17عاماً بعد الأزمة… كيف تقود واشنطن موجة التخفيف التنظيمي للبنوك عالمياً؟
المصارف الكبرى: بين التيسير التنظيمي الأميركي وتحدّيات المخاطر الدولية

بعد مرور سبعة عشر عاماً على الأزمة المالية العالمية التي إندلعت أواخر العام 2007، بدأت الهيئات التنظيمية حول العالم في تخفيف الإجراءات البيروقراطية المفروضة على البنوك، سعياً منها للحفاظ على قدرة المقرضين على المنافسة وتحفيز إقتصاداتها، وفق صحيفة «الشرق الأوسط».
وتقود إدارة دونالد ترمب هذه الجهود، بما في ذلك إتخاذ تدابير لتقليل حجم رأس المال الذي يُلزَم المقرضون بتخصيصه. ويُثير خفض متطلبات رأس المال قلق بعض المراقبين من أن الولايات المتحدة قد أشعلت شرارة تراجع عالمي عن اللوائح المصممة لحماية الأنظمة المالية، في وقت تزداد فيه المخاوف بشأن فقاعات السوق ومخاطر الإستقرار المالي.
المشهد العالمي
على المستوى الدولي، يُفترض أن تتوافق الهيئات التنظيمية في كل دولة مع نظام «بازل» التنظيمي، الذي وُضع بعد الأزمة المالية العالمية في العام 2008، ويهدف إلى ضمان تطبيق معايير دنيا لرأس المال في جميع أنحاء العالم، بما يتيح للمقرضين تجاوز خسائر القروض خلال فترات الأزمات، ويُحقق تكافؤ الفرص بين البنوك.
لكن في الواقع، هناك مساحة واسعة للمناورة، كما يتضح من اختلاف طرق تطبيق أحدث القواعد المعروفة بإسم «نهاية بازل 3».
وأرجأ كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا تطبيق أجزاء رئيسية من هذه القواعد، مثل تلك المتعلقة بأنشطة التداول المصرفي، في إنتظار الخطوات التي ستتخذها الولايات المتحدة.
الولايات المتحدة مقابل أوروبا
تبدو متطلّبات نسبة رأس المال للبنوك في منطقة اليورو وبريطانيا والولايات المتحدة متشابهة نظرياً.
يُحدّد الاحتياطي الفيدرالي نسبة رأس المال الأساسي من المستوى الأول، CFT1، وهو المقياس الأكثر شيوعاً لرأس المال، بين 10.9 % و11.8 %، بعد إضافة بنود خاصة ببنوك «وول ستريت» الكبرى، مثل «جي بي مورغان» و«سيتي» و«غولدمان ساكس».
أما في منطقة اليورو، فيبلغ متوسط نسبة رأس المال الأساسي من المستوى الأول لدى البنك المركزي الأوروبي 11.2 % للمقرضين، بما في ذلك «دويتشه بنك» و«سانتاندير» و«بي إن بي باريبا»، بالإضافة إلى متطلّبات «الركيزة الثانية» الخاصة بكل بنك، والتي تبلغ نحو 1.2 %.
وخفّضت لجنة السياسة المالية في بنك إنكلترا الحدّ الأدنى لنسبة رأس المال الأساسي من المستوى الأول إلى 11 %، من دون إحتساب الإضافات الخاصة بكل بنك، والتي قد تصل حالياً إلى حوالي 2.5 % للبنوك الكبرى.
وتحتفظ جميع البنوك الكبرى برأس مال يفوق المطلوب، حيث تهدف هذه الاحتياطيات الذاتية لتهدئة المخاوف التنظيمية وتعزيز ثقة المستثمرين.

هل يُمكن المقارنة بين البنوك؟
وفق الرؤساء التنفيذيين للبنوك الكبرى، تواجه بنوكهم تحدّيات أكبر من مجرد أرقام رأس المال، فمقارنة النسب البسيطة قد تكون مضلّلة، إذ تتبنّى الهيئات الرقابية الاحترازية مناهج مختلفة تعكس اختلاف القطاعات المصرفية المحلية.
وتتألف قواعد رأس المال من جزأين: ترجيح المخاطر، الذي يقيس مخاطر أصول البنك، ونسبة رأس المال، التي تحدد حجم رأس المال الذي يجب على البنك الاحتفاظ به كنسبة من تلك الأصول.
على عكس المملكة المتحدة ومنطقة اليورو، لا تستطيع البنوك الأميركية الإعتماد على نماذجها الداخلية لتحديد ترجيح المخاطر، ما يعني غالباً قيوداً أكثر صرامة للبنوك الكبيرة.
التخفيف التنظيمي في الولايات المتحدة
تعمل الهيئات التنظيمية الأميركية، التي عيّنها الرئيس دونالد ترمب، على تأجيل وتخفيف تطبيق القواعد الجديدة، بالإضافة إلى مراجعة وإعادة صياغة لوائح رأس المال الحالية، بحجة جعلها أكثر ملاءمة للمخاطر الفعلية.
وتشمل المقترحات، بقيادة ميشيل بومان من مجلس الاحتياطي الفيدرالي، تعديل قواعد الرافعة المالية، والرسوم الإضافية على المؤسسات المالية ذات الأهمية النظامية العالمية، وإعادة النظر في متطلبات المرحلة النهائية من اتفاقية «بازل 3».
كما يُجري الإحتياطي الفيدرالي إصلاحاً شاملاً لاختبارات الضغط السنوية للبنوك الكبيرة، وهو تحوُّل متوقع أن يقلّص رأس المال الذي يجب على البنوك الإحتفاظ به لمواجهة الخسائر المحتملة، ما يمنح المقرضين الأميركيين فائضاً أكبر بكثير في رأس المال. وقدّر محلّلو «مورغان ستانلي» أن هذه التغييرات المحتملة قد تُتيح للبنوك الأميركية تريليون دولار إضافية في قدرتها على الإقراض.
مع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة أن البنوك ستزيد من القروض، إذ قد تفضّل بعضها زيادة توزيعات الأرباح على المستثمرين أو تمويل عمليات الاستحواذ.
