الأمن الغذائي وسط الحرب والانهيار الاقتصاديّ
(الجمهورية)-16/04/2026
*البروفيسور ندى الملّاح البستانيّ
يقف لبنان حالياً عند مفترق طرق محفوف بالمخاطر، حيث تضافرت أزمة اقتصادية مطوَّلة، وتصعيدات عسكرية إقليمية، واضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، لتوجِد حالة طوارئ غذائية خطيرة. فلبنان الذي كان يُعرف في الماضي بخصوبته الزراعية النابضة بالحياة، وبراعته التجارية، يكافح الآن من أجل إطعام مواطنيه. إذ تشير آخر البيانات إلى أنّ التهديد الذي يواجه إمدادات الغذاء لم يعُد مجرّد مصدر قلق بعيد، بل أصبح حقيقة واقعة تعمل على تفكيك النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلد بشكل منهجي.
ونظراً لاعتماد لبنان الشديد على العالم الخارجي لتلبية احتياجاته الأساسية، إذ يستورد 86% من موارده الغذائية، فإنّ أي تغيير في السلاسل اللوجستية يُترجم فوراً إلى ارتفاع الأسعار على رفوف السوبرماركت. وبالنسبة إلى العديد من العائلات اللبنانية، انتهت أيام شراء اللحوم والدواجن أو المنتجات الزراعية بالجملة؛ واضطرّ كثيرون إلى تغيير عاداتهم الاستهلاكية.
مؤخّراً، أضاف التصعيد العسكري في جنوب لبنان عاملاً كارثياً إلى هذه الأزمة القائمة. فما يحدث الآن ليس مجرّد مواجهة عسكرية «تقليدية»، بل تدمير منهجي للبُنية التحتية، يهدف إلى عزل المنطقة عن بقية البلاد. فتتحوَّل الجسور وطرق الإمداد الحيوية إلى أنقاض، ممّا يؤدّي فعلياً إلى تجزئة الجنوب إلى وحدات منفصلة، وقطع حركة البضائع والأشخاص.
كذلك، فالتكلفة البشرية هائلة، إذ نزح ما يقرب من مليون شخص من ديارهم في مختلف المناطق اللبنانية المستهدفة بالقصف. وبالإضافة إلى المأساة الإنسانية المباشرة، فإنّ الأثر الاقتصادي على القطاع الزراعي عميق. فتساهم الزراعة بنسبة 6% من الناتج المحلّي الإجمالي للبنان، وتمثل 4% من سوق العمل. وقد أسفرت الحرب عن تدمير ما يقرب من 46,000 هكتار من الأراضي الزراعية، تتركّز بشكل أساسي جنوب نهر الليطاني.
وتتضخّم الكارثة مع تشريد أكثر من ثلاثة أرباع المزارعين اللبنانيِّين، فتحوّلت الأزمة من أضرار مادّية مباشرة إلى خسارة كاملة في الإنتاجية. والإحصاءات قاتمة: انخفض إنتاج الزيتون إلى النصف، وانخفض إنتاج الحمضيات والموز إلى الرُبع، ناهيك عن الخسائر في الموارد الحيوانية.
لا تمثّل هذه الخسائر مجرّد نقص في الغذاء؛ بل تعني فقدان سبل العيش، وارتفاع معدّلات البطالة، وعبئاً اقتصادياً هائلاً على دولة تعاني بالفعل من الإفلاس. كذلك، أشار وزير الزراعة اللبناني، نزار هاني، إلى أنّ القطاع الزراعي يتكبّد خسائر كبيرة منذ الأيام الأولى فقط من الصراع الحالي، وهي ضربة مدمّرة لقطاع لم يتعافَ بعد تماماً من الحروب السابقة.
حالة «طوارئ غذائية»
تتركّز الأزمة بشكل خاصّ في مناطق جغرافية محدَّدة حيث ينتشر الفقر ونقص البُنية التحتية بشكل أكبر. إذ تشهد مناطق مثل عكّار وبعلبك-هرمل والمنية-الضنية معاناة أكثر من 50% من سكّانها من مراحل متقدّمة من انعدام الأمن الغذائي. فداخل هذه المجتمعات، يعيش أكثر من 350,000 مواطن لبناني حالياً في حالة «طوارئ غذائية»، ممّا يتطلّب مساعدة عاجلة لإنقاذهم.
وممّا يضاعف مشكلة توافر الغذاء مسألة سلامة الأغذية. فقد أضرَّت أزمة الكهرباء المستمرّة وانقطاعات التيار المتكرّرة بشكل خطير بسلسلة التبريد، ممّا أدّى إلى مخاوف كبيرة بشأن جودة وسلامة الأغذية المخزّنة. وهذا يخلق «عبئاً مزدوجاً»، إذ قد تشكّل الأغذية المتوفّرة أو التي يمكن تحمُّل تكلفتها خطراً على الصحة، ممّا يؤدّي في النهاية إلى زيادة فاتورة الرعاية الصحية الوطنية وزيادة الضغط على الاقتصاد.
لا يهدِّد الأمن الغذائي في لبنان القضايا الداخلية فحسب، بل أيضاً حساسيّته الشديدة للتغيُّرات الجيوسياسية العالمية. فقد تسبَّب الصراع بين روسيا وأوكرانيا بالفعل في نقص كبير وارتفاع أسعار السلع الأساسية. والآن، تُشكِّل التوترات في مضيق هرمز تهديداً جديداً ومباشراً للسوق اللبنانية، ناهيك عن خطر إغلاق المعابر البرّية مع سوريا.
إنّ لبنان باعتباره بلداً يعتمد على الشحن البحري والجوي لتلبية الغالبية العظمى من احتياجاته، معرّض بشدّة لارتفاع تكاليف الشحن والتأمين. إذا تعطّلت الطرق البحرية الإقليمية أو أُغلِقت، فسترتفع فوراً تكلفة استيراد الوقود والغذاء والأسمدة بشكل كبير. ويقع لبنان في وضع هشّ بشكل فريد لاستيعاب هذه الصدمات، لأنّه يفتقر إلى احتياطيات كافية من العملات الأجنبية.
مَن سيضمن إمدادات الغذاء للبلاد
مع تضاؤل موارد الدولة، تثار تساؤلات حول مَن سيضمن إمدادات الغذاء للبلاد. يشير بعض الخبراء إلى مصرف لبنان، باعتباره الضامن المحتمل كملاذ أخير. فبموجب المادة 91 من قانون النقد والائتمان، تتمتّع الحكومة بسلطة طلب تمويل من البنك المركزي في ظروف استثنائية.
هناك جدل متزايد حول ما إذا كان البنك المركزي يتحمّل التزاماً أخلاقياً بتمويل الدولة لمنع الانهيار الاجتماعي التام، حتى لو كان ذلك ينطَوي على مخاطر استنزاف الاحتياطيات بشكل أكبر أو زيادة تضخُّم الليرة. ومع ذلك، لا يمكن لمصرف لبنان أن يتصرَّف بمفرده. إذ لا يزال لبنان يعتمد بشكل كبير على برنامج الأغذية العالمي والمساعدات من «الدول الصديقة» لسدّ الفجوة في هذه المرحلة الطارئة.
وقد دُعي المجتمع الدولي إلى تأدية دور حاسم، ليس فقط في تقديم الإغاثة الإنسانية الفورية، بل في دعم الجهود الرامية إلى الاستقرار الاقتصادي وإصلاح الحوكمة. ومن دون تغييرات هيكلية عاجلة، من المتوقّع أن تستمر دورة التبعية وانعدام الأمن الغذائي، بل ومن المرجّح أن تتفاقم.
إنّ هذه الأزمة الشديدة في لبنان هي كارثة متعدِّدة الأوجه، تمسّ كل جانب من جوانب الحياة. من المزارع في الجنوب الذي احترقت بساتين الزيتون الخاصة به، إلى الأسرة في عكّار التي لا تستطيع شراء رغيف خبز، فإنّ التأثير شامل. وأدّى تدمير البُنية التحتية وانهيار العملة إلى إيجاد «وضع طبيعي جديد» من النُدرة والمشقة.
يبقى السؤال الأساسي: إلى متى يمكن للنموذج الاقتصادي اللبناني أن يصمد تحت هذا الضغط الهائل، وكم سنة ستستغرق عمليّة التعافي وإعادة الإعمار بمجرّد أن تصمت المدافع والغارات و«المسيّرات»؟ وبينما يتطلّع البلد إلى مستقبل غامض، تبقى الأولوية الفورية هي الحفاظ على «البشر» من خلال تأمين إمدادات غذائية مستقرة وميسورة التكلفة وآمنة. ومن دون وقف الأعمال العدائية وخطّة إنقاذ اقتصادية شاملة، قد لا يتبقى «لا شجر ولا حجر».
