القطاع المالي السعودي .. توسع منضبط بإدارة المخاطر ومساحة أكبر لاستقطاب المستثمرين
(الإقتصادية)-28/04/2026
شهد القطاع المالي السعودي تحولا من نشاط مصرفي تقليدي ومعاملات بسيطة إلى منظومة متكاملة تضم الخدمات المصرفية والاستثمارية والتأمينية والتمويلية، مدعومة بإطار تنظيمي تقوده جهات رقابية متخصصة.
ومع إطلاق رؤية السعودية 2030، اتسع دور القطاع ليصبح أحد الممكنات الرئيسة لتنمية القطاعات غير النفطية، وتعزيز الاستثمار، ورفع كفاءة التمويل، وترسيخ الاستقرار المالي.
وبذلك لم يعد القطاع المالي مجرد قناة للتمويل، بل أصبح ركيزة في بناء اقتصاد أكثر تنوعا ومرونة، وعنصرا داعما لمكانة السعودية كمركز مالي إقليمي ودولي.

سوق مالية أكثر تطورا
ما شهدته السوق المالية خلال 2025 لا يبدو مجرد مجموعة متفرقة من الموافقات أو اللوائح أو الطروحات، بل يعكس مسارا أوسع يرتبط بمستهدفات برنامج تطوير القطاع المالي، نحو سوق أعمق، ومنتجات أكثر تنوعا، وبيئة تنظيمية أكثر مرونة، وقدرة أكبر على جذب المستثمرين وتوسيع الخيارات التمويلية والاستثمارية.
في هذا السياق، برزت هيئة السوق المالية بوصفها أحد المحركات التنفيذية لهذا المسار، من خلال حراك جمع بين التوسع السوقي والتطوير التشريعي في آن واحد.
وفي جانب تعميق السوق وتوسيع قاعدتها، بلغ إجمالي عدد الشركات الجديدة المدرجة 40 شركة. ولا تعكس هذه الأرقام دخول شركات جديدة إلى السوق فقط، بل تشير أيضا إلى استمرار بناء قنوات تمويل منظمة قادرة على استيعاب شرائح مختلفة من الشركات، بما يخدم هدف البرنامج في تطوير سوق مالية أكثر تقدما واتساعا.
كما أن نشاط السوق الموازية “نمو” لم يقتصر على الإدراجات، بل امتد إلى توسيع قاعدة المستثمرين المؤهلين، ما يمنح هذه السوق مساحة أكبر لاستقطاب فئات جديدة من المستثمرين وتعزيز سيولتها.
على مستوى المنتجات الاستثمارية، عكس عام 2025 اتساعا في التنوع. فقد زاد عدد الصناديق العامة 31 صندوقا ليصل إلى 356 صندوقا، بقيمة أصول بلغت 220.8 مليار ريال، موزعة بين صناديق الأسهم، والسيولة، والصكوك، والصناديق المغذية، وصناديق المؤشرات المتداولة، بما في ذلك صناديق قطاعية متخصصة.
وتعكس هذه الصورة سوقا لا تنمو من حيث العدد فقط، بل تتجه أيضا إلى تنويع الأدوات وتوسيع الخيارات أمام المستثمرين، بما ينسجم مع مستهدفات البرنامج المتعلقة برفع الأصول المدارة وزيادة عمق السوق الاستثمارية بحلول 2025.
43 مؤسسة مالية حصلت على ترخيص
أما على صعيد البنية المؤسسية، فقد شهد العام دخول مزيد من اللاعبين إلى السوق، مع تسجيل 43 مؤسسة مالية حصلت على ترخيص أو استوفت متطلبات بدء ممارسة العمل أو بدء ممارسة أعمال السوق، وفقا لرصد وحدة التحليل المالي في “الاقتصادية”.
ويعني ذلك أن التوسع لم يقتصر على المنتجات، بل شمل أيضا الجهات المقدمة للخدمات، سواء في إدارة الاستثمارات، أو تشغيل الصناديق، أو الترتيب، أو المشورة، أو الحلول التقنية.
وبهذا المعنى، فإن السوق المالية في 2025 لم تكن تتوسع أفقيا فقط، بل كانت تبني طبقات جديدة من النشاط والخدمات والابتكار.
وتكتمل الصورة عند النظر إلى المسار التشريعي والتنظيمي لهيئة السوق المالية. فبحسب رصد وحدة التحليل المالي في “الاقتصادية”، شهد العام 26 تطورا تنظيميا وتشريعيا، شملت مشاريع ولوائح وتعديلات واستطلاعات للرأي العام.
وتناولت موضوعات مثل فتح السوق الرئيسية لفئات أوسع من المستثمرين الأجانب غير المقيمين، وتمكين تأسيس صناديق الاستثمار المبسطة، وتحسين حوكمة الشركات المدرجة، وتنظيم تملك الشركات المدرجة والصناديق والمنشآت ذات الأغراض الخاصة للعقار وغيرها.
وهنا يتضح أن التحول لم يكن قائما على زيادة النشاط فقط، بل على تطوير البيئة التي يتحرك فيها هذا النشاط، لتصبح أكثر كفاءة ووضوحا وجاذبية.
قطاع مصرفي يتطور ليمول
أظهر العام الماضي سعي البنك المركزي السعودي إلى تحويل أهداف برنامج تطوير القطاع المالي من عناوين استراتيجية إلى أدوات تشغيلية وقرارات تنظيمية وخدمات تمس السوق والمستهلك والمؤسسات معا.
وضع البرنامج لالتزامات 2025 ملامح واضحة لقطاع مالي أكثر تنوعا، وحضور أوسع للتقنية المالية، وتمويل أكبر للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، ومجتمع أقل اعتمادا على النقد، واستقرار مالي تحكمه المعايير الدولية.
وتحركت “ساما” خلال 2025 داخل هذه المسارات بوتيرة تعكس جهدا منظما لتقريب القطاع من الصورة التي رسمها البرنامج لعام 2025.
في ملف المدفوعات، كان المشهد أكثر وضوحا. فمن الإطلاق التجريبي لبوابة eSAMA بخدماتها الإلكترونية المتعددة، وصولا إلى إضافة خدمة المقاصة الإلكترونية للشيكات مع استهداف تحصيلها خلال يوم عمل، بدا أن الأتمتة لم تعد مجرد توجه عام، بل أصبحت جزءا من لغة العمل نفسها.
في الاتجاه ذاته، جاء إطلاق Google Pay عبر “مدى”، والاتفاق على إتاحة Alipay+، وطرح الواجهة الجديدة لمدفوعات التجارة الإلكترونية، والترخيص لشركات جديدة في المدفوعات والمحافظ الإلكترونية.
رفع حصة المعاملات غير النقدية إلى 85%
ولا تنفصل هذه الخطوات عن برنامج تطوير القطاع المالي، إذ ترتبط مباشرة بمستهدف رفع حصة المعاملات غير النقدية إلى 70% بحلول 2025، وهو المستهدف الذي جرى تجاوزه بنهاية العام لتصل النسبة إلى 85%، بعد أن كانت 36% في 2019، بما يعكس التقدم نحو قطاع أكثر كفاءة وسلاسة وأقل اعتمادا على النقد.
أما في التمويل والرقابة، فقد تحركت “ساما” عبر مسارين متوازيين: فتح المجال من جهة، وإحكام الإطار التنظيمي من جهة أخرى. فقد دعمت توسع القطاع عبر تحديث اللائحة التنفيذية لنظام مراقبة شركات التمويل، بما شمل متطلبات مزاولة الأنشطة التمويلية، ومجموع التمويل الذي يمكن للشركة تقديمه، ومتطلبات الضمان البنكي.
في المقابل، عززت بنية الاستقرار بإصدار لائحة المقاصة النهائية وترتيبات الضمان، وطرح تحديث الإطار الإشرافي على نظم المدفوعات ومشغليها، وإصدار قواعد بطاقات الائتمان المحدثة ودليل تعرفة خدمات المؤسسات المالية.
يظهر من ذلك أن البرنامج لم يستهدف توسعا سريعا فقط، بل توسعا منضبطا بالشفافية، وحماية العميل، وإدارة المخاطر، والاتساق مع المعايير الدولية، وهو ما عكسته قرارات 2025.
وعلى مستوى الشمول المالي واتساع الوصول، حمل العام إشارات واضحة، من اعتماد هوية زائر لفتح الحساب البنكي، إلى الترخيص لبنوك رقمية جديدة وبدء مزاولة بنوك رقمية قائمة، بما يوسع الوصول، ويزيد المنافسة، ويقرب الخدمات من شرائح أوسع.
التقنية المالية توسع الأثر
في جانب التقنية المالية، جاءت تطورات 2025 امتدادا لمسار أوسع يستهدف توسيع أثر القطاع المالي اقتصاديا واجتماعيا وتجاريا، عبر حلول ذكية وسهلة تعزز نمو الأعمال، وتمكن الأفراد، وتدفع نحو مزيد من الابتكار في تقديم الخدمات المالية.
وفتح اهتمام رؤية السعودية 2030 بهذا القطاع آفاقا محفزة للمنشآت الناشئة ورواد الأعمال والمبتكرين، قبل أن تأتي استراتيجية التقنية المالية ومبادرة “فنتك السعودية” لتسريع استثمار هذه الفرص، من خلال تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وبناء منظومة مالية رقمية أكثر نضجا، وتوطين التقنية المالية، وتعزيز التعاون بين الجهات الفاعلة في السوق.
وكانت المحصلة تجاوز مستهدف 2025 البالغ 230 شركة، لتصل بنهاية العام الماضي إلى 301 شركة.
وخلال العام، بدا قطاع التقنية المالية مساحة أوسع لتعدد اللاعبين، إذ واصل البنك المركزي السعودي وهيئة السوق المالية إصدار التراخيص والتصاريح لشركات تعمل في مجالات متنوعة، تشمل المستشار الآلي، وتوزيع صناديق الاستثمار وصناديق الاستثمار العقاري، والمشورة، والتمويل الجماعي، والدفع الآجل، والوساطة الرقمية لجهات التمويل، وخدمات المدفوعات.
كما شملت التصاريح شركات جديدة ضمن البيئة التجريبية التشريعية في أنشطة مثل المصرفية المفتوحة، وتمويل سلاسل الإمداد، والتمويل من نظير إلى نظير.
التأمين يزداد مساهمته في الاقتصاد
شهد قطاع التأمين في السعودية نموا متدرجا منذ إطلاق رؤية السعودية 2030، مدفوعا بسلسلة من الخطوات التنظيمية والإصلاحات التي وسعت نطاقه وعززت حضوره في النشاط الاقتصادي.
وفقا لما يظهر في التقرير السنوي للرؤية، ارتفعت مساهمة قطاع التأمين في الناتج المحلي الإجمالي من 1.54% في 2016 إلى 2.01% في الربع الثاني 2025، كما صعدت مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي من 2.06% إلى 2.43% خلال الفترة نفسها، فيما ارتفع إجمالي الأقساط التأمينية المكتتبة من 36.9 مليار ريال إلى 65.2 مليار ريال.
يشير التقرير أيضا إلى تنوع أكبر في أنشطة التأمين، إلى جانب انتقال الإشراف على القطاع إلى جهة مستقلة بعد فصله عن البنك المركزي، بما يعكس اتساع دوره وتزايد أثره في دعم النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
