«بلومبيرغ»: دول الخليج تستعد لإعادة بناء المخزونات الغذائية
(القبس)-17/06/2026
تتجه أسواق الغذاء والحبوب في منطقة الخليج إلى مرحلة جديدة من النشاط المتسارع، مع تزايد التوقعات بأن يؤدي اتفاق مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ أشهر عدة، وإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل، الأمر الذي قد يطلق موجة كبيرة من الطلب المؤجل على واردات الحبوب بعد فترة طويلة من الاضطرابات اللوجستية وإعادة توجيه مسارات التجارة البحرية.
وذكرت وكالة بلومبيرغ أن إعادة فتح المضيق لن تمثل مجرد استعادة لحركة الملاحة الطبيعية، بل قد تؤدي إلى إعادة تشكيل تدفقات التجارة الغذائية في المنطقة بأسرها، في ظل اعتماد دول الخليج بشكل شبه كامل على الأسواق الخارجية لتأمين احتياجاتها من السلع الزراعية الأساسية.
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز والسلع الأساسية. ومنذ الضربات العسكرية الأولى على إيران في أواخر فبراير الماضي، أصبح المرور عبر المضيق محدوداً للغاية، ما أجبر مستوردي الحبوب على استخدام موانئ ومسارات بديلة تقع خارج نطاقه.
تحوّل قسري
وبحسب «بلومبيرغ»، فإن هذا التحول القسري فرض تحديات تشغيلية كبيرة على شركات الاستيراد والتجارة الزراعية، نظراً لأن العديد من الموانئ البديلة لا تمتلك البنية التحتية المتخصصة اللازمة للتعامل مع شحنات الحبوب الضخمة، بما في ذلك الصوامع ومنشآت التخزين وأنظمة المناولة والتفريغ السريع.
وتُصنف منطقة الخليج ضمن أكثر المناطق اعتماداً على الواردات الغذائية في العالم، حيث يتم استيراد ما يقارب %90 من إجمالي الغذاء المستهلك، كما تُعد إيران من أكبر المشترين العالميين لكسب فول الصويا، إضافة إلى كونها من أبرز مستوردي الذرة البرازيلية.
وتقع معظم مراكز استيراد الحبوب الرئيسية في المنطقة خلف مضيق هرمز، بما في ذلك ميناء جبل علي في الإمارات، وميناء الدمام في السعودية، وهي مرافق تمثل العمود الفقري لسلاسل الإمداد الغذائية في المنطقة.
هبوط الواردات
وأظهرت بيانات شركة «كبلر»، التي استندت إليها «بلومبيرغ»، أن واردات الحبوب إلى منطقة الخليج انخفضت خلال شهر مايو إلى نحو 942 ألف طن فقط، مقارنة بمستويات أعلى بكثير خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما يمثل تراجعاً يتجاوز %50.
ويعكس هذا الانخفاض حجم التأثير، الذي أحدثه إغلاق المضيق على حركة التجارة الإقليمية، كما يكشف محدودية قدرة المسارات البديلة على تعويض تدفقات الحبوب، التي كانت تمر تاريخياً عبر الممر البحري الإستراتيجي.
ويرى محللون أن هذه الأرقام لا تعكس تراجع الطلب الحقيقي على الحبوب، بل تشير إلى تأجيل جزء كبير من عمليات الشراء والاستيراد بانتظار تحسن الظروف اللوجستية وعودة الموانئ الرئيسية إلى العمل بطاقتها المعتادة.
عودة الموانئ
ونقلت «بلومبيرغ» عن أليكسيس إليندر، كبير محللي الشحن الجاف في شركة «كبلر»، قوله إن تجارة الحبوب تعتمد على تجهيزات متخصصة لا تتوافر بسهولة في جميع الموانئ، مشيراً إلى أن المستوردين سيعودون في نهاية المطاف إلى الموانئ الرئيسية داخل الخليج بمجرد استقرار الأوضاع.
وأضاف أن حركة سفن الشحن الجاف ما زالت بعيدة جداً عن مستوياتها الطبيعية، حيث لا يتجاوز متوسط عدد السفن العابرة حالياً ثلاث سفن يومياً، مقارنة بأكثر من عشرين سفينة يومياً قبل اندلاع الأزمة.
ويرى خبراء الشحن أن إعادة فتح المضيق ستؤدي إلى تدفق سريع للسفن والبضائع المؤجلة، وهو ما قد يمنح أسواق الحبوب دفعة قوية خلال النصف الثاني من العام، خصوصاً مع سعي الحكومات والشركات إلى إعادة تكوين المخزونات الاستراتيجية التي تراجعت خلال الأشهر الماضية.
اختناقات متوقعة
ورغم التفاؤل بإعادة فتح الممر البحري الحيوي، تحذر «بلومبيرغ» من أن عودة الحركة التجارية قد تترافق مع تحديات تشغيلية مؤقتة، نتيجة تراكم أعداد كبيرة من السفن المنتظرة للعبور أو التفريغ.
ومن المتوقع أن تواجه الموانئ وشبكات النقل البحري ضغوطاً إضافية خلال الأسابيع الأولى من استئناف الحركة الطبيعية، الأمر الذي قد يرفع تكاليف الشحن، ويؤدي إلى بعض التأخيرات في التسليم قبل استعادة التوازن الكامل.
وقالت لويزا فوليس، مديرة تحليل الشحن الجاف في شركة «كلاركسونز»، إن دول المنطقة ستسعى سريعاً إلى إعادة بناء مخزوناتها الغذائية، لكنها أشارت في تصريحات نقلتها «بلومبيرغ» إلى أن التحديات اللوجستية ما زالت كبيرة، متوقعة استمرار بعض أوجه عدم الكفاءة التشغيلية في السوق خلال الفترة المقبلة.
الأمن الغذائي واستقرار الأسعار
يرى مراقبون أن أي انفراجة دائمة في مضيق هرمز ستكون لها انعكاسات تتجاوز قطاع الشحن البحري، لتشمل الأمن الغذائي واستقرار الأسعار وسلاسل الإمداد في مختلف دول الخليج، كما أن استعادة التدفقات الطبيعية للحبوب قد تخفف الضغوط على المستوردين وتساعد في تعزيز المخزونات الاستراتيجية، خصوصاً في ظل التقلبات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة.
وبحسب «بلومبيرغ»، فإن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مدى سرعة عودة تجارة الحبوب إلى مستوياتها الطبيعية، ومدى قدرة الموانئ الخليجية على استيعاب موجة الطلب المتوقعة بعد فترة طويلة من التعطل وإعادة توجيه مسارات التجارة.
