محافظ البنك المركزي الأردني الدكتور عادل الشركس:
الإقتصاد الوطني يملك هوامش أمان تمكّنه من التعامل مع الصدمات بكفاءة وبأثر أقل
قال محافظ البنك المركزي الاردني، الدكتور عادل الشركس: إن تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة وما حمله من إنعكاسات على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والأسواق المالية الدولية، شكل إختباراً جديداً للإقتصاد الوطني في العام الحالي 2026.
وأضاف د. الشركس في مقابلة مع مجلة اتحاد المصارف العربية «تقييمنا في ظل المعطيات الراهنة، والذي يتماشى مع تقييم صندوق النقد الدولي، يشير إلى أن أثر تصاعد الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة سيبقى، محدوداً ومؤقتاً دون أن يغيّر المسار الأساسي للإقتصاد الوطني».
وقال د. الشركس: «إن هذه التوقعات مدعومة بما يتمتع به الإقتصاد الوطني من هوامش أمان وقائية وعوامل مرونة ومنعة، تمكنه من إمتصاص أثر الصدمات والتعامل معها بكفاءة وبأقل أثر ممكن».
وأكد د. الشركس في المقابلة أن رؤية التحديث الإقتصادي 2023-2033، والتي تم إطلاقها برعاية ملكية سامية في العام 2022، تُشكل خارطة طريق عابرة للحكومات، تهدف إلى إطلاق كامل الإمكانات الاقتصادية وتحقيق نمو شامل ومستدام، وتسعى إلى مضاعفة فرص العمل المتاحة، ورفع مستوى المعيشة بما يضمن تحسين نوعية حياة المواطنين.
وأشار د. الشركس إلى أن الأردن قطع شوطاً مهماً في تنفيذ أجندة الرؤية عبر البرنامج التنفيذي الأول 2023-2025، وكانت مُخرجات هذا البرنامج واضحة في تعزيز زخم النمو الإقتصادي الذي نشهده اليوم، إلى جانب تشجيع الإستثمار وتعميق الشراكة مع القطاع الخاص، ما ساهم في تعزيز مرونة الإقتصاد وقدرته على مواجهة التحدّيات.
وفي ما يلي نص المقابلة:
* كيف تقيّمون أداء الاقتصاد الوطني، وما هي المبادرات التي ينفذها البنك المركزي في إطار خطة التحديث الإقتصادي؟
– كما يعلم الجميع، شهد العالم والمنطقة في العام 2025 تطوّرات متسارعة على أصعدة عدة، لعلّ أبرزها ما يتعلق بالسياسات التجارية، إلى جانب استمرار وتعمّق الأوضاع الجيوسياسية، والتي تمثلت بالحرب في غزة وما رافقها من إنعكاسات، آنذاك، على صعيد إغلاق مضيق باب المندب وتأثر سلاسل الإمداد، بالإضافة إلى تداعيات حرب الـ 12 يوماً بين إيران وإسرائيل في حزيران/يونيو 2025. وفي خضم هذه التطورات، برهن الإقتصاد الوطني على تمتعه بدرجة عالية من المرونة والقدرة على امتصاص الصدمات، إذ تمكن من تحقيق مسار تصاعدي في معدّلات النمو الاقتصادي، على أساس ربعي، حيث ارتفع معدل النمو من 2.6 % في الربع الأخير من العام 2024 إلى 2.7 % في الربع الأول من العام 2025، ثم إلى 2.8 % في الربعين الثاني والثالث، وليصل إلى 3 % في الربع الأخير من العام 2025. وبذلك، بلغ معدّل النمو الاقتصادي ما نسبته 2.8 % لعام 2025 كاملاً، بالمقارنة مع نمو نسبته 2.6 % في العام 2024، متجاوزاً بذلك التوقعات، بما في ذلك توقعات صندوق النقد الدولي البالغة 2.7 % للعام ذاته، الأمر الذي يعكس متانة الأسس الاقتصادية وقدرة الاقتصاد على تحقيق نمو تدريجي ومستدام رغم الضغوط الخارجية.
وقد جاء النمو الاقتصادي في العام 2025 مدفوعاً بحزمة إجراءات تحفيزية من قبل الحكومة ساهمت في تمكين القطاعات الاقتصادية من النمو، بالإضافة إلى تحقيق جملة من المؤشرات الاقتصادية الإيجابية، التي تؤكد سلامة وقوة الأسس المالية والنقدية، وفي مقدّمها مؤشّرات القطاع الخارجي. فقد تمكن الأردن من استقطاب إستثمارات أجنبية مباشرة تجاوزت قيمتها 2 مليار دولار، محققةً نمواً نسبته 25.1 % في العام 2025، مما يعكس مستوى الثقة بالاقتصاد الوطني وجاذبية بيئته الاستثمارية. كما حقّقت الصادرات الوطنية نمواً قوياً بنسبة 9.9 % ، لتبلغ قيمتها 13.6 مليار دولار، مدفوعةً بارتفاع الصادرات غير التقليدية بنسبة 9.1 % ، والتي تُشكل 87.8 % من الصادرات الوطنية، إضافة إلى نمو الصادرات التقليدية (البوتاس والفوسفات) بنسبة 15.9 % . وفي السياق ذاته، إرتفعت حوالات العاملين في الخارج بنسبة 4.5 % لتصل إلى 4.5 مليار دولار خلال العام 2025. ورغم التأثر المحدود لقطاع السياحة بالأوضاع الجيوسياسية في المنطقة، واصل الدخل السياحي مسار تعافيه، مسجلاً نمواً بنسبة 7.6 % خلال العام 2025 ليصل إلى نحو 7.8 مليار دولار.
أما في ما يتعلق بالأداء الاقتصادي في العام 2026، فلا شك في أن تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، بما يحمله من إنعكاسات على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والأسواق المالية الدولية، يُشكل اختباراً جديداً للاقتصاد الوطني، ولكن تقييمنا في ظل المعطيات الراهنة، والذي يتماشى مع تقييم صندوق النقد الدولي، يشير إلى أن أثر تصاعد الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة سيبقى محدوداً ومؤقتاً دون أن يغيّر المسار الأساسي للاقتصاد الوطني، وذلك في ضوء ما يتمتع به الاقتصاد الوطني من هوامش أمان وقائية وعوامل مرونة ومنعة، والتي تمكنه من امتصاص أثر الصدمات والتعامل معها بكفاءة وبأقل أثر ممكن.
أما في خصوص الشق الثاني من السؤال حول المبادرات التي ينفذها البنك المركزي في إطار رؤية التحديث الاقتصادي، فلا بد من الاشارة بدايةً إلى رؤية التحديث الاقتصادي 2023-2033، والتي تم إطلاقها برعاية ملكية سامية في العام 2022، تُشكل خارطة طريق عابرة للحكومات، تهدف إلى إطلاق كامل الإمكانات الاقتصادية وتحقيق نمو شامل ومستدام، وتسعى إلى مضاعفة فرص العمل المتاحة، ورفع مستوى المعيشة بما يضمن تحسين نوعية حياة المواطنين. وفي السنوات الثلاث الماضية قطع الأردن شوطاً مهماً في تنفيذ أجندة الرؤية عبر البرنامج التنفيذي الأول 2023-2025، وكانت مُخرجات هذا البرنامج واضحة في تعزيز زخم النمو الاقتصادي الذي نشهده اليوم، إلى جانب تشجيع الاستثمار وتعميق الشراكة مع القطاع الخاص، ما ساهم في تعزيز مرونة الاقتصاد وقدرته على مواجهة التحدّيات.
وقد شارك البنك المركزي في البرنامج الأول 2023-2025 بالعديد من المبادرات، لا سيما على صعيد تعزيز الاشتمال المالي في المملكة، وتنظيم وتطوير قطاع التأمين، وتعزيز وصول المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة للتمويل، وتوفير بيئة ملائمة للنهوض بالتقنيات المالية وابتكاراتها، وتعزيز التحول الرقمي في القطاع المالي، هذا إلى جانب تطوير قدرة القطاع الصيرفي على تقديم خدمات رقمية مميزة، وتطوير التشريعات الناظمة للقطاع المالي. وتم ضمن هذا الإطار إقرار وتعديل العديد من التشريعات لتنسجم مع اهداف استراتيجية الاشتمال المالي 2023-2028، إضافة إلى إطلاق الاستراتيجية الوطنية للاشتمال المالي 2023-2028، ورؤية الأردن للتكنولوجيا المالية والابتكار، واستراتيجية الاتصال والعلامة التجارية لمنظومة التكنولوجيا المالية والابتكار، وأكاديمية الفنتك الأردنية بالتعاون مع معهد الدراسات المصرفية، والاستراتيجية الوطنية للمدفوعات الإلكترونية 2023-2025.
كما يواصل البنك المركزي حالياً دوره الريادي في تحقيق أهداف رؤية التحديث الاقتصادي من خلال المشاركة في البرنامج التنفيذي الثاني للرؤية للأعوام 2026-2029، الذي تم اطلاقه بداية العام الحالي، من خلال التركيز على تعزيز التحوُّل الرقمي، والأمن السيبراني، والتمويل الأخضر، والذكاء الاصطناعي، والابتكار المالي، وتنمية المهارات المستقبلية، تمثل هذه المجالات نقلة نوعية في القطاع المالي الأردني، وبشكل يساهم في دفع وتيرة النمو الاقتصادي المستدام.
* السياسة النقدية تتصدّر قائمة الانجازات على المستوى الاقتصادي، وهذه شهادة الجهات الدولية، خصوصاً صندوق النقد الدولي، وشهادة وكالات التصنيف الدولية، ما العوامل التي تساعد في أن تبقى السياسة النقدية في نجاح مستمر؟
– لا شك في أن البنك المركزي الأردني نجح على مدى العقود الثلاثة الماضية في إرساء أسس قوية للاستقرار النقدي والمالي في المملكة، بفضل إدارته الحصيفة للسياسة النقدية، على الرغم من كل التحدّيات غير المواتية التي شهدتها المنطقة والعالم خلال هذه الفترة، بما في ذلك الاضطرابات الجيوسياسية والأزمات الاقتصادية المختلفة. وهذا ما أجمعت عليه كل تقييمات المؤسسات المالية الدولية ووكالات التصنيف الائتماني، والتي كان آخرها تقرير وكالة ستاندرد آند بورز، الصادر في شهر آذار/مارس من العام الحالي، والذي أبرز بوضوح فعّالية السياسة النقدية التي يتبعها البنك المركزي وقدرتها على المحافظة على الاستقرار النقدي والمالي في المملكة.
في الحقيقة، هذا النجاح في إدارة السياسة النقدية لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة تضافر عوامل عديدة، يأتي في مقدّمها الاستقلالية والمهنية العالية التي يتمتع بها البنك المركزي الأردني، والتي تمكّنه من اتخاذ قراراته النقدية بشكل موضوعي وحكيم، بعيداً عن أي ضغوط خارجية، بما يضمن الالتزام بتحقيق هدفه الرئيس المنصوص عليه في القانون، والمتمثل في المحافظة على الاستقرار النقدي والمالي في المملكة. كما لعبت المصداقية والثقة العالية التي يتمتع بها البنك المركزي الأردني على المستويين المحلي والدولي، والتي تشكّلت وترسّخت عبر التاريخ، دوراً أساسياً في تماسك قوة السياسة النقدية وضمان نجاحها المُستمر، وتعزيز الثقة في الاقتصاد الكلي بشكل عام. فوضوح بوصلة البنك المركزي في المحافظة على الاستقرار النقدي والمالي في المملكة، والتزامه بسياسة سعر الصرف الثابت للدينار الأردني مقابل الدولار الأميركي، مكّنته من اكتساب هذه الثقة وتعزيز استقرار العملة الوطنية على المدى الطويل، مدعوماً بمستوى مرتفع من الاحتياطيات الأجنبية، والتي تجاوزت 28 مليار دولار في مطلع العام الحالي، وهو ما يُغطي مستوردات المملكة من السلع والخدمات لأكثر من ثلاثة أضعاف المدة المُتعارف عليها دولياً، والتي تُقدّر بنحو ثلاثة أشهر. ويُعدُّ الاتجاه النزولي لمعدل الدولرة إلى 17.6 % في نهاية العام 2025، مقارنة بمعدّلات فاقت 20 % قبل العام 2020، مؤشّراً مهماً على تنامي هذه الثقة وعلى فعّالية السياسة النقدية بشكل عام. كما بقي معدل التضخُّم عند مستويات مقبولة لم تتجاوز 3 % بالمتوسط في العقود الثلاثة الماضية، ما حافظ على القوة الشرائية للدينار وعزز تنافسية الاقتصاد الوطني بشكل عام.
ولا شك في أن المصداقية والثقة العالية التي يتمتع بها البنك المركزي الأردني لا تنفصل عن عامل آخر جوهري في نجاح السياسة النقدية، وهو الشفافية. فالتواصل الواضح والدوري للبنك مع الجمهور والأسواق حول قراراته وأدواته النقدية، ونشر البيانات والتقارير الدورية، وشرح أهدافه ومسوّغات قراراته، يُعزّز فهم التوجُّهات الاقتصادية ويحد من حالة عدم اليقين، ما يرسّخ ثقة المستثمرين والمواطنين ويجعل السياسة النقدية أكثر فاعلية في الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي.
كما ساهم في هذا النجاح أيضاً مرونة السياسة النقدية، وقدرة البنك المركزي على تطوير أدواته بما يتلاءم مع طبيعة الظروف الاقتصادية، الأمر الذي مكّنه من احتواء آثار العديد من الأزمات والحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. وفي هذا الإطار، إستخدم البنك المركزي عدداً من الأدوات غير التقليدية خلال الفترات الماضية لدعم النشاط الاقتصادي وتعزيز قدرة القطاعات الإنتاجية على مواجهة التحدّيات، من بينها إطلاق برامج التمويل الميسر لدعم مختلف القطاعات الاقتصادية الحيوية، الذي لا يزال معمولاً به حتى الآن، وتوفير خطوط ائتمان موجهة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب اتخاذ إجراءات داعمة أثناء جائحة كورونا، مثل السماح للبنوك بتأجيل أقساط القروض للأفراد والشركات، بما ساهم في تخفيف الأعباء المالية على المقترضين والحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي اثناء تلك المرحلة الاستثنائية.
ولا شك في أن هناك العديد من العوامل الأخرى التي لا يُمكن إغفالها عند الحديث عن العوامل الداعمة لنجاح السياسة النقدية، من أبرزها مرونة الاقتصاد الأردني وقدرته على التكيف مع مختلف المتغيّرات والصدمات، إلى جانب التزام الحكومة في تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي والهيكلي، فضلًا عن التنسيق والتكامل بين السياسات المالية والنقدية، وغيرها العديد من العوامل التي قد لا يتسع المجال لذكرها بالتفصيل.
* ذكر التقرير التصنيف الائتماني لوكالة ستاندرد أند بورز أن رصيد الاحتياطيات من العملات الأجنبية وصل 28.6 مليار دولار في مطلع العام 2026، في ظل الارتفاعات التي شهدتها أسعار الطاقة مع التوتر الأخير في المنطقة بسبب الحرب الغربية – الإيرانية:
أ – هل تتوقعون المحافظة على هذا المستوى من الاحتياطيات، في ظل ارتفاع تكلفة المستوردات الطاقة؟
– تُعد الاحتياطيات الأجنبية ركيزة أساسية في تعزيز الاستقرار النقدي في الأردن، حيث شكّلت على الدوام دعامة حقيقية لسياسة سعر الصرف الثابت للدينار الأردني مقابل الدولار الأميركي، والتي تمثل الركيزة الاسمية للسياسة النقدية منذ العام 1995. وقد أسهمت هذه الاحتياطيات في ترسيخ الثقة بالاقتصاد الوطني، وتعزيز مصداقية السياسة النقدية، إلى جانب دورها المحوري كخط دفاع أول في مواجهة الصدمات والتقلبات الخارجية، سواء على صعيد تدفقات رؤوس الأموال أو تقلبات الأسواق العالمية. وفي هذا السياق، حرص البنك المركزي على المحافظة على مستويات مريحة من الاحتياطيات الأجنبية، تتجاوز بكفاية مؤشرات الأمان الدولية، بما يضمن القدرة على تلبية الاحتياجات التمويلية للمملكة، ويُعزّز منعة الاقتصاد الوطني في مواجهة مختلف التحديات. ولا يُخفى على أحد أن الاقتصاد الأردني قد واجه، على مدى العقود الماضية، سلسلة من التحدّيات والصدمات الخارجية المتعاقبة، سواء ذات طابع اقتصادي أو جيوسياسي، إلاّ أنه استطاع في كل مرة أن يتجاوزها بثبات، مستنداً إلى قاعدة صلبة من الاحتياطيات الأجنبية المريحة، والتي جرى المحافظة عليها بل وتعزيزها حتى في خضم تلك الأزمات، ليتجاوز رصيدها في بداية العام الحالي 28 مليار دولار، وهو ما يُغطّي مستوردات المملكة من السلع والخدمات لأكثر من ثلاثة أضعاف المدة المُتعارف عليها دولياً، والتي تُقدر بنحو ثلاثة أشهر، كما أشرت سابقاً.
ومن المتوقع أن تبقى الاحتياطيات الأجنبية ضمن نطاق مريح نسبياً في الفترة المقبلة، رغم التحدّيات المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة في ظل التوترات الجيوسياسية الأخيرة في المنطقة. ويُعزى ذلك إلى جملة من العوامل الداعمة، في مقدمتها الثقة الراسخة بالسياسة النقدية ومصداقية البنك المركزي الأردني، إلى جانب قوة الدينار واستقرار سعر صرفه، فضلًا عن تنوع واستدامة مصادر تدفقات العملات الأجنبية إلى الاقتصاد الوطني، بما في ذلك حوالات العاملين في الخارج، والدخل السياحي، والاستثمار الأجنبي المباشر، إلى جانب المنح والمساعدات الخارجية، الأمر الذي يعزّز من قدرة المملكة على المحافظة على مستويات قوية ومريحة من الاحتياطيات الأجنبية.
ب – هل مسؤولية بناء احتياطيات أجنبية تقع على عاتق البنك المركزي أم جميع النشاطات الاقتصادية؟
– أود في البداية التأكيد على أن الهدف الرئيس للبنك المركزي يتمثل في المحافظة على الاستقرار النقدي والمالي في المملكة، من خلال ترسيخ استقرار سعر الصرف الثابت للدينار الأردني مقابل الدولار الأميركي، باعتباره الركيزة الاسمية للسياسة النقدية، والمدعوم بمستويات مريحة من الاحتياطيات الأجنبية. ولا شك في أن مصداقية البنك المركزي وكفاءة سياساته تُسهمان في تعزيز الثقة بالدينار الأردني، كما أن إدارته الحصيفة والفعالة للاحتياطيات الأجنبية تُعد عاملاً محورياً في المحافظة على مستوياتها وتعزيزها.
لكن بكل تأكيد أن بناء الاحتياطيات الأجنبية لا يقتصر على دور البنك المركزي، بل يعتمد على مجموعة واسعة من العوامل المرتبطة بأداء الاقتصاد الكلي، وفي مقدّمها قدرة الاقتصاد الوطني على توليد العملات الأجنبية من خلال الصادرات السلعية والخدمية، وقطاع السياحة، وتحويلات العاملين في الخارج، إلى جانب الاستثمارات الأجنبية والتدفقات المالية الخارجية، والتي تشكّل مجتمعةً المصادر الأساسية لدعم وتعزيز الاحتياطيات. وعليه، فإن المحافظة على مستويات مريحة ومستدامة من الاحتياطيات الأجنبية يتطلّب تكاملاً وثيقاً بين السياسات النقدية والمالية والاقتصادية، إلى جانب مواصلة تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الدخل من العملات الأجنبية.
* إتسم أداء البنوك في الأردن، في العام 2025 بـ«التميُّز» كيف ترون الدور الذي تلعبة البنوك بشكل خاص والقطاع المصرفي بشكل عام، في خدمة الاقتصاد الوطني؟
– لا شك في أن القطاع المصرفي في الأردن اليوم يُعد ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد الوطني، من خلال دوره المحوري في تعبئة المدّخرات وتوجيهها نحو الاستثمار المنتج، وتوفير التمويل اللازم لمختلف القطاعات الاقتصادية، بما يُسهم في تحفيز النمو وتوفير فرص العمل. كما تضطلع البنوك بدور مهم في تعزيز الاستقرار المالي وكفاءة الوساطة المالية، إلى جانب مساهمتها في تمويل احتياجات الحكومة وتنفيذ برامجها التنموية، الأمر الذي يعزز توظيف الموارد المحلية ويحد من الاعتماد على التمويل الخارجي. وإذا ما نظرنا إلى حجم التسهيلات الائتمانية الممنوحة من البنوك في نهاية عام 2025، نجد أنها بلغت نحو 36.1 مليار دينار، أي ما يشكل حوالي 83 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعكس الدور الحيوي للقطاع المصرفي في الاقتصاد، ويؤكد أن سلامة هذا القطاع تعني سلامة الاقتصاد ككل. ولطالما أثبت القطاع المصرفي الأردني قدرته على الصمود وتحقيق أداء إيجابي في ظل الظروف العالمية المحيطة، بما يعكس مرونة مؤسساته وكفاءة إداراته المهنية، مدعومة بمؤشّرات مالية قوية، تجلت في نمو الموجودات بنسبة 6.1 % لتصل إلى 74.1 مليار دينار، وارتفاع الودائع بنحو 7.1 % لتبلغ 50.0 مليار دينار، إضافة إلى زيادة التسهيلات الائتمانية بنسبة 3.7 %.
ويزداد دور القطاع المصرفي في الاقتصاد مع التطور التقني، إذ يواصل الريادة في تبني الحلول الرقمية والتكنولوجيا المالية، وأنظمة الدفع الحديثة. فقد تجاوزت قيمة العمليات المنفذة عبر أنظمة الدفع الوطنية (eFWATEERCOM، CliQ ، ـJoMoPay)
42 دولار، أي ما يفوق 100 % من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس حجم التحوُّل الرقمي الكبير الذي يشهده القطاع. كما نفخر بأن نحو 84 % من الخدمات البنكية تُنفذ عن بُعد دون الحاجة لمراجعة الفروع، ما يبرهن على قدرة البنوك على تحويل التقنية إلى فرص للابتكار والريادة، بما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية. ويُسهم هذا التوجه الاستراتيجي في تعزيز دور القطاع المصرفي كمحرك رئيس للنمو الاقتصادي وداعم أساسي لتحقيق التنمية المستدامة.
* مؤشرات المتانة المالية للبنوك تظهر بوضوح قوة وثبات النمو والتطور في الأداء، ماهي أبرز مؤشرات التي ترى أنها تعكس قوة القطاع المصرفي؟ وما التطورات التي شهدتها في العام 2025 ومطلع العام 2026؟
لا شك في أن القطاع المصرفي الأردني يتمتع بسمعة رفيعة على مستوى المنطقة، ويظهر ذلك جلياً من خلال النسبة المرتفعة لإستثمارات الأجانب في رؤوس أموال البنوك، والتي تُعد من بين الأعلى في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وتعكس المؤشّرات المالية المتقدمة للبنوك العاملة في المملكة سلامة ومتانة القطاع المصرفي، ما يُعزّز قدرته على امتصاص الصدمات وتحمل المخاطر بكفاءة. ويأتي ذلك نتيجة مستويات مرتفعة من رأس المال، تُعد من الأعلى في المنطقة، إضافة إلى مستويات مريحة من السيولة، وهو ما يدعم التوقعات بأداء مستقبلي واعد ومستدام. وبالأرقام، بلغت نسبة كفاية رأس المال نحو 17.8 % في نهاية العام 2025، متجاوزة الحد الأدنى المحدّد من قبل البنك المركزي البالغ 12 % ، كذلك أعلى من الحد الأدنى وفق متطلّبات لجنة بازل III البالغ 10.5 % . كما حافظت البنوك على مستويات مرتفعة من السيولة القانونية، حيث بلغت حوالي 148.4 %، ما يعكس القدرة على مواجهة أي احتياجات مفاجئة للسيولة. وعلى صعيد جودة الأصول، فقد سجلت نسبة الديون غير العاملة 5.5 % في نهاية عام 2025، وهي نسبة منخفضة نسبياً ضمن مستويات يمكن إدارتها، بينما بلغت نسبة تغطية المخصّصات لهذه الديون نحو 75.7 % ، ما يعكس قدرة البنوك على حماية حقوق المساهمين وتعزيز الاستقرار المالي.
وتُعدُّ مؤشرات الربحية مثل العائد على حقوق المساهمين (ROE) والعائد على الأصول (ROA) من أهم المقاييس التي تعكس متانة الأداء المالي، حيث بلغ العائد 8.6 % و1.0 % على التوالي في نهاية العام 2025، ما يدل على كفاءة إدارة رأس المال وقدرة البنوك على توليد عوائد مجزية ومستدامة للمساهمين. وفي السياق ذاته، تؤكد نتائج اختبارات الأوضاع الضاغطة (Stress Tests) مدى صلابة القطاع المصرفي الأردني، وقدرته العالية على مواجهة الصدمات، مدعوماً بمستويات قوية من رأس المال والسيولة، إلى جانب ربحية مستمرة تعزّز من متانة واستدامة الجهاز المصرفي.
* إتسع نطاق الرقابة والإشراف لدى البنك المركزي بدءاً من أعمال الصرافة مروراً بشركات التمويل الاصغر وأخيراً أعمال شركات التأمين، ما الذي تغيّر بعد دخول جميع هذه النشاطات لتكون تحت مظلة البنك المركزي؟
– إن وضع هذه القطاعات المالية لتكون تحت مظلّة رقابية واحدة يحقّق نظرة رقابية شاملة وموحّدة تضمن تناسق السياسات والأدوات الرقابية وانسجامها، كما تعزّز البيئة التنافسية بما يحقق رؤية البنك المركزي في الاستمرار بالمحافظة على الاستقرار النقدي والمساهمة في تحقيق الاستقرار المصرفي والمالي بما يُساهم في تحقيق التنمية المستدامة في المملكة. وقد عمل البنك المركزي على استثمار الخبرة التي يتمتع بها من تجربته العميقة في تحقيق رقابة حصيفة على أكبر القطاعات المالية وهو الجهاز المصرفي، إلى جانب أن له باعاً طويلة في الرقابة على المؤسسات المالية الأخرى، بما يملكه من الأدوات التحليلية والفرق الرقابية المتخصصة. وفي ما يتعلق بانتقال الرقابة على أعمال التأمين للبنك المركزي في النصف الأول من العام 2021، تم إصدار قانون تنظيم أعمال التأمين رقم (12) لسنة 2021، والذي جاء بهدف إيجاد إطار تشريعي منسجم مع أفضل الممارسات والمعايير الدولية وذلك بما يكفل النهوض بقطاع التأمين ورفع سويته. وخلال هذه الفترة التي خضعت فيها شركات التأمين لرقابة البنك المركزي، حققت الأقساط المكتتبة نمواً يقدر بحوالي 43 % خلال الفترة من العام 2020 وحتى نهاية العام 2025، كما نمت موجودات قطاع التأمين بحوالي 11 % عن الفترة نفسها.
وفي جانب قطاع التمويل الأصغر، فيعد أحد المنافذ الرئيسة لتوفير التمويل للأفراد والمنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وبما يعزّز الشمول المالي ويساعد في إيجاد فرص، ومن هنا برزت الحاجة لوجود إطار تشريعي متكامل لجميع الجهات التي تمارس نشاط التمويل وشموله بمظلة رقابية تهدف إلى تحقيق الاستقرار والشفافية بين المتعاملين في هذا النشاط والتقليل ما أمكن من المراجحة التنظيمية والتي يكون مبعثها عدم خضوع الجهات التي تمارس نفس النشاط لنفس المستوى من المتطلبات الرقابية مما يخل بالتنافسية، الأمر الذي سينعكس وبلا شك على حماية النظام المالي وعدالة التعاملات وحماية العملاء وتعزيز القدرة التنافسية، حيث يلعب هذا القطاع دوراً أساسياً في الاقتصاد والمتمثل بتوفير السيولة والاحتياجات التمويلية لتمويل مختلف الأنشطة الاقتصادية بما يُعزز النمو الاقتصادي.
واستكمالاً لجهود البنك المركزي في توسيع مظلته الرقابية، والتي كانت قد بدأت في العام 2015 بإخضاع شركات التمويل الأصغر لرقابته وإشرافه، فقد تم إخضاع كافة شركات التمويل بهدف ادماجها في القطاع المالي لضمان التزامها بالمعايير الدولية سعيا لتعزيز منظومة حماية العملاء وتوفير إطار مؤسسي لهذه الشركات وبما يدعم النمو الاقتصادي والاستقرار المالي وسعياً لتحقيق أهدافه الاستراتيجية، وذلك بإصدار نظام شركات التمويل رقم (107) لسنة 2021، حيث شكّل هذا النظام مرجعية قانونية لترخيص شركات التمويل كافة والرقابة عليها من قبل البنك المركزي. وقد ساهم هذا النظام في تعزيز قواعد الحوكمة وإدارة المخاطر والامتثال، ورفع مستويات الشفافية والانضباط في السوق، كما أدّى إلى تنظيم ممارسات الإقراض والحد من المخاطر التشغيلية والائتمانية، وتعزيز ثقة المستثمرين والعملاء في القطاع، بما يدعم دوره في توسيع الوصول إلى التمويل وتعزيز الشمول المالي بالإضافة إلى النمو المتوازن للقطاع.
* في مجال التأمين، شهدنا في الأعوام القليلة الماضية عمليات استحواذ بين البنوك المحلية وأخرى محلية وعربية وأجنبية، نتج عنها كيانات مصرفية كبيرة، هل هناك اهتمام لدى البنك المركزي الأردني لتشجيع شركات التأمين على الاندماج لتشكيل كيانات تأمين كبرى؟
– في الحقيقة هناك توجّه استراتيجي لدى البنك المركزي لتشجيع شركات التأمين على الاندماج لتصبح أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المالية والتحدّيات والمخاطر المختلفة، حيث ثَبُت، ومن خلال التجارب السابقة، أن هذا التطبيق يسهم بشكل فعّال في خلق كيانات مالية تتمتع بقاعدة رأسمالية قوية، وبما يعزّز قدرتها على مواجهة المخاطر لتمكينها من تقديم خدمات متنوعة ومستدامة بما يكفل الحماية للمواطن والاقتصاد، وتمّت محاكاة هذا المشروع من خلال تجربة حقيقية ناجحة لاندماج إحدى كبرى شركات التأمين مع شركة أخرى أواخر العام 2021، كما أن هناك عمليات اندماج قائمة لبعض شركات التأمين، حيث يتم منح (بموجب قرارات مجلس الوزراء) شركات التأمين التي تندمج إعفاءات ضريبية ورسوم تحفيزية، أبرزها الإعفاء من ضريبة الدخل لمدة ثلاث سنوات، بالإضافة إلى الإعفاء من رسوم نقل الملكية، ورسوم رفع رأس المال، والرسوم السنوية المفروضة بموجب قانون تنظيم أعمال التأمين رقم (12) لسنة 2021.
