عشر ملفات اقتصادية على طاولة مجلس التعاون الإستراتيجي السعودي ـ السوداني
(الإقتصادية)-10/08/2026
تستعد السعودية والسودان لتوقيع اتفاقية لتأسيس مجلس التعاون والتنسيق الإستراتيجي بين البلدين يوم 17 أغسطس الجاري، بحضور وزير خارجية الدولتين، إلى جانب عدد من المسؤولين في القطاعات الاستثمارية والاقتصادية والتجارية.
وبحسب مصدر دبلوماسي سوداني تحدث لـ”الاقتصادية”، فإن الاتفاقية تمثل خطوة متقدمة في مسار العلاقات بين الرياض والخرطوم، إذ تتضمن أجندة المجلس 10 ملفات اقتصادية ووضع إطار مؤسسي أعلى وأكثر شمولاً لإدارة العلاقات الثنائية، بما يجمع الملفات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والأمنية والتجارية تحت مظلة واحدة، ويفتح المجال أمام انتقال التعاون الثنائي من الدعم السياسي والإنساني إلى شراكة اقتصادية واستثمارية طويلة الأجل.
مبادرة بدأت من الرياض
بحسب المصدر، شهد هذا الملف خلال الفترة الماضية حراكاً دبلوماسياً متواصلاً، شمل اجتماعات ومشاورات ومراسلات مع المسؤولين في وزارة الخارجية السعودية، وصولاً إلى الموافقة النهائية على المبادرة.
تتمثل الملفات الـ10 في إعادة إعمار السودان، والزراعة والأمن الغذائي، والثروة الحيوانية، والذهب والتعدين، والبحر الأحمر والموانئ، والطاقة والكهرباء، والتمويل والمصارف، والصناعة والتصنيع الغذائي، والاتصالات والتحول الرقمي، السياحة والعقار والخدمات.
وأشار إلى أن دفع الملف يحظى بدعم على أعلى المستويات، لافتا إلى الاجتماع الذي ضم الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، والفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، في مكة المكرمة في مايو 2025، والذي جرى خلاله بحث المبادرة وأهميتها السياسية والاقتصادية والاستثمارية والأمنية للبلدين.
يرى المصدر أن أهمية المجلس لا تقتصر على كونه إطاراً للتنسيق السياسي، بل تتمثل في أن يصبح الجهة العليا التي تنظم وتدير مختلف مسارات العلاقات السعودية–السودانية، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وما تفرضه من حاجة إلى مزيد من التنسيق والشراكة بين الرياض والخرطوم.
إعادة صياغة العلاقة الاقتصادية السعودية – السودانية
يرى محللون اقتصاديون استطلعت “الاقتصادية” آراءهم أن تأسيس مجلس تعاون وتنسيق إستراتيجي سعودي–سوداني يمكن أن يتحول إلى منصة اقتصادية رئيسة للسودان، شرط أن ينتقل سريعاً من الإطار السياسي إلى أهداف رقمية ومشاريع محددة وجداول زمنية للتنفيذ.
ويكتسب اجتماع 17 أغسطس أهمية خاصة، باعتباره فرصة لتحويل العلاقة من مستوى الدعم السياسي والإنساني إلى شراكة استثمارية واقتصادية طويلة الأجل.
الحاج دفع الله، سفير السودان لدى السعودية، يقود منذ ترشيحه للعمل سفيراً في السعودية جهودا لدفع المبادرة، واضعاً رفع مستوى العلاقات بين البلدين في مقدمة أولويات بلاده.
يرى اقتصاديون أن مقومات المجلس توفر قاعدة يمكن البناء عليها لتأسيس نموذج استثماري طويل الأجل، بدلاً من اقتصار العلاقة على التجارة التقليدية أو المساعدات.
الاتفاقية تعيد بناء الثقة وتفتح الطريق أمام المستثمرين
قال محمد المرضي التجاني، الرئيس التنفيذي لشركة ساترن إنفستمنت المحدودة والخبير الاقتصادي والمستثمر في الشؤون الخليجية مع السودان، لـ”الاقتصادية”، إن توقيع اتفاقية تأسيس مجلس التنسيق أو التعاون المشترك بين السعودية والسودان يمثل أكثر من مجرد إطار دبلوماسي، إذ يبعث برسالة سياسية واقتصادية مفادها أن السودان، رغم ظروف الحرب، سيظل جزءاً من منظومة التعاون الإقليمي، وأن مرحلة إعادة الإعمار بدأت ملامحها منذ الآن.
وأوضح أن أهمية الاتفاقية بالنسبة للاقتصاد السوداني تتمثل في عدة محاور، في مقدمتها استعادة الثقة، إذ يعاني السودان خلال الحرب من تراجع الاستثمارات وهروب رؤوس الأموال، وبالتالي فإن وجود إطار مؤسسي للتعاون مع أكبر اقتصاد عربي يمكن أن يمنح المستثمرين قدراً أكبر من الثقة في مستقبل الاقتصاد السوداني.
وأضاف أن السعودية يمكن أن تكون من أبرز الشركاء في إعادة بناء البنية التحتية والطاقة والموانئ والقطاع الصحي والتعليم، فضلاً عن دور الاتفاقية في تحسين بيئة الاستثمار وتطوير الأطر القانونية والتنظيمية التي تسهل دخول الاستثمارات السعودية وتوفر لها الحماية والشفافية.
ويرى المرضي أن زيادة التدفقات الاستثمارية يمكن أن تسهم في خلق فرص العمل ورفع الإنتاج المحلي وتعزيز الصادرات والإيرادات، مشيراً إلى أن الاستفادة من الاقتصاد السعودي لا تقتصر على التمويل، وإنما تشمل نقل الخبرات والتجارب في تنفيذ المشاريع الكبرى والحوكمة وتنويع مصادر الدخل والتحول الرقمي وجذب الاستثمار الأجنبي.
6 خطوات لتحويل الاتفاقية إلى استثمارات
شدد المرضي على أهمية ترجمة الاتفاقية إلى برامج عملية، مقترحاً إنشاء مجلس أعمال سعودي–سوداني يضم كبار المستثمرين من الجانبين، وإعداد قائمة بمشاريع إستراتيجية جاهزة للاستثمار في مرحلة إعادة الإعمار.
كما دعا إلى تبسيط الإجراءات الجمركية والاستثمارية، وتوقيع اتفاقيات لحماية وتشجيع الاستثمارات، وإقامة مناطق لوجستية وصناعية مشتركة تخدم التجارة الإقليمية، وتشجيع الشراكات في الأمن الغذائي، إلى جانب وضع آليات تمويل مشتركة للمشاريع التنموية الكبرى بمشاركة الصناديق والمؤسسات المالية السعودية.
وأكد أن نجاح الاتفاقية يجب أن يقاس بسرعة تحويلها إلى مشاريع واستثمارات حقيقية تولد فرص العمل وتزيد الإنتاج وتسهم في إعادة بناء الاقتصاد السوداني.
من جهته، يرى الكاتب المختص في الشأن الاقتصادي السوداني محمد شمس الدين، أنه لا يوجد أفضل ولا أكثر أماناً من رأس المال السعودي لتقديم حلول جذرية لأزمات الاقتصاد السوداني، مقترحاً حزمة حلول سعودية–سودانية للتعافي الاقتصادي تقوم على خمسة مسارات رئيسة، بينها مسار الخدمات الحيوية ويشمل الكهرباء والمياه والاتصالات والموانئ، وهي قطاعات تحتاج بصورة أساسية إلى إعادة الإعمار، ومسار القطاعات الاستثمارية ويضم التعدين والطاقة والصناعة، ويحتاج إلى دعم استثماري مباشر وشراكات إستراتيجية.
كما تشمل مسارات الصادرات والواردات غير النفطية ويمكن تعزيزه عبر حلول لوجستية وشراكات ذكية ترفع كفاءة التجارة وتخفض تكاليفها، ومسار الضمانات والائتمان والتمويل ويحتاج إلى آليات تيسير تتلاءم مع تحديات المرحلة، مع تعزيز ضوابط الحوكمة والرقابة، ومسار الأمن الغذائي ويضم الزراعة والثروة الحيوانية وسلاسل الإمداد المرتبطة بهما.
القيمة الحقيقية في تحويل التفاهمات إلى مشاريع
بدورها، قالت الدكتورة منى عبد الفتاح، الباحثة الاقتصادية والمتخصصة في الشؤون السودانية، إن تأسيس المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الإستراتيجي بين السودان والسعودية يمثل خطوة تستحق التوقف عندها، خصوصاً في ظل التحديات الكبيرة التي يواجهها السودان نتيجة الحرب وعدم الاستقرار.
وأوضحت أن البلدين ينتقلان من نمط التعاون التقليدي إلى شراكة مؤسسية طويلة الأمد تقوم على التنسيق المستمر، وتجمع السياسة والاقتصاد والأمن والاستثمار ضمن إطار واحد.
وأضافت أن هذه الخطوة تمنح العلاقات بين البلدين إطاراً أكثر استقراراً وفاعلية، وتعزز القدرة على تنفيذ المشاريع وتحويل التفاهمات السياسية إلى نتائج اقتصادية ملموسة.
وترى عبد الفتاح أن المجلس السعودي–السوداني يمكن أن يمثل نموذجاً جديداً للشراكات الإستراتيجية العربية، يقوم على المصالح المشتركة والهموم المشتركة وصناعة الاستقرار الإقليمي.
