تحديات أمن الطاقة العالمي
(الإقتصادية)-19/05/2026
*عبد الرحمن النمري
لم يعد أمن الطاقة العالمي مجرد ملف اقتصادي مرتبط بأسعار النفط والغاز، بل تحول إلى ملف جيوسياسي وأمني معقد تتحكم فيه الحروب، والتحالفات العسكرية، والممرات البحرية، وحتى الصراعات التقنية والرقمية. وما نشهده اليوم من تصاعد في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران يؤكد أن العالم لا يزال هشاً أمام أي اضطراب في منطقة الخليج العربي، التي تمثل القلب الحقيقي لمنظومة الطاقة العالمية.
في رأيي، أخطر ما في الأزمة الحالية ليس فقط احتمالية المواجهة العسكرية المباشرة، بل حالة الضبابية وعدم اليقين التي تضرب الأسواق العالمية. فمجرد التلويح بإغلاق مضيق هرمز أو استهداف البنية التحتية النفطية كان كفيلاً بدفع خام برنت إلى مستويات تجاوزت 110 دولارات للبرميل خلال الأيام الماضية، بينما ارتفع خام غرب تكساس فوق 100 دولار، وسط مخاوف من تعطل الإمدادات العالمية.
الجدير بالتنويه أن مضيق هرمز وحده يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً من قطر. وتشير تقديرات حديثة إلى أن أي تعطّل واسع في المضيق قد يؤدي إلى فقدان أكثر من 14 مليون برميل يومياً من الأسواق العالمية، وهو رقم كفيل بإحداث صدمة تضخمية عالمية جديدة.
الأزمة الحالية كشفت أيضاً هشاشة مفهوم “تنويع مصادر الطاقة” الذي لطالما تحدثت عنه الاقتصادات الكبرى. فحتى مع توسع مشاريع الطاقة المتجددة، لا يزال العالم يعتمد بشكل عميق على النفط والغاز القادم من الشرق الأوسط. ولذلك نرى اليوم أن دولاً كبرى مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تتحرك بشكل متسارع لإعادة ترتيب تحالفاتها واتفاقياتها النفطية لتأمين احتياجاتها المستقبلية. وتشير تقارير الطاقة إلى أن آسيا تستحوذ وحدها على أكثر من 80% من تدفقات النفط والغاز العابرة عبر هرمز.
أما في حال نجحت الجهود السياسية وتم احتواء التصعيد العسكري أو الوصول إلى تهدئة شاملة، فإن التحديات لن تنتهي فوراً. فأسواق الطاقة لا تتعافى بالسرعة التي تبدأ بها الأزمات. شركات الشحن والتأمين البحري تحتاج عادة إلى أشهر لإعادة تقييم المخاطر، كما أن عودة سلاسل الإمداد إلى طبيعتها تتطلب استقراراً سياسياً وأمنياً مستداماً، وليس مجرد هدنة مؤقتة.
أعتقد أن العالم قد يحتاج من 6 إلى 18 شهراً حتى تعود تدفقات الطاقة وأسعار الشحن والتأمين إلى مستويات ما قبل الأزمة، خصوصاً إذا استمرت التهديدات المتقطعة أو العمليات العسكرية المحدودة في الخليج. كما أن المستثمرين سيبقون يضيفون ما يسمى بـ“العلاوة الجيوسياسية” على أسعار النفط لفترة طويلة، حتى بعد انتهاء أي حرب رسمياً.
ومن المهم أيضاً إدراك أن الأزمة الحالية دفعت العالم لإعادة التفكير في مفهوم أمن الطاقة نفسه. فالمعادلة لم تعد مرتبطة فقط بالإنتاج، بل بالقدرة على حماية الممرات البحرية، وتأمين البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وتطوير المخزون الإستراتيجي، والاستثمار في الطاقة البديلة والتقنيات النووية والمتجددة.
ختاماً، أرى أن العالم الآن أيقن أن استقرار منظومة الطاقة العالمية لا يتحقق بالشعارات الرنانة، ولا بإقصاء الوقود الأحفوري أو محاولة شيطتنه أو تهميشه من معادلة مصادر الطاقة. أثبتت الأحداث المتوالية والمتسارعة أن مزيج الطاقة هو الحل الأجدى، وأن العلاقة بين مصادر الطاقة يجب أن تكون علاقة تكاملية لا علاقة “صفرية”.
*مختص في شؤون الطاقة
