الخليج العربي.. مركز اقتصاد عالمي يـجـمـع الـطـاقـة والـمـعـادن وغـيرها
(الدستور)-02/04/2026
تظهر الحرب الإيرانية، الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج العربي في بنية الاقتصاد العالمي، ليس فقط باعتبارها مصدرا للطاقة؛ بل بتداخلها مع هذا الاقتصاد استراتيجيا.
إذ يتبين أنها تعد ركيزة أساسية لهذا الاقتصاد بامتلاكها نحو 33% من احتياطي النفط، و21% من الغاز، وإنتاجها ما يقارب 16.2 مليون برميل من النفط يوميا، وتشكيلها حوالي 2% من حجم الاقتصاد العالمي بناتج محلي تجاوز 2.5 تريليون دولار في 2025، مع دور متنامٍ كمركز استثماري، لوجستي، وتقني عالمي.
الصورة العامة هذه، يتم تظهيرها دون الإشارة إلى الأدوار الأخرى في الاقتصاد العالمي، فدول الخليج تنتج مثلا نحو 23% من الألمنيوم العالمي خارج الصين أي ما يقارب 9% من الإنتاج العالمي الكلي، وهو ما يجعلها موردا رئيسيا للصناعات التحويلية في أوروبا والولايات المتحدة وأسيا.
كما يمتد دورها العالمي إلى قطاع الزراعة عبر الأسمدة، حيث يعتمد جزء كبير من إنتاج اليوريا والأمونيا عالميا على الغاز الطبيعي المنتج في الخليج؛ اذ بحسب التقديرات فنحو 30% من تجارة هذه الأسمدة تمر عبر مضيق هرمز، وبالتالي أدى تعطل إمداداتها الى ارتفاعات في الأسعار العالمية بما يقارب 40% حتى الآن، وهو ارتفاع ينعكس مباشرة على تكلفة الغذاء؛ ما يظهر حجم الدور الذي تلعبه دول الخليج في الأمن الغذائي العالمي.
أيضا دورها في البنية اللوجستية العالمية، حيث تمر عبر الممرات البحرية المرتبطة بالخليج نسبة كبيرة من التجارة العالمية سواء من الطاقة أو المواد الخام أو السلع الوسيطة، التي تبين أن أي اضطراب في سلاسل الإمداد لها عبر الممرات الخليجية أو المرتبطة بها؛ يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وكلف المخاطر وزيادة زمن الرجلات البحرية والجوية وفوضى في التجارة العالمية؛ ما ينعكس على الأسعار النهائية للسلع في مختلف الأسواق العالمية.
كذلك أظهرت الحرب الجارية الآن، الدور الرئيس للخليج ماليا ونقديا، حيث التحولات السريعة في تدفقات رؤوس الأموال، وما يرتبط بارتفاع الطلب على الدولار كملاذ آمن، وتراجع العملات الرئيسية الأخرى، وزيادة تقلبات الأسواق، وما يواجه البنوك المركزية من معضلة حقيقية بين احتواء التضخم الناتج عن ارتفاع الطاقة والمواد الأولية وبين دعم النمو الاقتصادي، والمخاوف من دخل الاقتصادات العالمية وعلى رأسها الاقتصاد الأميركي في ركود تضخمي عالمي.
هنا تبدو مقارنة المنطقة الخليجية مع روسيا وأوكرانيا، ضرورية لفهم الصورة النمطية المقصودة لمؤثرين مهمين في الاقتصاد العالمي. فقبل الحرب الروسية الأوكرانية تم تنمط روسيا اقتصاديا كمصدر للطاقة ليتم اكتشاف أهميتها كلاعب رئيس في الحبوب والأسمدة والمعادن، والأمر نفسه مع أوكرانيا، التي لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي رغم دورها الكبير في صادرات الغذاء والقمح والحبوب والمعادن، وتأثيرهما على سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يتكرراليوم مع المنطقة الخليجية.
لعل السؤال هنا، لماذا يتم تجاهل هذه الأدوار الاقتصادية العالمية الكبرى لدول وكيانات خارج الدول المتقدمة، هل هو شكل من التنميط المقصود للاقتصاد العالمي لتبسيطه بين منتجين للسلع الأولية ومبتكرين ومنتجين للسلع والمنتجات النهائية ؟. هل تلعب الاعتبارات السياسية والإعلامية دورا في تشكيل صورة مبسطة عمدا عن هذه المناطق؛ مما يقلل الانتباه إلى عمق دورها الاقتصادي، حيث الاستقرار الطويل يخفي الأدوار تلك.
الدور الاقتصادي العالمي للمنظومة الخليجية لم يتغير بقدر ما تغيرت طريقة فهم العالم له؛ فالأرقام كانت موجودة دائما لكن الأزمات هي التي أعادت قراءتها ضمن سياق أوسع، ليتضح أنها تمثل مركزا اقتصاديا عالميا متعدد الأبعاد، يجمع بين الطاقة والمعادن والأسمدة والتجارة والمال واللوجستيات والتوازن؛ ما يجعل استقرارها شرطا أساسيا لاستقرار الاقتصاد العالمي، والعبث بهذا الاستقرار خطا في الحسابات.
