ على الرغم من توجهات إدارة ترامب من سعي واضح لتهميش النظام العالمي القائم، فينبغي حماية وتحصين المنظمات متعددة الأطراف مثل منظمات الأمم المتحدة، بما في ذلك منظمة التجارة الدولية، حفاظاً على الاستقرار العالمي اجمالاً والاقتصاد العالمي على وجه الخصوص. والسبب أن التخلي عن نظام التجارة العالمي متعدد الأطراف والمتعمد على القواعد (rule-based) سيعني الذهاب للفوضى، حيث لا قواعد، وبالتالي زيادة النزاعات التجارية وارتفاع خطر نشوب حروب، وإضاعة جهدٍ لضبط التجارة العالمية استمر نحو نصف قرن، بما في ذلك جولتها الأخيرة (جولة أورغواي استمرت 8 سنوات) والتي شاركت فيها أكثر من 120 دولة.
وما أهمية التمسك بالمنظمات الدولية، ومنظمة التجارة الدولية؟! أنها تعمل كسد لتجنب وتحييد “الاكراه الاقتصادي” من خلال آليات فض المنازعات، والتي تسعى إدارة الرئيس ترامب لتحييد تلك الآليات، بل تؤدي سياسات ترامب الجمركية إلى تسريع إعادة تشكيل سلسلة التوريد العالمية ليميل منسوبها في اتجاه واحد، مما خلق فائزين في جنوب شرق آسيا وتايوان بينما فرض تكاليف على أوروبا وأبطأ النمو العالمي الإجمالي إلى 3.1 بالمائة متوقعة في عام 2026، في حين أثبتت الصين مرونتها، حيث أعادت توجيه الصادرات إلى أسواق أخرى وحققت فوائض تجارية قياسية على الرغم من التوترات التجارية، مما يدل على أن الرسوم الجمركية أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي. وهكذا، نجد أن الاقتصاد العالمي في طريقه ليتفتت نتيجةً لتنازع الأقوياء، ليعاد تشكيله من جديد وفق قاعدة: “إما أن تتاجر معي وإلا فأنت عدوي”!
