فخ السيولة السهلة ومخاطر الانكماش القسري
(البيان)-16/07/2026
أستاذة المالية في مدرسة ميس لإدارة الأعمال بجامعة «تكساس إيه آند إم»، والمسؤولة السابقة عن تصنيفات البنوك الأمريكية لدى «موديز»
لم تكن احتياطيات القطاع المصرفي لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قبل الأزمة المالية العالمية عام 2008 تتجاوز 50 مليار دولار، إذ كان النظام يعتمد حينها على إدارة أسعار الفائدة عبر التحكم في حجم الاحتياطيات الإلزامية، لكن حقبة التيسير الكمي غيّرت هذا الواقع جذرياً، ونقلت النظام إلى مرحلة يستطيع فيها الفيدرالي ضخ كميات ضخمة من السيولة في القطاع المصرفي عند الحاجة، وهو ما تُرجم إلى تدفقات هائلة، بلغت ذروتها عند نحو 4 تريليونات دولار خلال الجائحة.
ولم يكن التيسير الكمي مجرد عملية بسيطة لمبادلة الأصول بين البنوك والفيدرالي، بل كان يعمل في مجمله عبر شراء الفيدرالي للسندات الحكومية من عملاء البنوك غير المصرفيين من خلال البنوك وسيطاً، وأدى ذلك في الوقت نفسه إلى زيادة احتياطيات البنوك وارتفاع الودائع الكبيرة غير المشمولة بالتأمين الحكومي.
هذا التضخم القسري في الميزانيات العمومية للبنوك وضع ضغطاً هائلاً على متطلبات الرافعة المالية ورأس المال لديها، ومع حركة هذه الودائع غير المؤمنة داخل النظام المصرفي، تضخمت ميزانيات القطاع، لتتوهم بنوك عديدة أنها تحقق نمواً استثنائياً، بفضل كفاءتها الخاصة، متجاهلة دور السيولة المصطنعة، التي ضخها البنك المركزي، واندفعت إلى شراء سندات حكومية طويلة الأجل أو التوسع في الإقراض، لتجد نفسها في مأزق حاد بمجرد أن قرر المركزي سحب هذه السيولة.
والانهيار الشهير لبنك «سيليكون فالي» وبنك «فيرست ريببليك» يعد تجسيداً صارخاً لهذه الدورة السببية، التي بدأت عندما أدت عمليات شراء الفيدرالي للسندات إلى دفع عائدات سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى قاع سحيق عند 61 نقطة أساس عام 2020، ما دفع البنوك إلى الانخراط في موجة شراء السندات والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري بالتزامن مع تراكم الودائع غير المؤمنة.
وبمجرد أن قفز التضخم إلى 9 % عام 2022، واضطر الفيدرالي إلى رفع الفائدة بقوة وبدء التشديد الكمي، تم سحب الودائع والتمويل من القطاع المصرفي، ليواجه أي بنك يملك محفظة كبيرة من السندات الحكومية أو قروضاً عقارية ضخمة بأسعار فائدة منخفضة للغاية تهديداً مباشراً لقدرته الحقيقية على الوفاء بالتزاماته، نتيجة انهيار القيمة السوقية لتلك الأصول بالتزامن مع شح التمويل.
طوال تلك السنوات عاش القطاع المصرفي تحت وهم غياب مخاطر أسعار الفائدة في ظل ضعف الرقابة، وتجاهلت التقارير الرسمية اللاحقة غياب التنظيم الصارم والدور المباشر للتيسير الكمي نفسه في خلق الأزمة، علماً بأن تطبيق المعايير الدولية، التي تلزم البنوك بقياس مخاطر ارتفاع الفائدة، والحفاظ على مستويات كافية من السيولة كان كفيلاً بتجنب تلك الانهيارات.
واليوم، وبينما يشبه البعض محاولة تقليص الميزانية العمومية للفيدرالي بمحاولة هبوط طائرة ضخمة من طراز «757» على متن حاملة طائرات فإنني أحذر بشدة من خفض احتياطيات القطاع المصرفي إلى ما دون 3 تريليونات دولار، وهو المستوى الذي شهد انهيار بنك «سيليكون فالي»، والذي اضطر الفيدرالي عام 2025 إلى استئناف شراء الأوراق المالية لإدارة الاحتياطيات، خصوصاً أن أداة إعادة الشراء العكسي لليلة واحدة، التي كانت تمتص السيولة الزائدة وتعمل عازلاً يحمي سيولة البنوك، تراجعت الآن إلى الصفر بعد أن أدت هذا الدور خلال العامين الماضيين.
الفيدرالي يتحكم في حجم ميزانيته، لكنه لا يملك السيطرة الكاملة على كيفية توزيع التزاماته بين احتياطيات البنوك وأداة إعادة الشراء العكسي والحساب العام للخزانة، الذي ينمو باستمرار نتيجة رغبة وزارة الخزانة في الاحتفاظ بسيولة نقدية تتناسب مع حجم السندات مستحقة الدفع، وهو ما يسحب السيولة مباشرة من البنوك، ويضع تحدياً كبيراً يتضاعف كلما صغر حجم البنك.
ولتحقيق التوازن المطلوب يجب على الفيدرالي إلغاء أداة إعادة الشراء العكسي لليلة واحدة، لأنها متغير غير ضروري يسحب السيولة، مع إعادة تفعيل برنامج قروض الخزانة لإقراض النقد الزائد للقطاع المصرفي، وتحفيز المراقبين على عدم التعامل بهلع عندما تلجأ البنوك إلى الاقتراض من بنوك التمويل العقاري الفيدرالية وقت شح السيولة، فضلاً عن ضمان عمل نافذة الخصم التابعة للفيدرالي، وهي آلية الإقراض الطارئ للبنوك، بكفاءة ودون عوائق إجرائية، خصوصاً بالنسبة للبنوك الصغيرة.
في المقابل تفتقر المقترحات الحالية لتعديل قواعد السيولة ورأس المال إلى الواقعية، وتحمل ملامح الهيمنة المالية، أي إخضاع السياسة النقدية لاحتياجات تمويل الدين الحكومي، فضلاً عن تكرار الأخطاء السابقة نفسها، فقد أسهمت المعالجات التنظيمية الحالية بالفعل في خفض متطلبات الرافعة المالية، ويجري الآن طرح فكرة استبعاد سندات الخزانة من حساب نسبة الرافعة المالية، غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن السندات طويلة الأجل تنطوي على مخاطر فعلية، وأن تخفيف متطلبات الرافعة يدفع البنوك إلى زيادة حيازتها من الأصول، التي تمنحها القواعد التنظيمية أدنى مستوى من المخاطر، مثل السندات الحكومية، الأمر الذي يأتي على حساب القروض الموجهة للشركات الصغيرة والأسر.
وينطبق الأمر نفسه على نسبة تغطية السيولة، إذ إن اقتراح احتساب الأصول التي ترهنها البنوك لدى نافذة الخصم التابعة للفيدرالي ضمن الأصول السائلة عالية الجودة ينطوي على مخاطر كبيرة، فلا يمكن افتراض أن البنك سيظل قادراً على الوفاء بالتزاماته في جميع الظروف المستقبلية المحتملة لمجرد استيفائه متطلبات السيولة التنظيمية.
بناء على ذلك يبدو من غير الواقعي التفكير في تقليص حجم الميزانية العمومية للفيدرالي بشكل كبير في المدى المنظور، فالأمر يتطلب وقتاً طويلاً لتهيئة البنوك لاستخدام مصادر بديلة للسيولة.
ونحن نعيش الآن في الربع الثاني من عام 2026 في بيئة تنمو فيها القروض بمعدل أسرع من نمو الودائع، بينما لا تزال مستويات الاحتياطيات عند الحدود نفسها، التي شهدت انهيار بنك «سيليكون فالي»، وإذا كان من السهل على الفيدرالي تقليص ميزانيته بقرار فني فإن هذا الأمر شديد الصعوبة والتعقيد على المؤسسات المالية الخاصة، ما يفرض على فريق عمل الميزانية العمومية للفيدرالي تركيز جهوده على الحد من أي نمو إضافي للميزانية بدلاً من محاولة تقليصها قسرياً، وتعريض النظام بأكمله لخطر الانكسار.
أبقيت الأفكار والأرقام كما هي، واقتصرت التعديلات على شرح المصطلحات التنظيمية الأكثر تخصصاً، وتخفيف اللغة المحاسبية في مواضع عدة قد تربك القارئ العام.
