الصراع الأخير تسبّب في صدمة كبيرة على الإقتصاد
«موديز» ترجّح إنكماش الإقتصاد اللبناني 14 %
تتوقّع وكالة التصنيف الدولية «موديز» إنكماشاً حاداً للإقتصاد اللبناني خلال العام 2026 بنسبة 14 % ، جرّاء الحرب المحلية وتداعيات الصراع في المنطقة، مع ترجيح إستعادة النمو الإيجابي بنسبة 5 % في نهاية العام نفسه. في حين يقدّر وزير المال اللبناني ياسين جابر تراجع الناتج بما بين 7 و10 % ، مع أضرار مباشرة وغير مباشرة تصل إلى 20 مليار دولار.
وكتبت صحيفة «الشرق الاوسط»: في نهاية العام الماضي (2025)، بلغ حجم الناتج مستوى 33 مليار دولار، مدفوعاً بنمو نسبته 3.8 % ، وفق تحديثات رقمية موثقة من قبل مصرف لبنان المركزي، عقب رحلة شاقة من الانكماش الحاد على مدار سنوات الأزمة المالية والنقدية التي إنفجرت في خريف العام 2019، وأفضت إلى حصيلة تراجع متتالية ومجمّعة بنسبة تناهز 60 % من المستوى الأعلى للناتج الذي قارب 53 مليار دولار عشية الإنهيار الإقتصادي.وبحسب التقييم المحدث لوكالة «موديز»، فإنّ الصراع الأخير تسبّب في صدمة كبيرة على الإقتصاد، نتيجة نزوح السكّان، وإنهيار القطاع السياحي، وتعطّل قطاعَي الزراعة والصناعة، والدمار الكبير الذي لحق بالبنى التحتيّة. في حين يُخشى أن يؤدّي التراجع في الإيرادات الحكوميّة، مقابل إرتفاع الإحتياجات الإجتماعيّة وإحتياجات إعادة الإعمار، إلى زيادة الضغوط على الأوضاع الماليّة العامّة، والإعتماد على الإحتياطات بالعملات الأجنبيّة.وبينما تهدّد التوتّرات الجيوسياسيّة المستمرّة بتفاقم الضعف القائم في ميزان المدفوعات، فإنّ التمديد المؤقّت لوقف إطلاق النار والنقاش المستمر مع صندوق النقد الدولي حول تمويل سريع محتمل، قد يوفّران، حسب الوكالة، الحصول على دعم قصير الأجل عبر تعزيز السيولة والحيز المالي، إلاّ أنّهما لا يعالجان نقاط الضعف الهيكليّة في البلد، كالتعثّر السيادي، وغياب إعادة هيكلة شاملة للدين العام، فضلاً عن حزمة تحديات مؤسسيّة وحوكميّة.وفي البُعد السياسي، أشارت الوكالة إلى الجهود الدبلوماسيّة الأخيرة التي قادتها الولايات المتحدة، مستهدِفةً الدفع نحو إطار أكثر استدامة للسلام والأمن بين إسرائيل ولبنان، وذلك من خلال المحادثات التي عُقدت في منتصف أيّار/مايو 2026 وتُستكمل جولاتها في نهايته وبداية حزيران/يونيو 2026.ورغم أن هذه المفاوضات قد تساعد في الحدّ من ارتفاع وتيرة التصعيد، فإنّ إحتمال تجدّد النزاع لا يزال مرتفعاً، ما يُواصل تهديد الإقتصاد اللبناني وثقة المستثمرين والأوضاع الإنسانيّة؛ إذ تدور هذه المناقشات وسط تقارير متواصلة عن إنتهاكات لوقف إطلاق النار، ما يسلّط الضوء على هشاشة الوضع الأمني واستمرار المخاطر الجيوسياسية.أمّا في البُعد الإقتصادي والإنساني، فقد أدّت موجة العنف المتجدّدة، وفق رصد «موديز»، إلى نزوح أكثر من مليون شخص، وإضطراب سوق العمل، وإضعاف الطلب الإستهلاكي، وإلحاق أضرار جسيمة بالقطاعات الإنتاجيّة مثل الزراعة والصناعة والبناء، نتيجة تضرّر البنية التحتيّة، ورأس المال، وسلاسل الإمداد. كذلك تأثّرت القطاعات الخدماتيّة، بما فيها السياحة، والرعاية الصحيّة، والتعليم، بالتباطؤ الإقتصادي الذي تشهده البلاد.ولا يزال لبنان يعتمد بشكل كبير على الواردات، التي تُعوّض جزئيّاً من خلال إيرادات السياحة وتحويلات المغتربين، علماً أن هذه التدفقات من العملات الأجنبيّة قد تتراجع نتيجة عدم الإستقرار الإقليمي، وإرتفاع أسعار النفط، وإحتمال تأثّر تحويلات المغتربين بالأوضاع المستجدّة.ونوهت الوكالة بأنّه رغم أنّ المناقشات مع صندوق النقد الدولي حيال توفير تمويل طارئ تصل قيمته إلى مليار دولار قد يؤمّن دعماً ماليّاً مؤقتاً، ويساعد في تغطية الإنفاق الإجتماعي والإنساني العاجل، فإنّ هذا الدعم وحده لن يكون كافياً لمعالجة نقاط الضعف الهيكليّة في الاقتصاد اللبناني، علماً أن رد إدارة الصندوق لم يكن إيجابياً، حسب مصادر وزارة المال، ربطاً بإستمرار لبنان في حال «التعثر» عن سداد ديونه السيادية.ومن غير المرجّح أن يتغيّر التصنيف الائتماني للبنان، المستمر عند الدرجة «سي»، إذا لم يتمّ تنفيذ إعادة هيكلة شاملة للدين العام؛ نظراً إلى حجم التحدّيات الماكرو اقتصاديّة والماليّة والإجتماعيّة، علماً أنّ أيّ تحسّن في التصنيف السيادي بعد عمليّة إعادة هيكلة الدين سيعتمد، وفق «موديز»، على سرعة وفاعليّة الإصلاحات الماليّة والمؤسسيّة، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على تعزيز تحصيل الإيرادات، وانتقال الاقتصاد إلى نموذج نموّ جديد.ويأتي التصنيف المتدني الذي تمنحه «موديز» للبنان بناءً على نتائج مسجَّلة على أربعة مستويات؛ إذ سجّل لبنان نتيجة «سي إيه إيه 1» (caa1)، في معيار «القوة الاقتصادية»؛ نظراً إلى الإنكماش الإقتصادي الكبير منذ العام 2019، وتفاقم التحدّيات بشكل إضافي نتيجة نزوح السكان والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية بسبب إندلاع الحرب. في حين ساهمت تحويلات المغتربين والإنفاق داخل البلاد في دعم مستويات الدخل.وسجّل لبنان نتيجة «سي إيه» (ca)، في معيار «القوة المؤسساتية»، ما يعكس الضعف الناشئ عن استمرار التخلّف عن دفع الدين السيادي منذ مارس (آذار) 2020، وهشاشة بيئة الحوكمة التي تتّسم بضعف فاعليّة السياسة الماليّة، والتي يقيّدها تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع القدرة على جباية الإيرادات.
أمّا على صعيد القوّة الماليّة، فقد نال لبنان نتيجة «سي إيه»، والتي تعكس دين الدولة الكبير، بما يرجّح التسبّب في خسائر كبيرة للدائنين في حال تعثّرت الدولة عن الدفع. كما حصل على نتيجة «سي إيه» في معيار «التعرُّض لمخاطر الأحداث»؛ نظراً إلى مخاطر السيولة والتعرُّض الخارجي الكبير كما التعرُّض الكبير للقطاع المصرفي للدين السيادي.
ونوهت الوكالة بأنّ «النظرة المستقبليّة المستقرّة» تشير إلى أنّها لا ترتقب أي تحسّن في تصنيف لبنان في المدى القريب، وسيبقى على حاله إلاّ إذا تمّ تطبيق إصلاحات جوهريّة على مدى سنوات عدّة من جهة، وتحسين القدرة على تحصيل الإيرادات، وحصول تقدّم ملحوظ في ديناميكيّة الدين، وتكيّف البلاد مع نموذج نموّ اقتصادي جديد من جهة موازية، وذلك لضمان إستدامة الدين في المستقبل.
في المحصّلة، وبعد إعتراف صندوق النقد الدولي في دراسة نشرها لباحثين مؤخراً بأن الأزمة في لبنان نظامية، ألا يُصبح تحمّل الدولة جزءاً من الخسائر أمراً لا مفرّ منه، ومدرجاً ضمن آلية سدّ الفجوة المالية لإعادة أموال المودعين؟ هي التي بدّدت وأهدرت وإستدانت وأفقرت اللبنانيين وأطبقت على الطبقة المتوسطة.
