مضيق هرمز.. حين تتحول الحرب إلى فاتورة اقتصادية للعالم
(القبس)-16/03/2026
*د. خالد مبارك محمد الدلك
خلال أيام قليلة، لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى صدمة اقتصادية تمتد آثارها من الخليج العربي إلى أسواق المال في أوروبا وآسيا.
ويكمن جوهر هذه الحساسية الاقتصادية في مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي الذي يمر عبره ثلث التجارة العالمية ما يجعله أحد أهم شرايين الطاقة في الاقتصاد الدولي. ومع تصاعد التوترات العسكرية، تعطلت حركة ناقلات النفط وتباطأت الملاحة البحرية لأيام عدة، الأمر الذي انعكس سريعاً على أسواق الطاقة.
فقد قفزت أسعار النفط لتتجاوز 100 دولار للبرميل، مع توقعات بإمكان وصولها إلى ما بين 100 و150 دولاراً إذا استمر الصراع، وهو ما قد يشكل واحدة من أكبر صدمات أسواق الطاقة منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 ومنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
على الصعيد العسكري، تشير تقديرات أولية صادرة عن مسؤولين في الكونغرس الأمريكي إلى أن تكلفة العمليات العسكرية قد تصل إلى نحو مليار دولار يومياً، ما يعني أن حرباً تمتد لشهر واحد قد تكلف الخزينة الأمريكية قرابة 30 مليار دولار. كما تعمل وزارة الدفاع الأمريكية على طلب حزمة إنفاق طارئة قد تتجاوز 50 مليار دولار لتعويض الذخائر والمعدات المستهلكة خلال العمليات.
أما في الجانب الإيراني، فتشير البيانات إلى أن الإنفاق العسكري بلغ في عام 2024 نحو 7.9 مليارات دولار سنوياً، بينما تضع تقديرات أخرى الرقم بين 8 و16 مليار دولار. وفي ميزانية 2025 ارتفع الإنفاق العسكري الإيراني إلى نحو 23 مليار دولار.
لكن مع اندلاع الحرب ترتفع الكلفة اليومية بشكل ملحوظ، إذ تشير تقديرات مراكز الدراسات إلى أن العمليات العسكرية الإيرانية قد تصل إلى نحو 725 مليون دولار يومياً، منها نحو 593 مليون دولار للعمليات الهجومية و132 مليون دولار للعمليات الدفاعية. وبهذا المعدل قد تكلف حرب تمتد 30 يوماً نحو 21.7 مليار دولار، وهو رقم يقترب من إجمالي الميزانية العسكرية السنوية لإيران.
اقتصادياً، تبقى دول الخليج الأكثر حساسية لأي توتر عسكري في المنطقة نظراً لاعتمادها الكبير على ممرات الطاقة البحرية. فمضيق هرمز يمر عبره ما يقارب ثلث تجارة الطاقة العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير فوري على الاقتصاد الدولي.
وقد أدت التوترات الأخيرة إلى انخفاض حركة نقل النفط والغاز عبر المضيق إلى نحو 10% من مستوياتها الطبيعية في بعض الأيام، ما تسبب في تعطّل عمليات التصدير مؤقتاً لعدد من الدول، أبرزها الكويت والسعودية والإمارات وقطر، حيث أعلنت بعض هذه الدول حالة القوة القاهرة نتيجة ظروف الحرب.
كما تشير تقارير النقل البحري إلى أن التوترات العسكرية أدت إلى تعطّل آلاف السفن داخل الخليج، مع بقاء نحو 3200 سفينة متوقفة عن الإبحار وهو ما يضاعف كلفة التجارة العالمية.
ولم يقتصر التأثير في النفط فقط، بل امتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. فاضطرابات الملاحة وإغلاق أجزاء من المجال الجوي أدت إلى ارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين، ما انعكس مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية في قطاعات الأدوية والإلكترونيات والمعدات الطبية والسلع الأساسية. كما أدى إغلاق أجزاء من المجال الجوي إلى تعطّل نحو 20% من حركة الشحن الجوي العالمية، خصوصاً بين أوروبا والصين والهند وكوريا.
تكشف المقارنة الاقتصادية بين طرفي الصراع صورة واضحة: فالولايات المتحدة تتحمل تكلفة يومية للحرب تقدر بنحو مليار دولار ضمن اقتصاد يتجاوز حجمه 27 تريليون دولار، بينما تتحمل إيران نحو 725 مليون دولار يومياً ضمن اقتصاد لا يتجاوز حجمه 400 مليار دولار.
وكما نشير دائماً في عالم مترابط اقتصادياً، قد تبدأ الحروب بقرار سياسي.. لكن فاتورتها الاقتصادية يدفعها العالم بأسره.
