بنوك المراسلة الأميركية لا تُهيمن على حركة الأموال العربية
والعملات الرقمية للبنوك المركزية تُعدُّ أداة رسمية للمدفوعات
من الواضح أن بنوك المراسلة الأميركية لا تمثّل هيمنة فعلية على حركة الأموال العربية، بل إن السيطرة الفعلية تأتي من هيمنة الدولار الأميركي على التجارة الدولية، حيث لا يزال يشكل أكثر من 65 % من المعاملات الدولية. وفي هذا السياق، إن أي عملية مقاصة أو تسوية مالية دولية غالباً ما تمر عبر بنوك المراسلة الأميركية، إذ تلتزم هذه البنوك بإجراءات صارمة لضمان صحة المعاملات والإمتثال للقوانين، ما يُعزّز الإستقرار المالي عالمياً وعلى مستوى المنطقة العربية.
ولا شك في أن بنوك المراسلة الأميركية تقوم بعمليات «العناية الواجبة» لأي تحويل مالي، للتحقُّق من خلوّها من عمليات غسل أموال أو تمويل إرهاب أو فساد، ما يُسهم في خلق نظم مالية مستقرة ومنتظمة. علماً أن المصارف العربية يجب أن تلتزم القوانين الدولية الصارمة في هذا المجال، وأن البنوك المركزية العربية قامت بدور ممتاز في تطبيق تشريعات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يُعزّز الثقة بالنظام المصرفي الإقليمي.
إن دور البنك المراسل إيجابي لكنه مكلف في الوقت نفسه، إذ يتعيّن على البنك الذي يتعامل معه، أي البنك المستفيد أو المجيب، الإلتزام الكامل بجميع القوانين والأنظمة المرعية. كما أن الإلتزام بهذه المعايير يضمن وصول المعاملات المالية إلى الأسواق العالمية بسلاسة، ويجنّب البنوك أي مخاطر مرتبطة بالعقوبات أو الرقابة الدولية، ما يحافظ على إستقرار النظام المالي ويحدّ من المخاطر التشغيلية.
أما عن العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs)، فإنها تصدر فعلياً عن البنك المركزي ومدعومة منه، وتختلف عن العملات المشفّرة مثل البتكوين، التي تُعدُّ سلعة وليست وسيلة دفع قانونية عامة. علماً أن العملات الرقمية للبنوك المركزية تُعد أداة رسمية للمدفوعات، مدعومة بحسابات مصرفية فعلية، لكنها لا تشكل بديلاً عن عمليات التسوية والمقاصة التي تنفذها بنوك المراسلة التقليدية، على الأقل في المرحلة الحالية.
من جهة أخرى، في ما يخص مشروع «بُنى»، فإنها منصّة ممتازة أنشأتها البنوك المركزية العربية برعاية صندوق النقد العربي، وتختص بالمقاصة الإقليمية داخل الدول العربية وليست الدولية. وتُتيح المنصّة تسوية المدفوعات بين الدول العربية بفعّالية، مع الإلتزام الكامل بجميع القوانين الدولية المعمول بها، بما في ذلك توصيات مجموعة العمل المالي وتوصيات بازل. علماً أن منصّة «بُنى» معترف بها دولياً، وتمتلك تواصلاً مباشراً مع الجهات الرقابية العالمية، وتطبّق أعلى مستويات الحوكمة والشفافية، ما يُعزّز الثقة بالنظام المصرفي الإقليمي، ويُسهم في تقليل الإعتماد على آليات التسوية الدولية بالدولار عند الحاجة. كما أن بنوك المراسلة الأميركية تُسهم في الإستقرار والإنتظام المالي العالمي، وأن الهيمنة الفعلية على الأموال العربية تعود إلى إعتماد الدولار عملة رئيسية في التجارة الدولية، وليس لبنوك المراسلة دور إستراتيجي في فرض السيطرة السياسية.
ويبرز كذلك أن العملات الرقمية للبنوك المركزية ومنصّة «بُنى» تشكل بدائل مهمة لتسهيل المدفوعات الإقليمية، لكنها لا تزال مكملة للنظام القائم ولا تشكل تهديداً مباشراً للدولار أو للبنية التحتية المالية التقليدية. ويعكس هذا التوجُّه نهجاً متوازناً بين الإستفادة من الإستقرار العالمي الذي توفّره بنوك المراسلة الأميركية، وبين تطوير أدوات إقليمية حديثة لتعزيز السيولة والمرونة المالية في العالم العربي، بما يدعم الإستقلال المالي التدريجي من دون الإخلال بالإندماج في النظام المالي الدولي.
