خطة الصين العبقرية للفوز بسباق الذكاء الاصطناعي تؤتي ثمارها
(البيان)-02/02/2026
قبل نحو ثلاث سنوات، تلقت ستايسي تانغ، المديرة في شركة أدوية ببكين، مكالمة هاتفية غريبة.
طلب منها صوت من رقم هاتف أرضي مجهول أن ترسل ابنها البالغ من العمر 15 عاماً لإجراء اختبار تأهيلي للالتحاق بـ«فصل العباقرة» في إحدى مدارس النخبة الثانوية بالمدينة.
كان ذلك في نوفمبر 2022، أي خلال إجراءات الإغلاق في بكين بسبب جائحة كوفيد 19. كانت المدارس مغلقة في معظمها، وكان يُنصح بتجنب أي تواصل مباشر. ومع ذلك، بدت فكرة الاختبار غريبة: شاحنة ستجوب بالفتى شوارع العاصمة لمدة ساعة بينما يحل مسائل رياضية على مستوى الجامعة.
ربما كان بعض الآباء سيرفضون الفكرة، لكن ليس تانغ. قالت وهي تبتسم لي من خلال بخار قهوتها المتصاعد في «ستاربكس»: «في أي بلد آخر، كنت ستشك فوراً في أنها مؤامرة اختطاف أو مجرد جنون». بدلاً من ذلك، انهمرت دموعي فرحاً، وأرسلت ابني على الفور. أدركت حينها أن هذه فرصته الذهبية للالتحاق بأفضل المدارس في الصين.
كان ابن تانغ واحداً من بين ما يقدر بنحو 100 ألف مراهق صيني موهوب يتم اختيارهم سنوياً للالتحاق بشبكة من برامج تنمية المواهب العلمية، المنتشرة في أفضل المدارس الثانوية في البلاد.
وتدرب هذه البرامج الطلاب الموهوبين على خوض مسابقات دولية في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء وعلوم الحاسوب.
وكانت تانغ سلكت مساراً مماثلاً قبل 30 عاماً، في مسقط رأسها تشنغدو جنوب غرب الصين. وساعدها ذلك على الانتقال للدراسة في جامعة بكين المرموقة، والحصول على وظيفة مرموقة براتب مجزٍ.
على مدى عقود، خرجت هذه البرامج نخبة من رواد قطاعات العلوم والتكنولوجيا في الصين. ولا يمكن المبالغة في أهمية دورها في تطوير الشركات التي تنافس اليوم هيمنة الولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا، لا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتصنيع المتقدم.
ومن بين خريجي «برامج العبقرية» مؤسس شركة بايت دانس، الشركة الأم لتطبيق تيك توك، والمطورون الأساسيون وراء خوارزميات توصيات المحتوى القوية.
كما تخرج من هذا البرنامج كل من قائدي أكبر منصتين للتجارة الإلكترونية في الصين، «تاوباو» و«بي دي دي»، إضافة إلى الملياردير مؤسس تطبيق ميتوان، التطبيق العملاق لتوصيل الطعام.
وكان الأخوان المؤسسان لشركة كامبريكون لصناعة الرقائق الإلكترونية، والتي تعد اليوم من أبرز المنافسين الصينيين لشركة إنفيديا، من خريجي هذا البرنامج.
وكذلك المهندسون الأساسيون وراء النماذج اللغوية الضخمة الرائدة في ديب سيك وكوين التابعة لشركة علي بابا، ناهيك عن كبير العلماء الجديد المرموق في شركة تينسنت، الذي تم استقطابه من جانب «أوبن إيه آي» أواخر العام الماضي. والقائمة تطول.
وتختلف «برامج العبقرية» في الصين اختلافاً جوهرياً عن برامج تنمية المواهب في الغرب. أولاً، يتفوق هذا النظام على منافسيه الدوليين من حيث الحجم.
ثانياً، هو نظام حكومي. وتخرج الصين سنوياً حوالي خمسة ملايين طالب متخصص في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وفقاً لوكالة أنباء شينخوا الرسمية، مقارنةً بنحو نصف مليون طالب في الولايات المتحدة.
وعشرات الآلاف من هؤلاء الخريجين طلاب متفوقون، يتم انتقاؤهم من الفصول الدراسية العادية لفترة دراسية مكثفة بين سن 16 و18 عاماً.
وبينما ينكب آخرون على اجتياز امتحانات القبول الجامعي الصينية، المعروفة باسم «الغاوكاو»، فإن هؤلاء الطلاب المتفوقين لديهم فرصة لتجاوز هذا المسار تماماً، إذ يحصلون على مقاعد في أفضل الجامعات قبل تخرجهم من المدرسة الثانوية، وذلك بناءً على نتائجهم في المسابقات الدولية المرموقة.
ويواصل الطلاب المتفوقون مسيرتهم نحو برامج أكثر تقدماً للمواهب في أفضل الجامعات الصينية، مثل برامج علوم الحاسوب المتميزة في جامعتي تسينغهوا وشنغهاي جياو تونغ.
وعندما وصف جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، وهو أمريكي من أصل تايواني، باحثي الذكاء الاصطناعي الصينيين بأنهم «من الطراز العالمي» العام الماضي، كان على الأرجح يقصد الخريجين المتميزين الذين يبنون عمالقة التكنولوجيا في البلاد، مثل ديب سيك وهواوي، بالإضافة إلى شركات الذكاء الاصطناعي على الصعيد الدولي.
وقال هوانغ في مايو الماضي: «عندما تتجول في أروقة أنثروبيك أو أوبن إيه آي أو ديب مايند (غوغل)، ستجد مجموعة كبيرة من باحثي الذكاء الاصطناعي، وجميعهم من الصين.. إنهم استثنائيون، ولذا فإن قيامهم بعمل استثنائي ليس مفاجئاً بالنسبة لي».
وقبل عام، عندما فاجأت شركة ديب سيك الصينية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي العالم بإطلاق نموذجها اللغوي الضخم عالي الأداء، R1، بتكلفة زهيدة مقارنة بمنافسيها الدوليين، تساءل العديد من المراقبين الغربيين كيف يمكن لفريق صغير من الباحثين الصينيين أن يكون في موقع يسمح له بتحدي هيمنة الذكاء الاصطناعي الأمريكية. ولعل وجود نخبة من الباحثين المتميزين هو جزء كبير من الإجابة.
وقبل عام، عندما صدمت شركة ديب سيك الصينية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي العالم بإطلاق نموذجها اللغوي الضخم عالي الأداء، R1، بتكلفة أقل بكثير من منافسيها الدوليين، تساءل العديد من المراقبين الغربيين كيف يمكن لفريق صغير من الباحثين الصينيين أن يكون في موقع يسمح له بتحدي هيمنة الذكاء الاصطناعي الأمريكية. إن وجود نخبة من الباحثين المتميزين هو جزء كبير من الإجابة.
ويعد برنامج «الفصل التجريبي الخاص لعلوم الحاسوب» في جامعة تسينغهوا أحد أبرز برامج تنمية المواهب في الصين.
ويعرف هذا البرنامج باسم «فصل ياو»، نسبةً إلى عالم الحاسوب الصيني الشهير أندرو ياو الذي يدرس فيه. وياو، الذي تلقى تدريبه في جامعة هارفارد ودرس في جامعة برينستون، مشهور بأعماله الرائدة في مجالي الحوسبة الكمومية والتشفير. وهو الصيني الوحيد الحائز على جائزة تورينغ، التي تعتبر كجائزة نوبل في علوم الحاسوب.
وبدا موقع ياو في الأوساط الأكاديمية الأمريكية راسخاً. ومع ذلك، فإنه في عام 2004، ترك وظيفته التدريسية الدائمة في جامعة برينستون ليؤسس برنامجاً جامعياً في علوم الحاسوب في جامعة تسينغهوا ببكين. وكانت هذه خطوة رمزية اعتُبرت دليلاً على تغير موازين القوى في سباق التكنولوجيا بين الولايات المتحدة والصين.
وكان طموح ياو بسيطاً: إنشاء مركز لتدريب المواهب في الصين يضاهي مراكز معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة ستانفورد. وبعد أقل من عقد من الزمان، وتحديداً في عام 2018، صرح لأحد المحاورين قائلاً: «لقد تحقق هدفي.. أعتقد أن طلابنا اليوم أفضل من طلاب نخبة الجامعات الأمريكية».
وكان لو تيانتشنغ، المؤسس المشارك والمدير التقني لشركة «بوني. ايه آي» وهي شركة ناشئة في مجال سيارات الأجرة ذاتية القيادة، بلغت قيمتها 6.9 مليارات دولار بعد طرحها للاكتتاب العام في 2025، من أوائل الطلاب الذين تم اختيارهم لبرنامج ياو.
وكان لو بطلاً في فئة العباقرة، فقد فاز بالميدالية الذهبية في أولمبياد المعلوماتية في المدرسة الثانوية. وبفضل هذه الجائزة، كان بإمكانه اختيار أي جامعة أو أي برنامج من أفضل البرامج. ولم يكن الاختيار صعباً، كما قال في سبتمبر الماضي: «لم أتردد لحظة، فمع البروفيسور ياو أردت أن أتعلم من الأفضل ومع الأفضل».
ويبدأ برنامج ياو بحوالي 30 طالباً سنوياً، جميعهم من نخبة النخبة في المسابقات وامتحان القبول الجامعي (الغاوكاو).
وعلى سبيل المثال، ضمت دفعة عام 2019 المكونة من 27 طالباً 24 طالباً حاصلين على ميداليات ذهبية وثلاثة طلاب حاصلين على المركز الأول في امتحان (الغاوكاو) في مقاطعاتهم، وفقاً لتقرير المدرسة.
ويعزو لو الفضل لنظام «فصول العباقرة» في تشجيع التعلم الذاتي الذي يساعد الطلاب على مواجهة أصعب المشكلات، والتي يعجز حتى أساتذتهم عن حل بعضها، بدلاً من الاعتماد على الحفظ والتلقين المطلوب في امتحان القبول الجامعي (الغاوكاو).
وعبر لو عن عدم اعتقاده أن الذكاء الاصطناعي العام سيظهر بالطريقة التي توقعها الكثيرون، على غرار الذكاء العام، لكن، في قطاعات عديدة، سيصل الذكاء الاصطناعي إلى مستوى الذكاء البشري، بل ويتفوق عليه، إذا تم تدريبه بشكل صحيح. وينبغي أن تكون القيادة الذاتية من أوائل المجالات التي تصل إلى هذا المستوى. قد يحدث ذلك في غضون خمس سنوات.
وفي هذه الأثناء، يطبق لو نظرية التعلم الذاتي الموجه هذه في تعليم ابنته، التي لا تزال في المرحلة الابتدائية. «نضع لها أهدافاً ونعلمها الأساسيات. أما الباقي، فلها كامل الحرية في استكشافه».
وبالطبع، من بين ملايين الطلاب الذين تدربوا بجد في فصول الموهوبين على مر السنين، لا بد من وجود بعض الإخفاقات والحالات الشاذة. ولا شك أن خطة الصين لتنمية المواهب الشابة تؤتي ثمارها على المستوى الوطني.
أما على المستوى الفردي، فهناك شك في جدوى هذا البرنامج بالنسبة لجميع ممن شاركوا فيه، طوعاً أو كرهاً، على مدى العقود الماضية. لكن ما يبقى راسخاً هو فضول التساؤل، والانضباط في التفكير المنطقي، والشجاعة في مواجهة المجهول.
وأخبرني داي وينيوان، خريج برنامج المواهب الشابة البالغ من العمر 43 عاماً وبطل مسابقة البرمجة العالمية قبل 20 عاماً، أنه يرى في الموهبة ميزة الصين الرئيسية في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.
وقال: هناك أكثر من 1000 نموذج ذكاء اصطناعي توليدي مسجل في الصين، وهو أمر لا يتصور في أي مكان آخر، لأنه أين يمكن أن تجد فرقاً من المهندسين كافية للبناء على هذا النطاق الواسع؟
