إدارة المخاطر من الرقابة إلى الإستشراف
لا شك في أن ثمّة تحوُّلاً جذرياً في مفهوم إدارة المخاطر، من كونها مجرّد أداة رقابية تقليدية إلى ثقافة مؤسسية شاملة، وعنصر إستراتيجي إستشرافي لحماية إستدامة المؤسسات المصرفية.
والحق أن إدارة المخاطر (2025-2026)، لم تعد مجرّد وظيفة داعمة، بل تحوّلت إلى ثقافة مؤسسية شاملة، تهدف إلى إستشراف المخاطر المستقبلية لمواجهة التحدّيات المتزايدة. كما تُعتبر إدارات المخاطر اليوم حجر الزاوية في إستدامة المؤسسات المصرفية، وعنصراً جوهرياً في صنع القرار الإستراتيجي.
فالتحدّيات الجيوسياسية والإقتصادية في طور التفاقم نظراً إلى التطورات المتسارعة، من هنا تبرز أهمية إدارة المخاطر في ظل التغييرات الجذرية للإقتصاد العالمي، وتنامي المخاطر الجيوسياسية والضغوط الإقتصادية.
في هذا السياق، يُركّز إتحاد المصارف العربية على البرامج التنفيذية المتقدّمة لتعزيز تطبيقات بازل (Basel) والإمتثال، لمواكبة التطورات الرقابية الدولية. كما يسعى الإتحاد إلى تعزيز التواصل مع السلطات الرقابية، بما فيها الأميركية، لمكافحة غسل الأموال ومحاربة الفساد. فالتحوّل من «الرقابة» (نظرة رجعية لما حدث) إلى «الإستشراف» (نظرة مستقبلية لما قد يحدث) هو المحرّك الأساسي لعمل المصارف العربية حالياً لضمان سلامة أصولها وإستمراريتها في بيئة مليئة بالمخاطر.
إن الأحداث الجيوسياسية المتسارعة تؤدي إلى تغيير جوهري في طبيعة المخاطر المصرفية، حيث لا تُعد المخاطر التقليدية مثل مخاطر الإئتمان أو السيولة وحدها كافية لتقييم صحّة المؤسسات المالية. فالتوترات الإقليمية، والنزاعات المسلحة، والتقلُّبات في أسواق الطاقة والعملات، تعمل على إحداث صدمات مفاجئة تؤثر على أصول المصارف، وتغيّر ملفات المخاطر، وقد تُجبِر المصارف إلى إعادة تقييم السياسات الإئتمانية، وإعادة هيكلة محافظها الإستثمارية لتتماشى مع المتغيّرات الجديدة.
وفي منطقتنا العربية، تتفاقم التحدّيات نتيجة تعدُّد أماكن النزاعات، والتي تنعكس بشكل مباشر على الأسواق المالية، وتراجع النشاط الإقتصادي في عدد من الدول، وحركة التجارة، وثقة المستثمرين. كلّ هذه الظروف تفرض على المصارف العربية تعزيز مرونتها في مواجهة الصدمات وإعادة تقييم إستراتيجياتها.
ورغم أّننا نشهد اليوم تحوّلات عالمية مهمّة في قطاع الطاقة، حيث يتّجه العالم تدريجياً نحو تنويع مصادر الطاقة، وزيادة الإعتماد على الطاقة المتجددة، في إطار التحوُّل نحو الإقتصاد الأخضر، إلاّ أن هذا التحوُّل لا ُيلغي الأهمية الإستراتيجية للنفط والغاز، بل يعيد تشكيل أدوارهما ضمن مزيج الطاقة العالمي. علماً أنه يُتوقع أن تبقى أسعار النفط عرضة لتقلُّبات حادّة، نتيجة التوترات الجيوسياسية، وسياسات الإنتاج، والتغيُّرات في الطلب العالمي.
أما في ما يتعلق بالملاذات الآمنة، فإن المشهد الحالي يعكس حالة من التوازن النسبي بين الدولار والذهب. فالدولار لا يزال يحتفظ بمكانته كعملة إحتياط عالمية، مدعوماً بقوة الإقتصاد الأميركي وعمق الأسواق المالية، في حين يشهد الذهب إقبالاً متزايداً في فترات عدم اليقين، بإعتباره مخزناً للقيمة وأداة للتحوُّط ضد التضخُّم والتقلُّبات، وتالياً فإن التوجُّه العام يشير إلى تنويع المحافظ الإستثمارية بين هذين الأصلين، بدلاً من الإعتماد على أحدهما فقط.
في المحصّلة، إن التحديّات التي نواجهها راهناً، رغم صعوبتها، تشكل في الوقت ذاته فرصة لإعادة بناء نماذج عمل أكثر صلابة وإستدامة في القطاع المصرفي العربي. علماً أن الإستثمار في الكفاءات البشرية، وتعزيز المعرفة، وتبادل الخبرات، هو السبيل الأمثل لمواكبة هذه التحوُّلات.
