كيف أعادت أزمة هرمز ترتيب الطبقات الاقتصادية العالمية؟
(العربية)-06/04/2026
*أحمد الشهري
أدى إغلاق مضيق هرمز إلى أكبر صدمة في إمدادات الطاقة العالمية منذ عقود، فمنذ أواخر فبراير، عندما أدت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران إلى رد طهران بإغلاق الممر البحري، تم عزل نحو 20% من النفط الخام العالمي ونسبة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، راوح سعر برنت بين 100 و126 دولاراً للبرميل، غير أن الأهمية الحقيقية لهذه الأزمة لا تكمن في تقلبات الأسعار أو الآلام الاقتصادية الفورية فحسب، بل فيما تكشفه عن التحولات في بنية الاقتصاد العالمي.
تقدم نظرية النظم العالمية، التي طورها إيمانويل والرشتاين في السبعينيات، عدسة تحليلية قوية لفهم هذا الاضطراب، يرى والرشتاين أن الرأسمالية العالمية الحديثة تشكل نظاماً واحداً مترابطاً، مقسماً إلى ثلاثة مواقع هيكلية، المركز، وشبه المركز، والهامش، حيث تتخصص مناطق المركز في الإنتاج ذي القيمة العالية والاحتكارية، وتستحوذ على الجزء الأكبر من الفائض الاقتصادي.
أما المناطق الهامشية فتوفر الموارد الخام والعمالة الرخيصة في ظروف تنافسية منخفضة الهامش، ويشغل شبه المركز موقعاً وسيطاً، يستغل الهامش بينما يظل عرضة لضغوط المركز، وهذه الفئات ليست جغرافية ثابتة، بل علاقات إنتاج ديناميكية يمكن أن تتغير مع الزمن.
في أزمة الطاقة الحالية، يتم اختبار هذه الفئات وإعادة تشكيلها في الوقت الفعلي، تقع دول الخليج في قلب شبه المركز، لقد عملت طويلاً كمورد موثوق للهيدروكربونات منخفضة التكلفة إلى الاقتصادات المتقدمة في المركز (أميركا الشمالية وأوروبا الغربية وشرق آسيا الصناعي).
يشعر المركز بالضغط بشكل غير متساو، تتمتع الولايات المتحدة، بفضل إنتاجها النفطي المحلي الكبير من النفط الصخري، بعزلة نسبية، رغم أن ارتفاع أسعار الوقود يغذي التضخم الاستهلاكي ويعقد السياسات النقدية للبنوك المركزية.
تواجه أوروبا التي لا تزال تعاني صدمة الطاقة 2022 بعد تدخل روسيا في أوكرانيا، تعديلاً أكثر إيلاماً، تتصدى ألمانيا وغيرها من القوى الصناعية لتكاليف مدخلات أعلى تهدد التنافسية في وقت يظل فيه النمو هشاً. أما اليابان وكوريا الجنوبية، فتعتمدان بشدة على الطاقة البحرية، فتتسابقان للحصول على إمدادات بديلة.
يقع العبء الحقيقي، كما هو الحال غالباً في ديناميكيات النظم العالمية، على الهامش، تواجه الاقتصادات النامية في إفريقيا وجنوب آسيا وأميركا اللاتينية-التي تعتمد بالفعل على استيراد الوقود والأسمدة ضغطاً مزدوجاً، تؤدي التكاليف الطاقية الأعلى مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء عبر الأسمدة الباهظة والنقل.
وحذرت الأمم المتحدة من أخطار الأمن الغذائي العالمي، بالنسبة لهذه الدول الهامشية، ليست الأزمة نقاشاً مجرداً حول نقاط الاختناق، بل هي مسألة ضغط مالي واضطرابات اجتماعية محتملة وتعميق الاعتماد على أسواق السلع المتقلبة.
يعيد انتقال الطاقة نفسه رسم خريطة المركز والهامش، كانت السيطرة على طرق النفط والغاز تعرف بالقوة الجيوسياسية ذات يوم، وقد تصبح السيطرة على الليثيوم والكوبالت والمعادن النادرة هي المحدد غداً، مجالات تتمتع فيها الصين بمزايا كبيرة بالفعل، وفي نفس الوقت إغلاق المضيق يضرب الصين في مقتل، ما قد يحولها من لاعب رابح إلى لاعب متضرر جداً.
لهذا تدرك دول الخليج ذلك جيداً، وتمثل رؤية 2030 السعودية واستثمارات السعودية وبعض دول الخليج في الطاقة الشمسية والهيدروجين ليست مجرد تنوع، بل محاولات لتحويل الثروة الهيدروكربونية إلى موقع شبه مركزي أكثر متانة أو حتى مجاور للمركز في الدورة التكنولوجية التالية.
ختاماً، تؤكد أزمة هرمز أن الطاقة ليست مجرد سلعة، بل هي الجهاز الدوري للاقتصاد العالمي، ومع تعرض هذا الجهاز للضغط، تعيد التسلسلات بين المركز وشبه المركز والهامش تشكيل نفسها، تبرز السعودية بوصفها فاعلاً محورياً قادراً على امتصاص الصدمات وإعادة توجيه التدفقات النفطية بكفاءة، مستفيدة من بنيتها التحتية المتقدمة مثل ميناء ينبع، ومن قدرتها على المناورة اللوجستية في لحظات الاضطراب.
كما أن مسار التحول الاقتصادي ضمن رؤية 2030 عبر الاستثمار في الطاقة المتجددة والهيدروجين والتقنيات النظيفة يعزز من موقع السعودية داخل شبه المركز ويجعلها نموذجا للتحول الاستراتيجي الاستباقي الذي يحول الثروة النفطية إلى قوة مستدامة في النظام العالمي الجديد.
