مسار التحول الأخضر ينقلب رأساً على عقب في الاتحاد الأوروبي
(البيان)-03/03/2026
من الواضح أن مساعي الاتحاد الأوروبي لتقويض سياساته المناخية الرئيسية باسم التنافسية بدأت تقلب مسار التحول الأخضر رأساً على عقب، إذ تجري الآن مكافأة الشركات الصناعية المتأخرة، بينما تعاقب الشركات التي كانت مبادرة في معالجة مخاطر الاحتباس الحراري. وقد طالت هذه التراجعات بالفعل أجزاء حيوية من التشريعات البيئية للاتحاد، بما في ذلك إزالة الغابات وسلاسل التوريد، وهو ما يزعزع الثقة بقوة في نظام تداول الانبعاثات، الذي يعدّ حجر الزاوية في استراتيجية أوروبا المناخية منذ عام 2005.
وبينما يسعى قادة الاتحاد الأوروبي إلى إنقاذ القاعدة الصناعية المتعثرة، يضغط العديد منهم لإضعاف نظام تداول الانبعاثات، الذي يفرض رسوم على الشركات عن كل طن من الكربون المنبعث، بحجة أن السعر يفاقم ارتفاع تكاليف الطاقة ويُضعف القدرة التنافسية.
وقد أثارت هذه الإشارات السياسية الكثير من القلق لدى المستثمرين. وأدى اقتراح غامض من المستشار الألماني فريدريش ميرتس في فبراير، يدعو إلى إصلاح نظام تداول الانبعاثات، إلى انخفاض أسعار الكربون من أعلى مستوى لها في عامين، والذي بلغ 92 يورو للطن، بعد أن تهافتت صناديق التحوّط على شرائها، لتنخفض إلى ما دون 70 يورو.
ورفعت إيطاليا سقف التحدي يوم الخميس عندما دعا وزير صناعتها إلى تعليق نظام تداول الانبعاثات ريثما يتم إجراء «مراجعة شاملة»، كما نجحت دول أخرى، من بينها بولندا وجمهورية التشيك، في الحصول على تأجيل لتطبيق نظام منفصل يفرض رسوماً على الأسر ووسائل النقل البري مقابل الانبعاثات بدءا من عام 2027. وقال رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر، عقب اجتماع للقادة ناقشوا فيه سبل تعزيز النمو: «لا يمكن لأوروبا أن تبقى قوة اقتصادية عالمية إذا كانت شركاتنا تعاني من عجز هيكلي».
وفي ديسمبر الماضي خففت المفوضية الأوروبية حظرها التاريخي على محركات الاحتراق الجديدة اعتباراً من عام 2035، وذلك لتهدئة مخاوف ألمانيا وإيطاليا والعديد من دول أوروبا الشرقية التي كانت قلقة بشأن تسريح العمال في قطاع السيارات.
وبالنسبة للحكومات والشركات التي استثمرت بكثافة في التقنيات الأنظف، فإن هذا التحول يهدد بتغيير الشروط التي بُنيت عليها تلك الاستثمارات. وقال توماس بيليرين كارلين، وهو مشرع فرنسي في البرلمان الأوروبي، إن النقاش الدائر حول نظام تداول الانبعاثات قد يتحول سريعاً إلى «صراع سياسي أعمق حول مستقبل نظام الطاقة في أوروبا: الحنين إلى الوقود الأحفوري في مواجهة ريادة التكنولوجيا النظيفة».
ودعت الدنمارك وفنلندا ولوكسمبورغ وهولندا والسويد، الأسبوع الماضي، بشكل مشترك إلى «استقرار سياسي وشفافية» في سياسة المناخ للاتحاد الأوروبي، معترضة على أية تعديلات إضافية عند مراجعة نظام تداول الانبعاثات في وقت لاحق من هذا العام.
وفي رسالة مشتركة غير معتادة، دعت شركة تاتا ستيل هولندا ومنظمة «ناتور أوند ميليو» البيئية غير الحكومية لاهاي إلى الدفاع عن نظام الحد الأقصى للانبعاثات وتداولها. وأكدتا أن الشركات التي تستثمر في «تقنيات مستقبلية، مثل الصلب الأخضر والمواد الكيميائية الخضراء والكهرباء، تحتاج إلى سياسات مستقرة طويلة الأجل».
كما حاول دبلوماسيون من السويد الدفاع عن طموح الاتحاد الأوروبي في حظر محركات الاحتراق الداخلي، نظراً للتقدم الذي أحرزته شركتا فولفو وسكانيا السويديتان في مجال تصنيع السيارات نحو المحركات الكهربائية.
وقال مسؤول رفيع في الاتحاد الأوروبي إن العواصم والصناعات الأوروبية التي تشكو من أجندة الاتحاد البيئية «تخطئ في تشخيصها»، مشيراً بدلاً من ذلك إلى «نقص كبير في الإصلاحات الهيكلية في الدول الأعضاء». وأضاف: «يلعب نظام تداول الانبعاثات وسياسة المناخ دوراً، ولكنه ثانوي.. إذا تراجعنا عن نظام تداول الانبعاثات، فإننا نخاطر بأن تعاني بعض الدول والشركات التي اعتمدت على هذا الإطار بشكل كبير من عيب كونها من أوائل المبادرين».
وحذر دبلوماسيون أوروبيون من أن التراجع يهدد بتقسيم السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي بشكل أكبر، مشيرين إلى أن الدول الأعضاء التي تدعم سياسات المناخ الأساسية تفكر في اتخاذ إجراءات على المستوى الوطني بدل من ذلك.
ومن المقرر إجراء مراجعة لنظام تداول الانبعاثات في الصيف، لكن الإشارات السياسية تثير قلق الأسواق بالفعل. وقال ماركوس فرديناند، كبير محللي شركة «فيت» للتحليلات، إن رؤوس الأموال «تتعرض للخسارة» هذا الشهر، حيث أدى التحول عن سياسة المناخ المتوقعة إلى تضييق المراكز وانخفاض الأسعار.
ودافعت كل من رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، عن نظام تداول الانبعاثات. وبدلاً من إصلاح شامل، ينظر مسؤولو الاتحاد الأوروبي في إدخال تعديلات محددة على نظام تداول الانبعاثات لمساعدة الحكومات والشركات الأكثر تضرراً من تكاليفه.
لكن الشركات التي أعطت أولوية لخفض الانبعاثات الكربونية في نموذج أعمالها تُبدي استياء شديداً.
وقال دونال أورين، الرئيس التنفيذي لشركة إيكوسيم للأسمنت الأخضر: «استناد إلى مسار سياسي واضح، بدأنا بالفعل برنامجاً للإنفاق الرأسمالي بمئات الملايين من اليورو. إذا تراجع هذا المسار، فإن المستثمرين يتحملون مخاطر أكبر، بينما يُكافأ المتأخرون».
وأطلقت شركات الأسمدة ناقوس الخطر إزاء خطوة المفوضية بتعليق ضريبة الكربون الحدودية إذا ارتفعت الأسعار بشكل مفرط بالنسبة للمزارعين.
وقالت هايدي بيلتونين، نائبة رئيس قسم الاستدامة في شركة أوتوكومبو لصناعة الصلب الأخضر، إن حالة عدم اليقين بشأن إمكانية تطبيق هذا التعليق على قطاعات أخرى مشمولة بالضريبة تزعزع الثقة. وإذا ترددت أوروبا في تطبيق اتفاقية تبادل الكربون والهيدروجين أو أضعفت نظام تداول الانبعاثات فإنها ترسل إشارة خاطئة مفادها أن الشركات الرائدة قد لا تُكافأ.
