الكباش بين صندوق النقد والمصرف المركزي
(الجمهورية)-13/07/2026
إنّ صندوق النقد الدولي هو منظمة مالية ونقدية دولية، بمعنى آخر، إنّه مصرف يُموِّل ويُقرِض الدول، وليس جمعية خيرية، ولا مؤسسة رقابية. إنّ صندوق النقد عندما يُقرِض دولاً مفلسة مثل لبنان، من البديهي ومن حقه، أن يكون لديه شروط صارمة، لكن في الوقت عينه، من حق الدولة اللبنانية أن يكون لها أيضاً بعض الاعتراضات، وأن تُفاوض ببعض الشروط وفق رؤيتها لسيادتها واستقلالها ودستورها.
مراجع جغرافية
لا شك في أنّ لبنان يحتاج إلى إصلاحات جذرية، لاستعادة ثقة المجتمع الدولي والمستثمرين، لكن في الوقت عينه، يجب ألّا نعتبر أنّ كل ما يقوله صندوق النقد الدولي هو أمر مسلّم به أو منزّل وغير قابل للنقاش.
فالصندوق يجب أن يكون شريكاً، يقدّم الخبرة والإطار العام للإصلاح، لكنّ مسؤولية الدولة اللبنانية هي التفاوض بما يحفظ مصالحها ويأخذ في الاعتبار خصوصية الاقتصاد اللبناني والواقع الاجتماعي. والمطلوب إصلاحات تُناسب لبنان، وليس مجرّد تطبيق حرفي لتوصيات عامة.
فهناك بعضُ متطلّبات صندوق النقد المرتبطة بشطب ودائع المصارف في المركزي وخلق هيئات ناظمة جديدة، كانت قد رُفضت من المجلس الدستوري في لبنان، إذ إنّه في هذه الفترة الدقيقة لإعادة بناء الدولة، لا يُعقل طعن لما تبقّى من مؤسسات الدولة وقراراتها الدستورية.
من جهة أخرى، إنّ الأولوية اليوم هي لإقرار قانون الفجوة المالية، لأنّ هذا القانون الضروري سيُحدِّد الحجم الحقيقي للخسائر، ويضع إطاراً قانونياً لتوزيعها بشفافية وموضوعية، لكنّ الأهم هو تحميل الدولة رسمياً مسؤوليّتها في صرف وهدر جزء كبير من الأموال، وأن تقوم بخطة لإعادتها للمودعين على المديَين المتوسط والبعيد.
لا شك في أنّ المسؤولية الثانية تقع على القطاع المصرفي، الذي عليه أن يتحمّل جزءاً من الخسائر مع جدول زمني لإعادة تسديدها.
وأخيراً، وهذا الكلام مؤلم وغير مقبول من البعض، هناك مسؤولية على المودع الذي رضي بالمخاطر الدولية، وحصل على فوائد مرتفعة جداً خلال سنوات عديدة.
في المحصّلة، إنّ الاتفاق مع صندوق النقد الدولي يشكّل مرحلة مهمّة، لأنّه سيُنجز خطة لإعادة جزء من الثقة، وسيفتح الباب أمام المجتمع الدولي والمؤسسات المالية لإعادة الاستثمار ودعم لبنان. لكنّه ليس هدفاً في حدّ ذاته، بل يجب أن يكون ضمن رؤية اقتصادية شاملة، تقوم على الإصلاح وتحفيز الاستثمار ودعم القطاع الخاص وخلق فرص عمل.
في الوقت عينه، يجب ألّا نتحدّث عن مواجهة مع الصندوق لكن عن تفاوض شفّاف، إذ إنّه على هذه العلاقة أن تكون شراكة مثمرة، وليست علاقة مواجهة عدائية. لبنان يحتاج إلى إصلاحات لكنّه يحتاج أيضاً إلى عدالة في تطبيقها. فكرة النار التي هي عبارة عن مشروع الفجوة المالية الذي يُرمى من منصّة إلى أخرى، قد تأخّر منذ نحو 7 سنوات، ويجب أن يُبصر النور في أسرع وقت، لأنّه الحجر الأساس للتوزيع العادل للمسؤوليات، وبداية الإصلاح الفعلي للدولة. علينا الحفاظ على استقلالية المصرف المركزي، ووضع رؤية اقتصادية تُعيد الثقة وتؤسّس لمرحلة جديدة من النمو والاستقرار.
