ما هي أبرز القطاعات الواعدة للإستثمار في لبنان؟
البروفسور فؤاد زمكحل
رئيس الإتحاد الدولي لرجال وسيدات الأعمال اللبنانيين MIDEL
وعميد كلية إدارة الأعمال في جامعة القديس يوسف USJ
في ظلّ الأزمات الإقتصادية والمالية التي تمرّ في لبنان، يعتقد كثيرون أنّ الإستثمار بات حكراً على أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة. إلّا أنّ الواقع يشير إلى أنّ المرحلة الحالية تفتح الباب أمام فرص استثمارية جديدة تعتمد على الإبتكار والمرونة، ورأس المال المحدود، أكثر ممّا تعتمد على الإستثمارات الضخمة. فالإستثمار الذكي اليوم لا يُقاس بحجم الأموال المستثمرة، بل بقدرته على تلبية حاجة حقيقية في السوق، وتحقيق تدفقات نقدية سريعة، وإمكانية التوسُّع محلياً وخارجياً.
ومن أبرز القطاعات الواعدة:
خدمة الذكاء الإصطناعي والتحوّل الرقمي: تتّجه الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى إعتماد تقنيات الذكاء الإصطناعي لتحسين الإنتاجية وخفض التكاليف، ما يخلق طلباً متزايداً على الإستثمارات والحلول الرقمية، وهي مشاريع لا تحتاج إلى إستثمارات كبيرة بقدر ما تحتاج إلى الخبرة والكفاءات والمهارات التقنية.
الصناعات الغذائية الموجّهة للتصدير: يتمتع المنتج اللبناني بسمعة ممتازة في الأسواق الخارجية، خصوصاً المنتجات المصنّعة من أساس زيت الزيتون، الزعتر، المونة، العسل والأعشاب الطبية. ويُمكن لهذه المشاريع أن تبدأ برأس مال محدود مع إمكانية التوسُّع تدريجياً نحو الأسواق العالمية.
خدمات الطاقة الشمسية والمتجدّدة: لا يقتصر القطاع على بيع الألواح الشمسية، بل يشمل التركيب والصيانة والتنظيف وإدارة الأنظمة، وهي خدمات لا تزال تشهد طلباً متزايداً نتيجة أزمة الكهرباء، مع إرتفاع أسعار الطاقة داخلياً ودولياً.
التدريب والتعليم المهني: تشهد السوق طلباً متنامياً على برامج التدريب في الذكاء الإصطناعي، والقيادة، والحَوكمة، والإمتثال، والأمن السيبراني وخدمة العملاء، وهي مشاريع تعتمد على رأس المال البشري أكثر من إعتمادها على البُنية التحتية.
التجارة الإلكترونية: إطلاق متجر إلكتروني متخصِّص، أصبح أقل كلفة بكثير من إفتتاح متجر تقليدي، مع إمكانية الوصول إلى أسواق محلية وخارجية من دون إستثمارات كبيرة. فمن الهاتف الذكي أو الكومبيوتر البسيط مع إرسال الإنترنت، يُمكن لأي عميل أن يبيع منتجه إلى كل الأسواق والعالم أجمع.
الرعاية الصحية المنزلية: مع تزايد الحاجة إلى خدمات التمريض والعلاج الفيزيائي ورعاية كبار السن في المنازل وزيادة أسعار الإستشفاء والتأمين، يُوفّر هذا القطاع فرصاً كبيرة وقابلة للنمو.
الزراعة الذكية: تشكّل الزراعة المائية، وإنتاج الفطر، وتربية النحل، وزراعة الأعشاب الطبية والعطرية فرصاً إستثمارية واعدة ذات كلفة معقولة وقيمة مضافة مرتفعة، مع فرص للإنماء والتصدير.
الأمن السيبراني والخدمات التقنية: تزايد إعتماد المؤسسات على الحلول الرقمية، يجعل حماية البيانات والأنظمة أولوية، ما يفتح المجال أمام شركات متخصِّصة تقدِّم خدمات دورية ومستدامة.
السياحة المتخصِّصة: بدلاً من الإستثمار في الفنادق الضخمة والفخمة، يُمكن تطوير تجارب سياحية متخصِّصة مثل السياحة البيئية، سياحة النبيذ والسياحة الثقافية والدينية، فهي تستهدف المقيمين والمغتربين والسياح الذين يبحثون عن هذا النوع من السياحة التقليدية والعائلية والخضراء.
خدمات الاستشارات: تحتاج آلاف الشركات إلى خدمات الاستشارات في كل المجالات الإنتاجية من التكنولوجيا إلى المحاسبة والتدقيق وإدارة الموارد البشرية والتسويق والتطوير والتنويع، والحوكمة الرشيدة والإمتثال والإستدامة، وهي أنشطة تعتمد أساساً على الخبرة والرؤية وليس على رأس المال.
في المحصّلة، إن هذه القطاعات والإستثمارات المطروحة تتميّز بإنخفاض حجم الإستثمار الأولي وتحقق إيرادات سريعة مع إمكانية توسيع الأسواق والتصدير الإقليمي والدولي. وتتميّز أيضاً هذه الأفكار البنّاءة بمرونة عالية وقدرة على الصمود في ظل التقلُّبات والمخاوف والمخاطر الراهنة.
ولا شك في أنّ الإستثمار الحقيقي يكمن خصوصاً في الإنسان نفسه وفي الموارد البشرية، وقد أثبت لبنان عبر العقود، أنّ ثروته الحقيقية ليست في الموارد والأوهام المطمورة تحت البحار، لكن بالطاقات البشرية على هذه الأرض المثمرة. إنّ الفرص الإستثمارية المطروحة اليوم قائمة على المعرفة والابتكار والريادة والتكنولوجيا والخدمات ذات القيمة المضافة.
كذلك، إنّ مستقبل الإقتصاد اللبناني لن يُبنى فقط على الإستثمارات الكبرى، بل خصوصاً على المبادرات الصغيرة والمتوسطة التي ستخلق فرص عمل وإنماء، وتعزيز الصادرات، وإستقطاب الإستثمارات الخارجية. إنّ المرحلة المقبلة، ستكون للرياديّين والمبتكرين الذين يملكون الأفكار المبدعة والرؤية والتآزر والنفَس للمثابرة المستدامة، من دون إستسلام ويأس في قاموسهم.

