بالأرقام.. هل أصابت حرب إيران الاقتصاد الأميركي في مقتل؟
(العربية)-25/05/2026
تبدو صورة الاقتصاد الأميركي قاتمة للوهلة الأولى، مع قفزات حادة في أسعار النفط والغاز إلى أعلى مستوياتها في أربع سنوات بفعل حرب إيران، ما أعاد إشعال موجة تضخم أكلت زيادات الأجور وأدخلت ثقة المستهلكين إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق.
لكن خلف هذه الصورة المتوترة، يقف اقتصاد بقيمة 31 تريليون دولار لا يزال صامداً. فعلى الرغم من تزايد القلق بشأن القدرة الشرائية وتحول مزاج المستهلكين من التذمر إلى الغضب، لم تنجح الحرب حتى الآن في إحداث ضرر جوهري في أنماط الإنفاق أو فرص العمل.
وبحسب تقرير لشبكة “CNBC”، اطلعت عليه “العربية Business” فإن البحث عن أثر واضح للأزمة في المؤشرات الاقتصادية الكبرى يتطلب تدقيقاً شديداً، رغم أن المخاطر لا تزال قائمة، خاصة مع استمرار إغلاق مضيق هرمز واحتمال وصول بعض الأميركيين إلى نقطة الانهاك المالي، وفقاً لما اطلعت عليه “العربية Business”.
نمو اقتصادي يتجاهل الصدمة
يواصل الناتج المحلي الإجمالي، وهو المقياس الأشمل للاقتصاد، تسجيل نمو قوي. غير أن هذه البيانات تعكس الماضي أكثر مما تستشرف المستقبل، إذ إن أحدث قراءة تخص الربع الأول من العام، الذي تضمن شهراً واحداً فقط من تداعيات الحرب.
وسجل سوق العمل أداءً لافتاً خلال الشهرين الأولين من الحرب، مع انخفاض معدل البطالة واستمرار خلق الوظائف. بل إن نمو الوظائف في مارس جاء الأعلى في عامين، في مفاجأة خالفت توقعات الاقتصاديين.
ومع ذلك، يشير محللون إلى تباطؤ نسبي في الفترة الأخيرة، معتبرين أن قوة البيانات تأثرت بعوامل مؤقتة، مثل التعافي من إغلاق حكومي سابق وإضرابات عمالية واسعة.
كما ارتفعت مبيعات التجزئة بقوة في مارس مدفوعة بارتفاع أسعار الوقود، قبل أن تستقر في أبريل. لكن حتى عند استبعاد تأثير الطاقة، استمر المستهلكون في زيادة إنفاقهم بوتيرة تفوق التوقعات.
وارتفع ما يعرف بـ”مجموعة التحكم” – التي تستبعد العناصر المتقلبة مثل البنزين – بنحو 0.5% في أبريل، في إشارة واضحة إلى أن الأميركيين يواصلون الشراء رغم الضغوط السعرية.
بينما يظل التضخم نقطة الضعف الأبرز، إذ ارتفع في أبريل إلى أعلى مستوى له في ثلاث سنوات، مدفوعاً بشكل أساسي بأسعار الطاقة. لكن المؤشرات بدأت تظهر انتشار الضغوط التضخمية إلى قطاعات أوسع.
فقد ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 3.2% خلال عام، فيما قفزت أسعار تذاكر الطيران بنسبة 20.7%، ما يعكس اتساع دائرة الغلاء.
ورغم تراجع التضخم مقارنة بذروته في 2022، لا يزال الأميركيون يشعرون بمرارة الأزمة، بعد أسوأ موجة غلاء منذ أربعة عقود.
فحتى مع تفوق نمو الأجور على التضخم خلال السنوات الثلاث الماضية، يبقى الشعور النفسي صعباً، إذ لم يعتد المستهلك بعد على دفع 15 دولاراً مقابل شطيرة، ما يعمق فجوة الثقة في الاقتصاد.
لكن هذا التوازن الهش اختل مؤخراً، إذ ارتفع التضخم بوتيرة أسرع من نمو الأجور خلال الشهر الماضي، ما يعني عملياً أن زيادات الرواتب “تبخرت” لأول مرة منذ عام 2023.
ويدفع ذلك شريحة واسعة من الأميركيين، خصوصاً من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض، إلى استنزاف مدخراتهم أو اللجوء إلى الديون للحفاظ على مستوى معيشتهم.
في المقابل، لا يزال أصحاب الدخول المرتفعة في وضع أفضل، إذ تفوقت زيادات أجورهم بشكل كبير على التضخم، حيث غطت زياداتهم السنوية ارتفاع أسعار الوقود بنحو 17 مرة، مقارنة بقدرة محدودة لدى الفئات الأقل دخلاً.
أسواق المال ترسل إشارات تحذير
في الوقت الذي دفعت فيه الطفرة في الذكاء الاصطناعي والأرباح القوية الأسهم الأميركية إلى مستويات قياسية، تتعرض السندات لضغوط بيع متزايدة بسبب المخاوف التضخمية.
وأدى ذلك إلى صعود عائدات سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى لها في أكثر من عام، ما يهدد برفع معدلات الرهن العقاري مجدداً، ويبقي سوق الإسكان في حالة جمود.
رغم أن حرب إيران لم تسقط الاقتصاد الأميركي بعد، فإنها كشفت هشاشته أمام صدمات الطاقة، وعمقت الفجوة بين الأداء الفعلي ومزاج المستهلكين.
