إستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة حتى 2030 .. من التوسع إلى تعظيم القيمة
(الإقتصادية)-13/08/2026
تدخل إستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة السعودي 2026-2030 مرحلة مختلفة في مسيرة الصندوق، تنتقل فيها الأولوية من التوسع إلى تحقيق قيمة مستدامة.
وبعد سنوات ركز خلالها الصندوق على بناء قطاعات وشركات ومشاريع جديدة حتى تجاوز الأصول تحت الإدارة 3.4 تريليون ريال، تتجه المرحلة المقبلة إلى رفع أداء الأصول وتعزيز التكامل بينها. كما تركز على تحسين كفاءة رأس المال وتوسيع دور القطاع الخاص في الاستثمار والتمويل والتشغيل.
ولا يعني هذا التحول توقف الصندوق عن النمو أو إطلاق استثمارات جديدة. فالإستراتيجية تؤكد استمرار توظيف رأس المال محليا وعالميا، لكن وفق نهج أكثر انتقائية وانضباطا تخدم القيمة.
وبذلك يصبح التركيز أقل ارتباطا بحجم الاستثمار وحده، وأكثر ارتباطا بالعائد والأثر والقدرة على استقطاب رؤوس أموال أخرى.
من الاستثمار إلى تفاصيل الحياة اليومية
يقترب مفهوم “تحقيق القيمة” في الاستراتيجية الجديدة من حياة الناس اليومية. فالمعيار لا يتوقف عند حجم الاستثمار أو قيمة الأصل، بل يمتد إلى الأثر الذي ينتجه.
وتظهر هذه القيمة عندما يقود الاستثمار إلى مساكن جديدة أو وظائف أو تقنيات محلية. كما تظهر في خدمات تجعل النقل والطاقة والسفر أكثر كفاءة.
في الإسكان، تطور “روشن” مجتمعات تجمع السكن والعمل والتسوق والتعليم والخدمات في نطاقات مترابطة يمكن الوصول إلى كثير منها مشيا.
وفي الصناعة، تتحول صناعة السيارات إلى فرصة لبناء سلاسل إمداد محلية وتوطين التقنية وخلق وظائف متخصصة.
أما في الطاقة، فتستهدف استثمارات الطاقة الشمسية والمتجددة خفض الانبعاثات ورفع كفاءة منظومة الطاقة، بدل اقتصار أثرها على إنشاء محطات جديدة.
وفي السياحة والسفر، تضيف وجهات مثل البحر الأحمر منتجات سياحية جديدة محليا، و”طيران الرياض” يوسع خيارات السفر وربط السعودية بمزيد من الوجهات.
بهذا المعنى، تريد الإستراتيجية تحويل أثر الاستثمار من أرقام تظهر في التقارير إلى أصول وخدمات ومنتجات تدخل الاقتصاد والحياة اليومية.
3 محافظ و6 منظومات

تقود الاستثمارات
توزع الإستراتيجية استثمارات الصندوق على 3 محافظ، يؤدي كل منها وظيفة مختلفة خلال المرحلة المقبلة.
تأتي “محفظة الرؤية” في مقدمتها، وتركز على الاقتصاد المحلي وتعظيم قيمة شركات الصندوق. وتعمل عبر 6 منظومات اقتصادية مترابطة، بهدف رفع التكامل والتنافسية وفتح فرص أوسع أمام القطاع الخاص.
وتشمل هذه المنظومات السياحة والسفر والترفيه، والتطوير العمراني والتنمية الحضرية، والصناعات المتقدمة والابتكار.
كما تضم الصناعة والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية والطاقة النظيفة والمتجددة والمياه، إضافة إلى نيوم.
ويعكس هذا التنظيم تغيرا في طريقة النظر إلى المشاريع. فالمشروع لم يعد أصلا منفردا، بل جزءا من منظومة تضم البنية التحتية والتشغيل والتقنية ورأس المال البشري وسلاسل الإمداد.
أما “محفظة الاستثمارات الإستراتيجية”، فتركز على تعظيم عوائد الأصول الاستراتيجية ورفع أثر شركات الصندوق. كما تستهدف دعم تحول بعض الشركات إلى كيانات عالمية وجذب استثمارات محلية ودولية.
في المقابل، تركز “محفظة الاستثمارات المالية” على تحقيق عوائد مستدامة وتعزيز المركز المالي للصندوق. وتشمل استثمارات مباشرة وغير مباشرة في الأسواق العالمية بهدف التنويع ورفع مرونة المحفظة.
من التوسع إلى تحقيق قيمة مستدامة
تأتي المرحلة الجديدة بعد عقد شهد توسعا كبيرا في حجم الصندوق ونطاق أعماله.
فقد ارتفعت الأصول تحت الإدارة من 500 مليار ريال في 2015 إلى أكثر من 3.4 تريليون ريال في 2025.
كما أصبحت محفظة الصندوق تضم أكثر من 220 شركة. وتجاوزت مساهمته التراكمية في الناتج المحلي غير النفطي 1.29 تريليون ريال بين 2021 و2025.
ووصلت مساهمته إلى نحو 11% من الناتج المحلي غير النفطي خلال 2025، وفق البيانات الواردة في الاستراتيجية.
لكن إستراتيجية 2026-2030 تمثل مرحلة تركز على تعزيز العوائد المالية، ومشاركة القطاع الخاص والأسواق المالية في الاستثمار محليا، إلى جانب المحافظة على التميز التشغيلي والمؤسسي.
ويتحقق ذلك في إطار يجمع المنظومات الاقتصادية ضمن محفظة الرؤية، لتكون منصات متكاملة، تجمع بين الأصول الأساسية والبنية التحتية الداعمة، والقدرات التشغيلية ورأس المال البشري، والتقنيات وسلاسل الإمداد ،والتنسيق مع الجهات التنظيمية.
تمويل أوسع ودور أكبر للقطاع الخاص
يظهر التغيير بصورة أوضح في طريقة تمويل النمو خلال السنوات المقبلة.
فمع نضج شركات المحفظة، تتجه آليات تمويلها إلى مزيج أكثر تنوعا. ويشمل ذلك رأس مال الصندوق والأرباح المبقاة والاستثمارات الخاصة المحلية والدولية.
كما تخضع المشاريع لمراجعة مستمرة لجدواها التجارية وقدرتها على جذب شركاء ورؤوس أموال من خارج الصندوق.
وتمنح الإستراتيجية الصندوق مرونة أكبر لإعادة تخصيص رأس المال عند تغير الأولويات أو الظروف الاقتصادية.
ويتيح ذلك توجيه موارده إلى الفرص التي تجذب اهتمام القطاع الخاص، وتعزز من مشاركة في السوق، مما يسهم في تسريع تطور الاقتصاد.
ولا يقتصر دور القطاع الخاص هنا على توفير التمويل. فالإستراتيجية تربط مشاركته أيضًا بالتشغيل وسلاسل الإمداد والمشتريات والتوسع في الشركات القائمة.
ويرتبط ذلك بالتوطين وتطوير الموردين المحليين. فقد بلغت نسبة المحتوى المحلي لدى الصندوق وشركات محفظته 57% في 2024.
كما بلغ الإنفاق على المحتوى المحلي نحو 590 مليار ريال خلال الفترة بين 2020 و2024.
وبذلك يمكن للصندوق إعادة تدوير جزء من رأس ماله نحو فرص جديدة، بينما تنتقل الأصول الناضجة تدريجيا إلى نموذج تتسع فيه مساهمة القطاع الخاص.
ما بعد 2030 يبدأ من الآن
رغم أن الإستراتيجية تغطي الفترة حتى 2030، فإنها تؤسس لمرحلة ما بعد 2030.
فالصندوق لا يقيس أداءه بالنتائج الربعية وحدها، بل بقدرته على تحقيق قيمة مستدامة عبر الأجيال، تجمع بين العوائد المالية ومتانة الاقتصاد وتنويعه وبناء القدرات الوطنية.
وعلى مستوى المحفظة، يتركز القياس على جودة الأصول والانضباط في تخصيص رأس المال وتقدم المنظومات الاقتصادية.
كما يدخل ضمنه اتساع مشاركة القطاع الخاص وقدرة الاستثمارات على إنتاج أثر اقتصادي يمتد إلى الأفراد والشركات.
لذلك تمثل السنوات حتى 2030 مرحلة انتقال من بناء الحجم إلى تحسين نوعيته. والهدف هو تكوين أصول ومنظومات أكثر قدرة على النمو والتكيف مع المتغيرات الاقتصادية العالمية.
وستكون الاستراتيجية الجديدة أقل ارتباطا بما يضخه الصندوق منفردا، وأكثر ارتباطا بما يستطيع تحريكه حوله من استثمارات وشركات ورؤوس أموال.
