حصص إدارة ترامب في رأس المال تشكل مخاطر على الشركات والأسواق الأميركية
(سي ان بي سي)-10/02/2026
بلغت محفظة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من حصص الملكية في الشركات الأميركية مستوىً غير مسبوق خارج نطاق الأزمات الاقتصادية أو أوقات الحرب، الأمر الذي يثير المخاوف من عدم تخارج الحكومة من هذه الشراكة.
استحوذت الإدارة على حصص، أو أبرمت اتفاقيات للقيام بذلك، مع ما لا يقل عن عشر شركات، معظمها شركات مساهمة عامة. وأعلنت الحكومة عن أحدث استثماراتها، شركة “يو إس إيه رير إيرث”، في نهاية يناير/كانون الثاني.
في الماضي، فكر الديمقراطيون أيضاً في الاستحواذ على حصص في الصناعات الأميركية، وهذا ليس مستجداً. إلا أن نهج إدارة ترامب ينطوي على مخاطر بالنسبة للشركات المعنية وللأسواق الأوسع التي تعمل فيها.
في هذا الإطار، اعتبر سكوت لينسيكوم، محامي التجارة الدولية التابع لمعهد كاتو أن هذه الخطوة تشكل: “عقبة خفية أمام الشركات الناشئة والوافدين الجدد إلى السوق. لماذا قد يرغب أي شخص في دخول سوق يعلم أن منافسه الرئيسي مدعوم من الحكومة الأميركية؟”
تتركز العديد من الاستثمارات في شركات المعادن الحيوية الصغيرة، مثل يو إس إيه رير إيرث USA Rare Earth وإم بي ماتيريالز MP Materials، لكنها تشمل أيضاً شركات صناعية وتقنية كبرى مثل يو إس ستيل US Steel وإنتل Intel.
ودافع مسؤولون كبار في الإدارة الأميركية، مثل وزير التجارة هوارد لوتنيك ووزير الداخلية دوغ بورغوم، بأن الحكومة الأميركية تستثمر في الصناعات الاستراتيجية لتقليل الاعتماد على تايوان في مجال أشباه الموصلات، وعلى الصين في مجال المعادن الحيوية.
من جانبه، قال بيتر هاريل، الذي شغل منصب المدير الأول للشؤون الاقتصادية الدولية في عهد الرئيس جو بايدن، إن “الولايات المتحدة تاريخياً دأبت على الاستحواذ على حصص في الشركات في سياق عمليات الإنقاذ المالي، على أساس أن هذه الاستثمارات مؤقتة وأن الحكومة ستتخارج منها عندما تصبح الشركة قادرة على الاستمرار مالياً”.
فعلى سبيل المثال، استحوذ الرئيس باراك أوباما على حصة في شركة جنرال موتورز، خلال الأزمة المالية عام 2008، كما استحوذ الرئيس فرانكلين روزفلت على حصص في القطاع المصرفي خلال فترة الكساد الكبير.
لكن يبدو أن إدارة ترامب تستحوذ على حصص ملكية مفتوحة من غير المرجح أن تتخارج منها الحكومة الأميركية، بحسب لينسيكوم. وأضاف أن “هذا يُرسي سابقة قد يستغلها الرؤساء الديمقراطيون في المستقبل للاستثمار المباشر في القطاعات التي يفضلونها، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية”.
لينسيكوم أضاف: “لم أرَ بعدُ سبباً واضحاً ومنطقياً لضرورة امتلاك حصص في رأس المال”. وأردف أن “الدعم الفيدرالي الذي لا يرقى إلى مستوى حصص الملكية، كالقروض والعقود الحكومية وغيرها من المنح، متوفر على نطاق واسع”.
بعد استحواذ الولايات المتحدة على حصتها في شركة إنتل، صرّح لوتنيك لشبكة CNBC بأن الرئيس دونالد ترامب يريد أن يستفيد دافع الضرائب الأميركي عندما تُقدّم الحكومة أموالاً للشركات.
لكن هاريل ولينسيكوم أشارا إلى أن نهج الإدارة يُولّد مخاطر سياسية وقانونية وتجارية للشركات المعنية، كما أنه يُثير مخاوف بشأن تضارب المصالح المحتمل.
مخاطر سياسية وقانونية
يمثل نهج إدارة ترامب تحولاً أيديولوجياً جذرياً للحزب الجمهوري، الذي لطالما دافع عن رأسمالية السوق الحرة وانتقد بشدة تدخل الحكومة. أما الحزب الديمقراطي، فقد كان تقليدياً حزب السياسات الصناعية والتدخل في الأسواق.
فعلى سبيل المثال، قدم السيناتور بيرني ساندرز والسيناتور إليزابيث وارن تعديلاً على قانون بايدن CHIPS كان من شأنه أن يسمح للحكومة بالاستحواذ على حصص في الشركات التي تقبل تمويلاً فيدرالياً لتصنيع أشباه الموصلات. إلا أن هذا الإجراء رُفض في مجلس الشيوخ.
كما دافع الديمقراطيون عن فكرة إنشاء بنك وطني لتطوير البنية التحتية. وكان من شأن أحد المقترحات المقدمة عام 2021 لإنشاء مثل هذا الكيان أن يسمح للحكومة بالاستحواذ على حصص في مشاريع البنية التحتية. ودرس بايدن أيضاً إمكانية إطلاق صندوق ثروة سيادي.
وكانت هذه المقاربات ستعتمد على تشريع يُقره الكونغرس. لكن الأساس القانوني لاستثمارات إدارة ترامب غير واضح، بحسب هاريل. ويبدو أن الإدارة تعتمد على مبرر مفاده أنه يمكنها الاستحواذ على حصص لأن القانون لا يمنع ذلك صراحةً، ولأن الشركات وافقت على هذه الصفقات، على حد قوله.
رأى هاريل أن غياب أساس قانوني واضح يجعل هذه الشركات عرضةً لدعاوى قضائية من المنافسين. كما أنها ستواجه على الأرجح تدقيقاً سياسياً إذا ما تغيرت السلطة في واشنطن، على حد قوله.
قال: “إذا سيطر الديمقراطيون على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما في نوفمبر، فسيتم استدعاء عدد من الرؤساء التنفيذيين لهذه الشركات أمام اللجان للإجابة عن أسئلة حول سير هذه الصفقات”.
وقد أقرت شركات مثل إم بي ماتيريالز بهذه المخاطر في ملفات قدمتها إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات. وتشمل صفقة البنتاغون مع إم بي حداً أدنى للسعر واتفاقية شراء، بالإضافة إلى حصة في رأس المال.
وحذرت “إم بي” المستثمرين من أنها قد تواجه “عمليات تدقيق حكومية، وتحقيقات، ومراجعة من الكونغرس”، و”استفسارات حول تضارب المصالح”. كما حذرت من أن الصفقة تواجه “خطر التقاضي” وأنها عرضة “للتغييرات في الإدارة الفيدرالية وما يرتبط بها من أولويات تنفيذية وتشريعية”.
مخاطر سوء تخصيص رأس المال
إلا أن حصص الملكية تثير تساؤلاً حول مدى إمكانية الوثوق بالحكومة في اختيار الشركات والتقنيات المناسبة التي ستنجح على المدى الطويل، وفق هاريل.
أما لينسيكوم فأوضح أن أي رهان خاسر سيؤدي إلى تدفق رأس المال إلى شركات أقل قدرة على المنافسة، وأن المستثمرين يتكهنون بالفعل بالشركات التي ستستثمر فيها الحكومة لاحقاً. وقال: “هذا ببساطة سوء تخصيص لرأس المال”.
في المقابل، أشار إلى أن القرارات التجارية قد تُسيّس أيضاً، حيث قد تُقرر الشركات الكبرى التعامل مع الشركات المدعومة حكومياً لكسب ودّ الإدارة.
في حالة شركة يو إس ستيل، تمتلك الحكومة الفيدرالية حصة إدارية، تُعرف بالحصة الذهبية، بدلاً من مصلحة اقتصادية في الشركة. وقد تدخل البيت الأبيض في سبتمبر الماضي لمنع يو إس ستيل من إيقاف الإنتاج في مصنعها بمدينة غرانيت سيتي في إلينوي.
وقال لينسيكوم: “هذا أسوأ سيناريو ممكن، أن يبدأ السياسيون في واشنطن بتوجيه قرارات تجارية هامة بناءً على اعتبارات سياسية وليس على ما يصب في مصلحة الشركة على المدى الطويل”.
صرحت باربرا هامبتون، الرئيسة التنفيذية لشركة USA Rare Earth، لقناة CNBC في مقابلة أجريت معها في يناير/كانون الثاني، بأن الحكومة تستحوذ على “مصلحة اقتصادية” في أعمالها “لا مصلحة إدارية”.
وكان لوتنيك قد صرح لقناة CNBC في أغسطس/آب الماضي بأن حصة الحكومة في شركة “إنتل” لا تمنحها حق التصويت ولا تشمل حقوق الإدارة.
وقال لينسيكوم، متحدثاً عن حصص الحكومة في الشركة: “ربما لا يملكون حقوق تصويت رسمية، لكن لديهم القدرة على التواصل والتأثير. لديهم القدرة على التأثير في القرارات التي لا تظهر في الوثائق الرسمية أو في التصويت بالوكالة”.
وأضاف هاريل ولينسيكوم أن الرئيس الديمقراطي قد يحاول إجبار الشركات التي تمتلك الحكومة حصصًا فيها على تبني سياسات تقدمية، مثل تحديد سقف لرواتب المديرين التنفيذيين أو توظيف عمالة نقابية.
صمت الشركات
لم يُبدِ كبار المسؤولين التنفيذيين أي انتقاد علني يُذكر لإدارة ترامب بشأن استحواذها على حصص في الشركات. وصرح كين غريفين، الرئيس التنفيذي لشركة سيتادل، هذا الأسبوع بأن بعض المسؤولين التنفيذيين يعارضون سراً هذا النهج التدخلي.
وقال غريفين لصحيفة وول ستريت جورنال، في وقت سابق: “عندما تبدأ الحكومة الأميركية بالتدخل في شؤون الشركات الأميركية بطريقة تُنمّ عن محاباة، أعلم أن معظم الرؤساء التنفيذيين الذين تربطني بهم صداقة يجدون ذلك مُنفراً للغاية”.
من المرجح أن يزداد عدد حصص الحكومة في الشركات. صرّح لوتنيك لشبكة CNBC في أغسطس الماضي أن البنتاغون يدرس الاستحواذ على حصص في شركات دفاعية كبرى مثل لوكهيد مارتن Lockheed Martin.
وقال ترامب في يناير إنه “لن يسمح” لشركات الدفاع بتوزيع أرباح أو إعادة شراء أسهمها حتى تُسرّع هذه الشركات إنتاجها للمعدات العسكرية.
قبل أن تستحوذ الولايات المتحدة على حصتها في إنتل، قال ترامب إن الرئيس التنفيذي ليب-بو تان “في وضع تضارب مصالح كبير” ودعا إلى استقالته بسبب علاقاته بشركات صينية. وأدت هذه التصريحات إلى انخفاض مؤقت في أسهم إنتل. وقال لينسيكوم إن مسؤولين تنفيذيين آخرين في الشركات ربما يخشون معارضة الإدارة والتعرض للعقاب.
