«ستاندرد تشارترد»: الإمارات رسخت مكانتها بوابة عالمية لتدفقات رؤوس الأموال
(البيان)-21/07/2026
أكد روبرتو هورنويغ، الرئيس التنفيذي للخدمات المصرفية للشركات والاستثمار، والرئيس التنفيذي لمنطقة أوروبا والأمريكتين والشرق الأوسط وأفريقيا في «ستاندرد تشارترد»، أن الإمارات لطالما رسخت مكانتها بوصفها بوابةً عالمية لتدفقات رؤوس الأموال؛ إلا أن التحولات المتسارعة في نماذج توزيعها أعادت توجيه الاهتمام من حركة التدفقات إلى البنية التحتية التي تدعمها وتُمكّنها.
وبالنسبة لشركات الاستثمار، لم يعد السؤال يقتصر على وجهة توظيف رؤوس الأموال، بل أصبح يشمل أيضاً المكان الذي يتم هيكلتها فيه، وإدارتها من خلاله، لتقدم الخدمات المرتبطة بها. وباتت هذه القرارات تضاهي في أهميتها قرارات الاستثمار نفسها.
وأضاف: يعيد هذا التحول رسم ملامح نماذج التشغيل التي تعتمدها المؤسسات المالية. فقرارات اختيار مواقع منصات الاستثمار، ومراكز حجز العمليات، وهياكل الصناديق، باتت تُتخذ اليوم بالقدر نفسه من الدقة التي كانت تُخصص سابقاً لقرارات توظيف رؤوس الأموال، إدراكاً للدور المحوري الذي تؤديه هذه الخيارات في تعزيز الكفاءة والمرونة ودعم النمو على المدى الطويل.
وتابع: تجني دولة الإمارات بالفعل ثمار هذا التحول في توجهات المستثمرين. فقد عكست الإعلانات الأخيرة الصادرة عن مؤسسات تنشط في مجالات إدارة الأصول، وصناديق التحوط، والاستثمارات الخاصة.
والخدمات المصرفية الرقمية، من بينها كابيتال جروب، ومان جروب، وروكوس كابيتال، وبين كابيتال، ونوبانك، اهتماماً متزايداً بتأسيس حضور لها أو توسيع عملياتها في الدولة. ويعكس هذا التوجه ثقة متنامية، ليس فقط في الآفاق الاقتصادية لدولة الإمارات، بل أيضاً في مكانتها المتنامية كمركز يمكن من خلاله إدارة رؤوس الأموال، وتقديم الخدمات المرتبطة بها، وتوجيهها إلى أسواق متعددة.
وقال: يستند هذا الزخم إلى مزيج متكامل من الترابط، والموثوقية، والقدرة على التكيف. فمن خلال موقعها الاستراتيجي الذي يتوسط أبرز مراكز تجمع رؤوس الأموال في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، تتيح دولة الإمارات العربية المتحدة للمؤسسات القدرة على الوصول إلى المستثمرين والأسواق، والاستفادة من فرص النمو القوية، انطلاقاً من مركز واحد.
كما رسخ إطارها التنظيمي ثقة المؤسسات الدولية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على المرونة اللازمة لمواكبة الاحتياجات المتغيرة للمستثمرين العالميين.
وأكد أن تحقيق الاستفادة الكاملة من هذه المزايا يتطلب ما هو أكثر من مجرد استمرار تدفق رؤوس الأموال. فهو يستلزم توفير البنية التحتية، والمؤسسات، والقدرات التي تدعم أنشطة الاستثمار العالمية، إلى جانب تبني نهجٍ مدروس يهدف إلى استقطاب حصة أكبر من القيمة التي تولدها هذه الأنشطة.
وأوضح أن هذا تحديداً ما يميز المراكز المالية الرائدة عالمياً. فمكانتها لا تُقاس بحجم رؤوس الأموال التي تستقطبها فحسب، بل أيضاً بالمنظومة المتكاملة التي تبنيها حول تلك التدفقات. ويُعد توطين الصناديق الاستثمارية، وتسجيل المعاملات، وتقديم خدمات الأصول، الركائز الأساسية لهذه المنظومة، إذ تسهم في ترسيخ الأنشطة الاستثمارية، واستقطاب الخبرات، وتعزيز القيمة الاقتصادية محلياً.
وقال: تزداد أهمية هذه المقومات يوماً بعد يوم. ففي ظل إدارة المؤسسات لاستثماراتها عبر عدد متزايد من الولايات القضائية والأنظمة القانونية والأطر التنظيمية، يولي المستثمرون اهتماماً أكبر لليقين القانوني، وكفاءة هيكلة الاستثمارات، وقوة أطر حماية المستثمرين؛ وهي عوامل رئيسية تلعب دوراً محورياً في عملية اتخاذ قرار تحديد الموقع الذي تُدار وتُسجل فيه الأنشطة الاستثمارية، وليس فقط الوجهة التي تُوظف فيها رؤوس الأموال. وبالفعل تؤدي دولة الإمارات العربية المتحدة دوراً مهماً ضمن هذه المنظومة.
وأضاف: تتمثل الفرصة اليوم في البناء على هذه الأسس من خلال استقطاب نطاق أوسع من أنشطة الاستثمار، وإدارة الصناديق، وخدمات الأصول. ويتوقف اغتنام هذه الفرصة على عدد من العوامل، غير أن هناك عاملين رئيسيين يبرزان بوصفهما الأكثر أهمية. أولهما، تيسير حركة رؤوس الأموال بين مختلف الولايات القضائية داخل الدولة.
وذلك من خلال مواصلة مواءمة الأطر التنظيمية وتعزيز قابلية التشغيل البيني بين الأنظمة القانونية. أما العامل الثاني، فهو يتمثل في توسيع نطاق هياكل الصناديق المتاحة لمديري الأصول العالميين، والحد من التعقيدات المرتبطة بتطبيق نماذج التشغيل العالمية محلياً، بما يمنح المؤسسات الثقة اللازمة لتأسيس منصاتها الإقليمية والعالمية أو توسيعها أو إعادة توطينها انطلاقاً من دولة الإمارات.
وقال إنه رغم أن هذه الإجراءات قد تبدو ذات طابع تشغيلي، فإن أثرها يتجاوز القطاع المالي بكثير. فاستقطاب حصة أكبر من القيمة التي تولدها رؤوس الأموال العالمية يعتمد على قوة المنظومة التي تدعمها. وعندما تترسخ هذه البنية داخل الدولة، فإنها تُسهم في خلق وظائف عالية القيمة، وتعميق الخبرات الوطنية، ودعم القطاعات الاقتصادية المساندة، بالإضافة إلى توليد نشاط اقتصادي مستدام.
ويأتي تطوير هذه المقومات في مرحلة بالغة الأهمية. فالمشهد الاقتصادي الكلي والجيوسياسي الراهن يدفع نحو إعادة توزيع لرؤوس الأموال العالمية، في ظل سعي المستثمرين إلى أسواق تتمتع بالاستقرار والمرونة التشغيلية. وبالنسبة للمراكز المالية القادرة على الجمع بين قوة مؤسساتها، واستمرار الابتكار، وسهولة الوصول إلى خدماتها، فإن الظروف الحالية تهيئ فرصاً واعدة لتعزيز مكانتها.
ولا تقل أهمية هذه الاعتبارات على مستوى المؤسسات الاستثمارية. فبالنسبة لمديري الصناديق العالميين، لم يعد قرار توطين الأصول يعتمد على الأطر التنظيمية وحدها، بل بات يشمل أيضاً عوامل حاسمة مثل خدمات الحفظ، والإدارة، والتقييم، وأطر الحوكمة، عند تحديد موقع إنشاء منصات استثمارية طويلة الأجل. وتشكل هذه المقومات العمود الفقري التشغيلي لأسواق الاستثمار العالمية، وهي المجالات التي يمكن لالتزام دولة الإمارات العربية المتحدة المستمر بتطوير الأطر التنظيمية، والبنية التحتية، والسياسات، أن يرسخ فيها ميزة تنافسية مستدامة.
وقد أثبتت دولة الإمارات مراراً وتكراراً قدرتها على استشراف التحولات والتكيف معها قبل حدوثها. وهذه القدرة، إلى جانب ترابطها الوثيق مع الأسواق العالمية وعمق مؤسساتها، هي ما يميز هذه المرحلة الجديدة عن المراحل السابقة في تطور المراكز المالية.
فالهدف لم يعد يقتصر على استقطاب المزيد من رؤوس الأموال، بل يمتد إلى الاحتفاظ بحصة أكبر من القيمة المتولدة عنها، بما يعزز مكانة دولة الإمارات العربية المتحدة كأحد المراكز العالمية الراسخة لاحتضان رؤوس الأموال الدولية، إلى جانب نيويورك، ولندن، وهونغ كونغ، وسنغافورة.
