بين السلوك الإجرامي والتثقيف
الدور المتنامي للإعلام الاجتماعي في تشكيل القناعات والسلوكيات
يُؤثر في الإنتقال من المقاربات العلاجية اللاحقة إلى إستراتيجيات وقائية إستباقية
أصبحت الجرائم في مختلف أشكالها، ولا سيما الجرائم ذات الطابع الإقتصادي والرقمي، نتاجاً معقداً لتفاعل عوامل نفسية وسلوكية مع بيئة معلوماتية متسارعة، لم يعد فيها السلوك الإجرامي فعلاً معزولاً بقدر ما هو نتيجة سياق إجتماعي إعلامي يُسهل التبرير، ويُخفّض كلفة المخاطرة، ويُعيد تشكيل إدراك الأفراد لمفاهيم الخطأ والمسؤولية. ففي ظل التحوّل الرقمي وإنتشار منصّات الإعلام الإجتماعي، لم يعد مصدر المعرفة أو التأثير مقتصراً على المؤسسات التعليمية أو القنوات الرسمية، بل باتت المعلومات بما فيها المضلّلة أو غير المكتملة تنتج وتُتداول بسرعة تفوق قدرة الأطر التقليدية على الضبط والتصحيح.
وفي هذا الإطار، يبرز التثقيف كعنصر حاسم في فهم السلوك الإجرامي والحدّ من مخاطره، ليس بوصفه نشاطاً توعوياً عاماً، بل كأداة وقائية تُسهم في تعزيز المناعة النفسية والسلوكية لدى الأفراد والمؤسسات على حد سواء. فضعفُ الوعي، وسوءُ تقدير المخاطر، وتأثيرُ الخطاب الإعلامي غير المنضبط، عوامل تفتح المجال أمام أنماط جديدة من الإستغلال والتلاعب، وتُعيد إنتاج السلوك الإجرامي بصيغ أكثر تعقيداً وأقل قابلية للإكتشاف المبكر.
العوامل النفسية المؤثرة في تشكّل السلوك الإجرامي
يتأثر السلوك الإجرامي بجملة من العوامل النفسية التي تُسهم في الإنتقال التدريجي من الإلتزام بالقواعد إلى خرقها، حيث تلعب آليات التبرير الذاتي دوراً محورياً في خفض الحواجز الأخلاقية لدى الأفراد، ولا سيما في البيئات التي تتسم بضعف الرقابة أو غموض المسؤوليات. فالإحساس بضعف إحتمالات الإكتشاف، إلى جانب النزعة إلى تعظيم المنفعة قصيرة الأجل، يدفع بعض الأفراد إلى إعادة تعريف السلوك المخالف بوصفه تصرفاً مقبولاً أو أقل ضرراً، خصوصاً عندما يكون الضرر غير مباشر أو مؤجّل الظهور. كما يُسهم الضغط المهني والإجتماعي، والرغبة في تحقيق مكانة أو مكاسب سريعة، في تعزيز قابلية الإنخراط في سلوكيات إجرامية، لا سيما عندما تغيب الثقافة المؤسسية الرادعة أو تُرسخ نماذج سلوكية تضفي طابعاً اعتيادياً على المخالفات الصغيرة. ويزداد هذا التأثير في السياقات الرقمية، حيث يُؤدي البُعد النفسي الناتج عن التفاعل غير المباشر إلى إضعاف الشعور بالمسؤولية، ويُسهل ممارسة الخداع أو التلاعب دون إدراك فوري لعواقبه القانونية أو الاجتماعية، ما يجعل العوامل النفسية عنصراً أساسياً في فهم أنماط الجريمة الحديثة وسبل الوقاية منها.
دور الإعلام الإجتماعي في نشر المعلومات وتشكيل السلوك الإجرامي
أدّى التوسُّع المتسارع في إستخدام منصّات الإعلام الإجتماعي إلى إعادة تشكيل بيئة تداول المعلومات، بحيث لم تعد هذه المنصّات مجرّد وسيلة تواصل، بل تحوّلت إلى فضاء مؤثر في تشكيل القناعات والسلوكيات، بما في ذلك السلوك الإجرامي. فسهولة إنتاج المحتوى وسرعة إنتشاره، مقرونتان بضعف آليات التحقُّق، أوجدتا بيئة خصبة لإنتشار المعلومات المضلّلة والخطابات التي تُطبع المخالفات أو تبرّرها، سواء بصورة مباشرة عبر الترويج لأساليب الإحتيال والإستغلال، أو بصورة غير مباشرة من خلال سرديات تمجّد التحايل وتُقلّل من خطورة العواقب القانونية. كما تُسهم خوارزميات تعزيز التفاعل في إبراز المحتوى الصادم أو الجاذب على حساب الدقة والموثوقية، ما يُؤدي إلى تضخيم أنماط سلوكية منحرفة وتوسيع دائرة تقبّلها إجتماعياً. وفي السياق ذاته، أصبحت هذه المنصّات أداة فعّالة في إستهداف الأفراد ذوي الوعي المحدود أو القابلية النفسية العالية للتأثر، عبر أساليب الهندسة الإجتماعية التي تستثمر في الثقة، وفي العاطفة، وفي ضغط الجماعة، مما يُعزّز إحتمالات الوقوع في الجريمة أو التحوُّل إلى ضحية لها. وبذلك، يغدو الإعلام الإجتماعي عاملاً مضاعفاً للمخاطر، يُسرّع إنتشار السلوك الإجرامي ويعقّد جهود المكافحة، ما لم يُقابل بإدارة معلوماتية رشيدة وتثقيف منهجي قادر على تحصين الأفراد والمؤسسات من تأثيراته السلبية.
دور التثقيف والوعي في الوقاية من السلوك الإجرامي
يُشكّل التثقيف والوعي أحد المرتكزات الأساسية للوقاية من السلوك الإجرامي، بوصفهما أدوات إستباقية تعالج جذور المشكلة قبل تحوّلها إلى ممارسات مخالفة أو جرائم مكتملة الأركان. فرفع مستوى الوعي بالمخاطر القانونية والإقتصادية والإجتماعية، وتعزيز الفهم النقدي للمعلومات المتداولة، يُسهمان في إعادة ضبط السلوك الفردي والجماعي ويُحدّان من قابلية الإنخراط في أنماط منحرفة أو الوقوع ضحية لها. كما يؤدي التثقيف المنهجي إلى تقوية ما يُمكن تسميته بالمناعة السلوكية، من خلال تمكين الأفراد من التعرف المبكّر على أساليب الخداع والتلاعب، وفهم آليات التأثير النفسي التي تستغلها الجرائم الحديثة، ولا سيما في البيئات الرقمية. وعلى المستوى المؤسسي، يُعد دمج برامج التوعية ضمن السياسات التنظيمية والحوكمة أداة فاعلة لتقليص مناطق الرمادية السلوكية وتعزيز ثقافة الإمتثال والمسؤولية، بما يحد من إحتمالات التواطؤ أو التساهل مع المخالفات. وفي ظل الدور المتنامي للإعلام الإجتماعي، تكتسب مبادرات التثقيف أهمية مضاعفة بإعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة المعلومات المضللة وتطبيع السلوك الإجرامي، حيث يُساهم الوعي في تحويل الأفراد من متلقين سلبيين إلى فاعلين قادرين على التمييز والتحقق، بما يُعزّز الوقاية المستدامة ويخفف الأعباء اللاحقة على منظومات العدالة والرقابة.
في الخلاصة، تُظهر هذه الدراسة أن السلوك الإجرامي لم يعد نتاج عامل منفرد أو إنحراف فردي معزول، بل هو حصيلة تفاعل معقّد بين دوافع نفسية، وبيئة معلوماتية متسارعة، ومستويات متفاوتة من الوعي والتثقيف. وفي ظل الدور المتنامي للإعلام الإجتماعي في تشكيل القناعات والسلوكيات، تتزايد أهمية الإنتقال من المقاربات العلاجية اللاحقة إلى إستراتيجيات وقائية إستباقية تُعلي من شأن التثقيف المنهجي وتعزيز الوعي النقدي. فكلّما إرتفعت قدرة الأفراد والمؤسسات على فهم آليات التأثير والتلاعب، تقلّصت المساحات التي ينفذ منها السلوك الإجرامي، وتراجعت فرص إنتشاره وتطبيعه إجتماعياً. وعليه، يصبح الإستثمار في التثقيف والوعي خياراً إستراتيجياً لا يقل أهمية عن الأطر القانونية أو الأدوات التقنية، بإعتباره مساراً مستداماً للحد من الجريمة وتعزيز السلوك المسؤول وترسيخ بيئة أكثر أمناً وإستقراراً على المستويين المجتمعي والمؤسسي.
المصدر: إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية
