دول الخليج تبرز كتكتل تجاري صاعد
(القبس)-09/02/2026
في وقتٍ تشهد فيه التجارة العالمية ضغوطًا متزايدة، وتحولت فيه العولمة في بعض الدوائر إلى مفهوم مثير للجدل مع صعود النزعات الحمائية، يبرز الشرق الأوسط كاستثناء لافت، مسجلًا طفرة واضحة في حركة التجارة والانفتاح الاقتصادي، وفق تقرير لوكالة بلومبيرغ.
ويشير التقرير إلى أن دول الخليج قادت هذا الزخم، حيث ارتفع حجم تجارة المنطقة بمعدل سنوي بلغ %15 خلال الفترة من 2021 إلى 2024، بحسب تقديرات اقتصاديي بنك ستاندرد تشارترد. ويُعد هذا المعدل أعلى بكثير من المتوسط العالمي البالغ %9، ما أسهم في زيادة حصة الشرق الأوسط من التجارة العالمية، في مسار تؤكد البيانات الأحدث استمراره حتى الآن.
وتعكس هذه الطفرة تعمّق العلاقات التجارية مع آسيا على وجه الخصوص، إلى جانب تنامي الروابط مع أفريقيا التي بدأت تبرز كمصدر متزايد الأهمية للواردات. ووفق مذكرة صادرة هذا الأسبوع عن محللي ستاندرد تشارترد، من المتوقع أن يصل حجم التجارة عبر ممر آسيا – الشرق الأوسط إلى نحو 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2030، مقارنة بـ905 مليارات دولار في عام 2024، في حين يُرجّح أن تتضاعف التجارة مع أفريقيا لتصل إلى 260 مليار دولار.
الطلب الاستهلاكي
وبحسب «بلومبيرغ»، فإن هذا النمو يستند إلى مزيج من ارتفاع الطلب الاستهلاكي وتعاظم دور المنطقة كمركز لوجستي عابر للقارات، وهو دور يشبه الوظيفة التي أدّتها مطارات الشرق الأوسط لعقود في حركة السفر الدولية. وقد أسهم ذلك في إعادة تشكيل نظرة العالم إلى المنطقة، بحيث لم تعد تُصنَّف فقط كمصدر للطاقة، بل كمحور تجاري ولوجستي متكامل.
ويأتي هذا التحول في وقت تسعى فيه الاقتصادات الكبرى إلى تنويع شراكاتها التجارية، في ظل الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وتبرز السيارات الصينية كمثال واضح على صعود الشرق الأوسط كتكتل تجاري مؤثر. فقد استوردت الإمارات ما يقارب 560 ألف سيارة ركاب من الصين خلال عام 2025، وفق بيانات رسمية صينية، لتصبح ثالث أكبر وجهة لهذه السيارات بعد المكسيك وروسيا، رغم الفوارق الكبيرة في عدد السكان.
ورغم الانتشار الواسع للسيارات الصينية في السوق الإماراتية، توضح «بلومبيرغ» أن جزءًا كبيرًا من هذه الواردات لا يُقصد به الاستهلاك المحلي، بل يعكس مكانة الدولة كمركز عبور إقليمي، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، إلى جانب انخفاض الحواجز التجارية وتطور البنية التحتية.
ونقلت الوكالة عن محللة «بلومبيرغ إنتليجنس» جوانا تشين قولها إن بعض هذه السيارات «تكون وجهتها الأولى الإمارات قبل إعادة تصديرها إلى بقية دول الشرق الأوسط»، مشيرة إلى أن السعودية تُصنَّف ضمن أكبر عشرة مستوردين للسيارات الصينية.
التجارة مع أفريقيا
وفي الوقت ذاته، يشير تقرير «بلومبيرغ» إلى أن نمو تجارة الشرق الأوسط مع أفريقيا يتغذى بشكل متزايد على المعادن النفيسة. فقد تضاعفت واردات الذهب والألماس وغيرها من المعادن الثمينة في عام 2024 مقارنة بعام 2020، وفق ستاندرد تشارترد، كما تصدرت الإمارات عالميًا في عام 2025 من حيث نصيب الفرد من مشتريات الذهب الاستهلاكية.
غير أن طموحات المنطقة تمتد إلى ما هو أبعد من تجارة المعادن، إذ تعهّد مستثمرون من الشرق الأوسط بضخ مليارات الدولارات في اقتصادات أفريقية واعدة، تشمل قطاعات الطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا، والعقارات، والزراعة، متجاوزين في حجم الاستثمارات المعلنة كلاً من الصين وعدد من الدول الأوروبية.
دفع الطلب على الواردات
على نطاق أوسع، تخلص «بلومبيرغ» إلى أن زيادة الاستثمارات الخليجية داخل الاقتصادات المحلية مرشحة لدفع الطلب على الواردات من مختلف مناطق العالم، رغم أن السعودية بدأت مؤخرًا في إعادة ضبط بعض مشاريعها الكبرى. وتشير بيانات منظمة التجارة العالمية إلى أن برامج التحول الرقمي التي تقودها الحكومات أسهمت في «زيادة ملحوظة في واردات الخوادم ومعدات الاتصالات» خلال النصف الأول من عام 2025.
وفي المحصلة، يؤكد تقرير «بلومبيرغ» أن العولمة، رغم التحديات العالمية، لا تزال فاعلة ومزدهرة في بعض مناطق العالم، وفي مقدمتها الشرق الأوسط.
