برعاية رئيس مجلس الوزراء اللبناني الدكتور نواف سلام
المؤتمر العربي الإقليمي لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب في بيروت
دعوات إلى تثبيت الثقة بالإقتصاد والنقد لخروج لبنان من «القائمة الرمادية»
وإستعادة سمعة القطاع المصرفي اللبناني في المنطقة والعالم

جاء إنعقاد المؤتمر العربي الإقليمي لمواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في العاصمة اللبنانية بيروت على مدار يومين، تحت رعاية رئيس مجلس الوزراء اللبناني الدكتور نواف سلام ممثلاً بوزير الإقتصاد والتجارة عامر البساط، ومن تنظيم إتحاد المصارف العربية، بالتعاون مع الإتحاد الدولي للمصرفيين العرب، ومجموعة مدراء وخبراء الإلتزام Group of Certified Compliance Officers – GCCO ، مناسبة لمناقشة أطر الإمتثال وخارطة الطريق للخروج من «القائمة الرمادية» لمجموعة العمل المالي (FATF) وتعزيز النزاهة المالية الإقليمية.
وقد ركّزت محاور المؤتمر على أجندة الإصلاح المالي والتشريعي المتعلقة بمكافحة الجرائم المالية، وبحث خارطة الطريق والمتطلبات اللازمة للتعامل مع «القائمة الرمادية»، وتعزيز أطر الإمتثال والرقابة داخل المؤسسات المالية المصرفية، وتبادل الخبرات والتنسيق بين صنّاع السياسات والجهات الرقابية والخبراء الدوليين، بمشاركة كبار صنّاع السياسات والمسؤولين الحكوميين المعنيين، وممثلي الجهات الرقابية ووحدات المعالجة المالية، وقيادات المؤسسات المالية والمصارف العربية والدولية ونخبة من الخبراء والمتخصّصين في مجال الإمتثال المالي ومكافحة الجرائم.
أما الحضور الرسمي خلال حفل الإفتتاح فكان في مقدّمه وزير الإقتصاد والتجارة عامر البساط ممثلاً راعي الحفل الرئيس نواف سلام، والرئيسان فؤاد السنيورة وتمام سلام، ورئيس إتحاد المصارف العربية محمد الإتربي، وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، ورئيس الإتحاد الدولي للمصرفيين العرب الدكتور جوزف طربيه، ورئيس جمعية مصارف لبنان الدكتور سليم صفير، والأمين العام لإتحاد المصارف العربية الدكتور وسام فتوح، والنائب العام لدى محكمة التمييز القاضي أحمد رامي الحاج، ورئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد القاضي كلود كرم، والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، وعدد كبير من الوزراء والنواب والسفراء العرب والأجانب.
وتحدّث في إفتتاح المؤتمر كل من السادة: الوزير البساط ممثلاً راعي المؤتمر الرئيس الدكتور نواف سلام، ومحمد الإتربي، والحاكم كريم سعيد، والدكتور جوزف طربيه، والدكتور سليم صفير والدكتور وسام فتوح.
بعد النشيد الوطني اللبناني، ونشيد إتحاد المصارف العربية، كان عرض لفيلم وثائقي مختصر عن المرحلة الإقتصادية في لبنان، ما بين الأزمة والعبور منها من بوابة الإصلاحات. وقدمت الإعلامية جوزفين ديب الكلمة الترحيبية بالمشاركين والحضور، والتعريف بالمتحدّثين خلال حفل الإفتتاح.
وزير الإقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط:
أولوياتنا تحديث تقييم المخاطر وإحكام الرقابة على المهن غير المالية وشفافية المستفيد الحقيقي
في الكلمات، أكد وزير الإقتصاد والتجارة اللبناني الدكتور عامر البساط ممثلاً راعي المؤتمر الرئيس سلام، «أن أولوياتنا للفترة المقبلة تشمل تحديث تقييم المخاطر، إحكام الرقابة على المهن غير المالية، شفافية المستفيد الحقيقي والتنفيذ الفوري للعقوبات المالية على المؤسسات غير المرخصة»، معتبراً «أن القانون لا يعرف مناطق أو طوائف، ومَن يعمل خارج النظام المالي الشرعي يعمل ضد لبنان، ولا يكتمل هذا المسار بمصارف معطّلة، فالإقتصاد النقدي وُلد من إنهيار الثقة بالقطاع المصرفي، وشلل هذا القطاع هو أكبر ثغرة في منظومة مكافحة تبييض الأموال. لذا، فإن إعادة الحياة إلى قطاع مصرفي سليم هي إجراء لمكافحة المال غير المشروع».
ولفت الوزير البساط إلى انه «يوجد الآن بين يدي مجلس النواب مشروع قانون معالجة الفجوة المالية وإسترداد الودائع، الذي يضمن لـ 85% من المودعين إستعادة ودائعهم كاملة، ويُدخل مبدأ إسترداد الأرباح غير المشروعة، ونحن منفتحون على أيّ تعديل يُطوّره لتسريع إقراره. كما نؤكد أنه لا تراجع عن مسار الإتفاق مع صندوق النقد الدولي، فالإصلاحات المطلوبة هي ما نحتاج إليه، والإتفاق يمنح لبنان «شهادة حسن سلوك» تفتح باب الإستثمار».
وأشار البساط إلى أن «بقاء لبنان على اللائحة الرمادية يرفع كلفة التحويلات ويُضيّق علاقات المراسلة المصرفية ويعوّق إعادة الإعمار. فلا نمو من دون إستثمار، ولا إستثمار من دون ثقة، ولا ثقة من دون نظافة مالية. ونطلب منكم، كمصرفيين عرب، الشراكة لا الإستثناء، فالإنسحاب من السوق يُضعف الملتزمين ويدفع الناس نحو الظل. بيروت تريد أن تعود عاصمة للثقة لا للسرية».
واعتبر الوزير البساط أن «إنعقاد هذا المؤتمر ليس تفصيلاً بروتوكولياً؛ فلبنان يخرج من حرب لم يختارها، خلّفت أكثر من 40,000 وحدة سكنية متضرّرة أو مدمّرة ودفعت أكثر من 40% من اللبنانيين تحت خط الفقر. وفي بلد بهذا الجرح، قد يبدو الحديث عن الإمتثال ومعايير الشفافية ترفاً تقنياً، لكن العكس تماماً هو الصحيح؛ فالمال غير الشرعي هو أول مَن يستوطن الأنقاض، والإقتصاد النقدي هو أول مَن يزدهر حين تضعف الدولة. لذلك، فإن مكافحة تبييض الأموال ليست ملفاً تقنياً بل هي جزء لا يتجزأ من مشروع أعادة بناء الدولة. فكما لا سيادة للدولة من دون حصرية السلاح، لا سيادة لها من دون حصرية المال الشرعي والإمتثال».
أضاف الوزير البساط: «حين طلبت الحكومة الثقة في شباط/فبراير 2025، وضعنا إلتزاماً صريحاً لإخراج لبنان من اللائحة الرمادية. وقد أقررنا قانون رفع السرية المصرفية بمفعول رجعي يمتد عشر سنوات، لأن السرية صارت عبئاً والشفافية هي ميزة لبنان اليوم. كما أقررنا قانون إصلاح أوضاع المصارف لتقييم المصارف المتعثّرة وإعادة هيكلتها، ومشروع قانون إستقلالية القضاء. وعلى مستوى الإنفاذ، أحلنا أكثر من 100 شركة إلى النيابة العامة المالية بتهمة التهرب الضريبي المتعمد، ورفعنا التحصيل الجمركي بنسبة 108% في سنة واحدة، وإرتفعت إيرادات الدولة من 3.9 مليارات دولار في العام 2024 إلى 6 مليارات دولار في العام 2025. كما تم تفعيل أجهزة المسح في مرفأي بيروت وطرابلس، وإعادة سيطرة الدولة على مطار بيروت الدولي وضبط الحدود».

وتابع الوزير البساط: «لقد إجتمعت أخيراً لجنة متابعة خطة العمل مع مجموعة العمل المالي (FATF) وهي لجنة تضم نائب رئيس الحكومة ووزراء المال والعدل والداخلية وحاكم مصرف لبنان ورئيس هيئة التحقيق الخاصة والنائب العام التمييزي. هذا التشكيل يوجّه رسالة بأن مكافحة تبييض الأموال أصبحت ملفاً حكومياً متكاملاً يجمع السلطات التنفيذية والنقدية والقضائية والأمنية في جدول زمني ومسؤوليات محددة. ورغم قرار مجموعة العمل المالي بإبقاء لبنان تحت المراقبة المعزّزة مؤخراً، فإننا نتعامل معه كإنذار لا حكماً. فما أنجزناه تشريعياً حقيقي، لكننا لا نزال دون المطلوب على مستوى الفعّالية والتنفيذ».
رئيس إتحاد المصارف العربية محمد الإتربي:
توصيات مجموعة العمل المالي FATF تشكل الإطار المرجعي العالمي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وإنتشار التسلح
من جهته، رأى رئيس مجلس إدارة إتحاد المصارف العربية محمد الإتربي «أن توصيات مجموعة العمل المالي «فاتف» تشكل الإطار المرجعي العالمي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وإنتشار التسلح، وقد أصبحت معياراً أساسياً لقياس سلامة الأنظمة المالية في مختلف دول العالم. وقد شهدت السنوات الأخيرة تطورات مهمة في هذه التوصيات، منها إعتماد النهج القائم على المخاطر (Risk-based approach)، بحيث تُوجَّه الموارد الرقابية إلى القطاعات والأنشطة الأكثر تعرُّضاً للمخاطر، مع تعزيز متطلّبات الشفافية والإفصاح عن المستفيد الحقيقي (Beneficial Ownership) لمنع إساءة إستخدام الشركات والكيانات القانونية في إخفاء الأموال غير المشروعة».
ولفت الإتربي إلى «أن هذه التطوّرات شملت تشديد الرقابة على الأصول الإفتراضية ومزوّدي خدماتها بعد إرتفاع إستخدام العملات الرقمية في بعض الجرائم المالية، بالإضافة إلى تعزيز التعاون الدولي وتبادل المعلومات بين السلطات الرقابية ووحدات المعلومات المالية وأجهزة إنفاذ القانون، بهدف رفع مستوى فاعلية الأنظمة الوطنية بحيث لا يقتصر التقييم على وجود التشريعات فحسب، بل يمتد إلى قياس نتائج تطبيقها العملي»، مؤكداً أن «قضية الثقة هي الجوهر، فلا مصرف بلا ثقة، ولا إستقرار مالياً بلا حوكمة، ولا نمو مستداماً بلا إلتزام، ومن هنا تأتي أهمية إجتماعنا اليوم لنطرح تساؤلاً جوهرياً حول كيفية بناء قطاع مصرفي عربي قادر على مواجهة عالم يتغيّر بسرعة غير مسبوقة دون أن يفقد أهم أصوله، وهي الثقة».
وقال الإتربي: «إننا نلتقي اليوم في مرحلة تتزايد فيها التحدّيات الناجمة عن التطوُّر التكنولوجي والجرائم المالية العابرة للحدود، وإتساع الأصول الإفتراضية والذكاء الإصطناعي»، مشيراً إلى «أن إنعقاد هذا المؤتمر في بيروت يحمل دلالة خاصة؛ فهذه المدينة كانت ولا تزال عاصمة للحوار المصرفي والمالي العربي، ومنها إنطلقت مبادرات مصرفية رائدة أسهمت في ترسيخ التعاون بين المؤسسات المالية العربية. كما أن إتحاد المصارف العربية، الذي يتخذ من بيروت مقرّاً له، إستطاع على مدى أكثر من خمسة عقود أن يكون منصّة عربية جامعة لتعزيز الإستقرار المالي ونشر ثقافة الإلتزام وبناء شراكات فاعلة مع المصارف المركزية والمنظمات الإقليمية والدولية».
وقال الإتربي: «لقد تغيّرت طبيعة المخاطر التي تُواجه مؤسساتنا المصرفية، فلم تعد تقف عند حدود الإئتمان والسيولة والسوق، بل نحن اليوم أمام منظومة أكثر تعقيداً تشمل الجرائم المالية العابرة للحدود، غسل الأموال، تمويل الإرهاب، الإحتيال الإلكتروني، الهجمات السيبرانية، ومخاطر البيانات. إنها تحدّيات جديدة فرضتها التكنولوجيا المالية والذكاء الإصطناعي، وفي الوقت ذاته، أصبح العميل يريد خدمة أسرع وأكثر سهولة وإبتكاراً، وهنا يكمن التحدّي الحقيقي في كيفية تحقيق الإبتكار دون إضعاف الرقابة، وتسريع الخدمات دون تسريع المخاطر، وفتح أبواب التكنولوجيا دون فتح أبواب جديدة للجرائم المالية»، مشدّداً على أن «هذه ليست أسئلة نظرية، بل قضايا تتعلق بمستقبل مؤسساتنا وسلامة أنظمتنا المالية وقدرة إقتصاداتنا العربية على تحقيق النمو والتنمية. لذا، فقد آن الأوان لننظر إلى إلتزام منظور مختلف؛ فالإلتزام ليس تكلفة بل إستثمار، والحوكمة ليست عائقاً أمام النمو بل هي التي تحميه وتجعله مستداماً، وإدارة المخاطر ليست وظيفة دفاعية وإنما أداة لصناعة القرار. هذه هي الثقافة التي نحتاج لترسيخها داخل مؤسساتنا، لينتقل الإلتزام من كونه مسؤولية إدارة متخصّصة ليصبح ثقافة تبدأ من مجلس الإدارة والإدارة العليا وتمتد إلى كل موظف وقرار ومعاملة، فالمؤسسة التي تملك ثقافة قوية للحوكمة والإلتزام هي التي تستطيع الحفاظ على نجاحها عند وقوع الأزمات».
ورأى الإتربي أننا «أمام فرصة حقيقية لبناء نموذج عربي متقدم في الحوكمة والإلتزام، مستندين إلى خبرات مصرفية كبيرة ومؤسسات متطورة وكفاءات بشرية متميّزة، وما نحتاج إليه هو المزيد من التنسيق والتعاون وتبادل الخبرات لبناء منظومة أقوى وأكثر تكاملاً. ومن هذا المنطلق، يؤكد إتحاد المصارف العربية إلتزامه مواصلة دوره كمنصّة تجمع المصارف العربية والجهات الرقابية والخبراء بهدف تعزيز الحوار وتطوير الكفاءات، والمرحلة المقبلة تتطلّب منّا الإنتقال من الإستجابة للمخاطر إلى إستباقها، ومن الإمتثال للقواعد إلى بناء ثقافة مؤسسية راسخة».
وقال الإتربي: «إن الحوكمة والإلتزام لا ينبغي أن يتحوّلا إلى منظومة معقّدة تعرقل وصول التمويل إلى الإقتصاد الحقيقي؛ فالهدف النهائي للقطاع المصرفي هو أن يكون شريكاً في التنمية. نحن نريد مصرفاً آمناً وقادراً في الوقت ذاته على تمويل الإستثمار، ورقابة قوية تشجع الإبتكار، ومكافحة فعّالة للجرائم المالية دون فقدان القدرة على تحقيق الشمول المالي»، لافتا إلى «أن التوازن بين الرقابة والإبتكار هو أحد أهم تحدّيات المرحلة المقبلة، وهو ما يحتاج إلى حوار مستمر بين المصارف والجهات الرقابية وصنّاع السياسات»، معتبراً أن الذكاء الإصطناعي «سيغيّر شكل الخدمات وآليات إدارة المخاطر»، لافتاً إلى أنه «ستظل التكنولوجيا بحاجة إلى الإنسان؛ فأقوى نظام رقابي لا يغني عن الإنسان الواعي، وأحدث تكنولوجيا لا تعوض عن الحوكمة الرشيدة. لذا، فإن الإستثمار في الكفاءات المصرفية يجب أن يكون على رأس أولوياتنا لبناء جيل يمتلك المعرفة المصرفية والفهم الرقابي والقدرة التكنولوجية والوعي المسؤول»، مؤكداً أن «مسؤوليتنا اليوم تتجاوز ميزانيات المصارف لنحمي مدّخرات المواطنين وثقة المستثمرين وإستقرار الأسواق؛ فالحوكمة والإلتزام جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن الإقتصادي العربي».
حاكم مصرف لبنان كريم سعيد:
الثقة هي الإسم المعنوي الذي لا يظهر في أي ميزانية لكن كل ما تبنيه يقوم عليه وغسل الأموال إختراق للإقتصاد
وقال حاكم مصرف لبنان كريم سعيد: «إن كل نظام مالي ناجح يقوم على ركيزتين: ركيزة ملموسة تتمثل في القوانين والأنظمة والمؤسسات الناظمة والرقابية والبنيه التحتية المالية، وركيزة غير ملموسة ولكنها الأعمق أثراً وهي الثقة. فالثقة هي الإسم المعنوي الذي لا يظهر في أي ميزانية، لكن كل ما تبنيه يقوم عليه، وموضوع هذا المؤتمر هو بالتحديد الموضوع الذي تُبنى فيه هذه الركيزة أو تتأخر. فغسل الأموال، أو بتعبير أدق إعادة تدوير الأموال غير المشروعة وتمويل الإرهاب، ليس مجرّد جريمتين ماليتين، بل هما وسيلتان لإختراق الإقتصاد المشروع وإضعاف المؤسسات وتحويل النظام المالي إلى قناة لحماية الجريمة وتقويض سيادة القانون».
أضاف الحاكم سعيد: «لقد أثبتت التجارب، ومنها التجربة اللبنانية، أن الحماية المؤسسية ليست مجرد قاعدة قوية واحدة، بل سلسلة متكاملة من الحلقات؛ وحلقة واحدة ضعيفة تكفي لإسقاط المنظومة بأكملها. ومن هذا المفهوم، إنطلقت مبادرة مصرف لبنان في العام 2025 لإرساء «حلقات النار الثلاث» (The Three Rings of Fire)، كـثلاث مبادرات متكاملة: تغلق الحلقة الأولى الفجوة عند حدود النظام المالي بتحديد من يحق له الدخول إليه، حيث عملنا، ولا سيما في قطاع الصرافة ومؤسسات خدمات الدفع، على تجديد شروط الترخيص والملاءة والحوكمة وترسيخ متطلّبات «إعرف عميلك»، فأيّ تحويل أو إستلام أموال نقداً يتجاوز الـ 1000 دولار بات يخضع لشروط رقابية صارمة. وتغلق الحلقة الثانية الفجوة عند نقطة إلتقاء المصرف بعميله، فمعرفة العميل لا تكفي إذا إقتصرت على لحظة فتح الحساب، بل يجب قراءة كل عملية في سياقها الكامل بوصفها حدثاً مستمراً. أما الحلقة الثالثة، فهي الأكثر حساسية وتتعلق بعلاقتنا بالمصارف المراسلة، حيث نعمل على حماية المصارف اللبنانية من مخاطر عدم الامتثال المرتبطة بالأموال الآتية من جهات مشبوهة أو خاضعة للعقوبات».
تابع سعيد: «إن التصدُّع في الحلقة الأولى أو الثانية يضعف السيطرة الداخلية، أما التصدُّع في الحلقة الثالثة فقد يعني خطر خروج النظام المصرفي الوطني من النظام المالي العالمي، وهذا ما يجعلها الأثقل خطورة»، مشيراً إلى «أن بعض الجهات الرقابية الدولية ركّزت جهودها في العقود الماضية على مكافحة تمويل الإرهاب، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط ولبنان، وهو بلا شك أولوية؛ إلاّ أن مليارات الدولارات المرتبطة بالفساد والتحويلات التي يُجريها الأشخاص المعرّضون سياسياً لم تحظَ بالمستوى ذاته من الإهتمام»، معتبراً «أن تمويل الإرهاب وإختلاس الأموال العامة أو الخاصة في إطار الفساد يستويان في درجة الخطورة ويجب أن يعاملا بالقدر نفسه من الحزم».
وأشار سعيد إلى أنه «في ظل التطوُّر المتسارع في التكنولوجيا المالية والأصول الرقمية، يعمل مصرف لبنان حالياً بالتعاون مع بنك فرنسا المركزي على إعداد مجموعة من الأطر التنظيمية الجديدة التي تهدف إلى تنظيم هذه الأنشطة وإخضاعها لرقابة فعّالة، بدلاً من حظرها. إن هذه الحلقات لا قيمة لها إذا بقيت نصوصاً على الورق، فقد علّمتنا التجربة أن أخطر الفجوات هي التراجع عن تطبيق القواعد أو تطبيقها بصورة انتقائية. لذا، فإن المؤسسات التي تخفق في تطبيق برامج إمتثال فعّالة ستُواجه تبعات حازمة من دون إستثناء »، لافتاً إلى «أن مصرف لبنان يعمل اليوم بالتعاون مع سائر السلطات اللبنانية على تنفيذ خطة العمل المتفق عليها مع مجموعة العمل المالي (FATF)، إثر إدراج لبنان على لائحة المراقبة المعززة في تشرين الأول/أكتوبر 2024. ونحن نتعامل مع هذه الخطة بوصفها إستحقاقاً داخلياً وفرصة وطنية لمعالجة أوجه القصور، فنجاح المنظومة لا يُقاس بعدد التقارير، بل بالنتائج الملموسة والتحقيقات التي تصل فعلاً إلى القضاء».
وختم حاكم مصرف لبنان قائلاً: «إن قوة منظومتنا الإقليمية تُقاس بأضعف حلقة تعاون في ما بيننا، والثقة في أي نظام مالي لا تُستعاد بمجرّد الإعلان عن الإصلاح، بل حين يرى الشريك والمصرف الدولي أن القواعد واضحة وتطبّق على الجميع دون إستثناء؛ فالثقة ليست هدفاً من الإصلاح، بل المعيار الذي نقيس به تقدمه».
رئيس الإتحاد الدولي للمصرفيين العرب الدكتور جوزف طربيه:
من الخطأ النظر إلى المصارف بإعتبارها سبب المشكلة بل هي خط الدفاع الأول في مواجهة الأموال غير المشروعة
بدوره، أكد رئيس مجلس إدارة الاتحاد الدولي للمصرفيين العرب الدكتور جوزف طربيه أنه «من الخطأ النظر إلى المصارف بإعتبارها سبب المشكلة. فالمصارف هي في الواقع خط الدفاع الأول في مواجهة الأموال غير المشروعة، وهي صاحبة المصلحة الأولى في حماية كياناتها ومصالح مساهميها ومودعيها واقتصادات بلدانها، وأن أيّ إستثمار تبذله على هذا الصعيد، هو إستثمار في إستمرارية المصرف وسمعته وقدرته على العمل في النظام المالي العالمي، وأن نجاح أيّ بلد في مكافحة تبييض الأموال يتطلّب إستراتيجية شاملة تتجاوز حدود القطاع المصرفي لتشمل مراقبة الشركات والتجارة وتملك العقارات ومختلف القطاعات التي يُمكن أن تشكل منافذ لتبييض الأموال. ويساهم في إنجاحها يقظة السلطة القضائية وتعاون المهن التي هي على تماس مع قطاعات الأعمال ككتّاب العدل والمحامين والمحاسبين، وشركات تحويل الأموال، والصرافين وغيرهم».
ورأى د. طربيه أنه «لا يُمكن لأيّ دولة عربية أن تُواجه غسل الأموال وتمويل الإرهاب منفردة، بعد أن أصبح العالم يُدار بمنطق التكتلات الإقتصادية والتحالفات وسلاسل الإمداد، والدخول بمنظومات أكبر تمنحها قيمة ودوراً أهم. فالأموال يُمكن أن تنتقل سريعاً من دولة إلى أخرى، وقد يكون مصدرها دولة، والوسيط في دولة ثانية، والمستفيد النهائي في دولة ثالثة لذلك فإن التعاون بين دولنا ووحدات المعلومات المالية فيها والسلطات الرقابية والسلطات الضريبية والأمنية والقضاء، بالاضافة إلى التعاون العربي والدولي لم يعد خياراً بل أصبح ضرورة»، مشيراً إلى «أن منطقتنا تُواجه في مجملها تحدّيات هي الأخطر منذ عقود، وأن الحروب الدائرة لم تعد حروباً عسكرية فقط، بل هي تدور بكل أنواع الأسلحة وخصوصاً سلاح العقوبات، بفعل دولرة الإقتصادات وتأثير حركة التدفقات وتأثير البنوك المراسلة والتمويل الدولي بالضغوط السياسية والمالية الخارجية»، معتبراً أن «التحدّيات التي تواجه دولنا العربية متشابهة إلى حد كبير، لكن الإمكانات المؤسساتية والتقنية للتعامل معها تختلف بين دولة وأخرى»، مشدّداً على «أهمية التعاون وتنسيق العمل بين الجهات الرقابية والأمنية وتبادل التجارب الناجحة في التحقيق المالي وملاحقة شبكات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب».
وأشار د. طربيه إلى «أهمية إختيار لبنان لعقد هذا المؤتمر الإقليمي الهام لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب، في لحظة سياسية وإقتصادية بالغة الدقة، حيث تجذب منطقة الشرق الأوسط الإهتمام العالمي في السياسة الدولية، كما يعود لبنان إلى إسترداد دوره كلاعب فاعل على الصعيد العربي في مقاربة المواضيع ذات الإهتمام المشترك».
وتحدّث د. طربيه أنه «لم تعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مجرّد إلتزام مصرفي أو إجراء قانوني تفرضه المعايير الدولية، اذ تحوّلت هذه المواجهة إلى واحدة من أهم معارك حماية الإقتصاد الوطني، وصون إستقرار النظام المالي، والحفاظ على ثقة المجتمع الدولي بالدول ومؤسساتها المالية»، لافتاً إلى أنه «في لبنان والعالم العربي، تزداد أهمية هذه المعركة في ظل التحوُّلات الجيوسياسية والإقتصادية التي تشهدها المنطقة، وإتساع الإقتصاد النقدي، وتطوُّر وسائل تحويل الأموال، وظهور أدوات مالية وتكنولوجية جديدة يُمكن أن تستغلها الشبكات الإجرامية والإرهابية»، وقال: «إن الدول العربية قطعت شوطاً مهماً في بناء الأطر التشريعية والمؤسساتية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بالتعاون مع مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENAFATF)، بما يتوافق مع المعايير الدولية، ولكن المعضلة الأساسية هي في مدى الإمتثال لهذه القوانين ومدى فعّالية تطبيقها».
كما تحدّث د. طربيه عن العقوبات الإقتصادية والمالية وما يتبعها من تجميد الأصول وتحقيقات مالية وجنائية، وكيف باتت تُستخدم اليوم كسيف مسلط وسلاح مدمّر على دول العالم كله، تلجأ إليه الدول العظمى للدفاع عن مصالحها السياسية والإستراتيجية، ويساعدها في ذلك إمساكها بالمفاصل الأساسية للاقتصاد العالمي، متطرّقاً إلى «التحدّيات التي عاناها لبنان خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدّمها الأزمة المالية التي نشأت من تراكم إختلالات نقدية ومالية لسنوات دون إتخاذ إجراءات تصحيحية في الوقت المناسب، كذلك الحرب الدائرة في الجنوب، والتي يختلط فيها العسكري بالإقتصادي والسياسي بالمحلي بالإقليمي وبالدولي، وتتقاطع فيها بوادر مصالح دولية تظهر تردداتها في معظم الملفات الداخلية والخارجية»، مؤكداً أنه «في الحالة اللبنانية، تكتسب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أهمية إستثنائية، نظراً إلى حساسية موقع لبنان في النظام المالي الإقليمي والدولي، وأهمية علاقاته بالمصارف المراسلة والمؤسسات المالية العالمية، والتي لا تزال المصارف اللبنانية محافظة على علاقاتها التاريخية معها، مما يتطلّب جهوداً مسؤولةً للمحافظة على هذه الثقة، حيث إن التجارة الخارجية للبنان، إستيراداً وتصديراً، تعتمد أساساً على النظام المصرفي لتنفيذها. وقد بلغت فاتورة الإستيراد في العام 2025 حوالي 19 مليار دولار وإيرادات التصدير حوالي 3.3 مليارات دولار، وقد إستطاعت المصارف اللبنانية خدمتها بعلاقاتها مع المصارف المراسلة، بكثير من السلاسة، رغم الأزمة المالية في لبنان، وإدراجه على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي».
ولفت د. طربيه إلى أن «تعزيز فعّالية منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في لبنان لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط كإستجابة لمتطلّبات دولية، بل كجزء من عملية إستمرار الثقة بالقطاع المالي اللبناني، وهذا يتطلّب تعزيز إستقلالية وفعّالية الجهات الرقابية والقضائية المختصة، وتطوير أنظمة الامتثال في المصارف، وتحسين جودة المعلومات المالية، وتطبيق قواعد المستفيد الحقيقي، وتعزيز التعاون بين مختلف المؤسسات المعنية».
رئيس جمعية مصارف لبنان د. سليم صفير:
أي مسار إصلاحي في القطاع المصرفي اللبناني يبقى رهناً بتكامل الأدوار وبناء الثقة مسؤولية مشتركة
أما رئيس جمعية مصارف لبنان الدكتور سليم صفير فقال: «إننا نقف اليوم لنرسم معاً الطريق إلى ما نستحقه: قطاع مصرفي تحكمه الشفافية، وتحميه المساءلة، وتقوده الثقة. يشهد العالم اليوم مرحلة تُعاد فيها صياغة النظام المالي العالمي؛ فالتحوُّلات الجيوسياسية وإزدياد المخاطر العابرة للحدود تفرض جميعها مسؤوليات جديدة على القطاع المصرفي. فالنجاح أصبح يُقاس بقدرة المؤسسات على ترسيخ الحوكمة، وتعزيز الشفافية، وإدارة المخاطر بكفاءة، فالإمتثال أصبح إستثماراً في السمعة والحفاظ على العلاقات المصرفية المراسلة. في الإقتصاد، يمكن تعويض رأس المال المفقود، ويُمكن إعادة بناء المؤسسات المتصدعة، ويمكن حتى ترميم الأسواق المنهارة، لكن الثقة إذا فُقدت لا تُستعاد بقرار ولا تُشترى بمال، بل تُبنى حجراً حجراً، وقراراً بعد قرار، حتى تعود جزءاً من هوية المؤسسة ذاتها».
أضاف د. صفير: «إن إستعادة الثقة بالإقتصاد اللبناني تتم بإستعادة الثقة بالمؤسسات، وهذا يتطلّب إستكمال الإصلاحات المالية والإقتصادية، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية والمساءلة، بما يُعيد بناء الثقة لدى المواطنين والمودعين والمستثمرين، ويُؤسس لمرحلة جديدة من النمو والإستقرار. وتؤكد جمعية مصارف لبنان إلتزامها الكامل بالتعاون مع السلطات الدستورية، وفي مقدمها فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، ودولة رئيس مجلس النواب نبيه بري، ودولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، في كل ما من شأنه دعم مسيرة الإصلاح وصون مصالح المودعين».
وتابع د. صفير: «إنطلاقاً من هذه القناعة، واصلت المصارف اللبنانية جهودها في تطوير منظومة الإمتثال وإدارة المخاطر بما ينسجم مع قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، دعماً لخطة العمل الوطنية الرامية إلى إستكمال الخروج من القائمة الرمادية؛ فسلامة أي نظام مالي لا تُقاس بقوة كل مؤسسة على حدة، بل بمتانة المنظومة بأكملها. ومن هذا المنطلق، يجدّد القطاع المصرفي اللبناني إلتزامه الكامل مواصلة التعاون البناء مع مصرف لبنان وهيئة التحقيق الخاصة وكافة السلطات المختصة».
وتوجّه د. صفير من خلال الوزير عامر بساط، إلى الرئيس الدكتور نواف سلام؛ قائلا: «أعلم أنكم لستم المسؤول المباشر عن هذه الأزمة، فقد جئتم بعد سلسلة من الحكومات والمحطات المتعاقبة التي أنهكت القطاع المصرفي قبل أن تتولوا مسؤولية هذه المرحلة، لكن التاريخ لا يسأل من بدأ الأزمة. بل يسأل من يملك الشجاعة لإنهائها. وأنتم اليوم تملكون هذه الفرصة؛ فرصة أن يقترن إسمكم لا بإدارة الإنهيار، بل بلحظة الخروج منه. ولعلّ ما يمنحنا الإطمئنان، دولة الرئيس، هو أن رجلاً حمل لسنوات مسؤولية العدالة في أرفع محاكم العالم، وأصدر أحكاماً في أكثر القضايا تعقيداً وحساسية، هو اليوم مَن يقود هذه المرحلة. فخبرتكم القضائية وحكمتكم في الفصل بين الحقوق المتشابكة تجعلكم الأقدر على إيجاد المخرج العادل والمتوازن لهذه الأزمة، بما ينصف المودعين ويصون إستقرار القطاع المصرفي، ويؤسّس لعدالة إقتصادية تليق بتاريخكم القانوني».
كما توجّه صفير بالشكر إلى حاكم مصرف لبنان كريم سعيد قائلاً: «إن أيّ مسار إصلاحي في القطاع المصرفي يبقى رهناً بتكامل الأدوار بين حاكمية مصرف لبنان والحكومة والمصارف نفسها، فالرقابة وحدها لا تكفي إن لم ترافقها إرادة حكومية داعمة، كما أن إلتزام المصارف بالحوكمة والشفافية لا يكتمل من دون إطار رقابي واضح ومستقر يقوم على التشاور المؤسسي المستمر بين الحكومة ومصرف لبنان والقطاع المصرفي. وإننا نثق بأن قيادتكم لمصرف لبنان في هذه المرحلة الدقيقة ستكون شريكاً فاعلاً في إعادة بناء الثقة، لا حكماً عليها فحسب».
وأثنى د. صفير على «الدور الذي تضطلع به لجنة المال والموازنة النيابية برئاسة النائب إبراهيم كنعان في إدارة هذا الملف الوطني الحساس؛ فما تبقى من هذه الأزمة ليس ملفاً يخص المصارف وحدها، بل مساراً وطنياً يستدعي إدارة ذكية وحكيمة وشفافة تحفظ حقوق المودعين وتراعي في الوقت نفسه إستقرار النظام المالي بأكمله»، متمنياً «أن تُتاح الفرصة للجمعية المشاركة في النقاشات التي ستجري في لجنة المال والموازنة حول هذه المشاريع، لإبداء رأيها الفني والعملي والمساهمة في بلورة حلول قابلة للتنفيذ تحفظ حقوق المودعين وتصون في الوقت نفسه استمرارية القطاع المصرفي».
وسأل د. صفير المنظومة القضائية: «هل تمّت معالجة الملفات المرتبطة بالقطاع المصرفي وفق معايير الإمتثال ذاتها التي نطالب بها اليوم؟ فما نواجهه ليس أزمة قطاع بمفرده، بل أزمة نظامية بإعتراف صندوق النقد الدولي، تستدعي معالجة قضائية منزهة وشاملة مدعومة بإرادة حكومية واضحة، حتى يكون القطاع المصرفي أكثر قدرة على المساهمة في الحل بدل الإنشغال بالدفاع عن إستمراريته»، مؤكداً أن «بناء الثقة مسؤولية مشتركة؛ مسؤولية حكومات وسلطات رقابية ومصارف ومؤسسات مالية وكل من يساهم في صياغة السياسات الإقتصادية».
وقال د. صفير: «إن الثقة لا تُبنى بالوعود بل بالإنجاز، ولا تُكتسب بالخطابات بل بالشفافية. إن بناء الثقة ليس محطة نصل إليها بل مسيرة نلتزم بها كل يوم. ولعلّ أبرز درس يستحق أن نستحضره اليوم هو أن لا نكرر خطأ الماضي؛ ففي 9 آذار/مارس 2020، وحين كانت إحتياطات مصرف لبنان تقارب 33 مليار دولار، تعثّر سداد إستحقاق سندات اليوروبوند، ولو أننا حينها إستبقنا الأزمة بالتوجُّه بحكمة إلى صندوق النقد الدولي كجهة إستشارية تعيدنا إلى معالجة أوضاعنا الداخلية، لما وجدنا أنفسنا اليوم بعد ست سنوات وإحتياطات تراجعت إلى مستويات متواضعة، نطرُق الباب ذاته من جديد وبموقع أضعف أمام شروط أثقل كلفة وأصعب. إن الدرس الأهم من هذه التجربة ليس توزيع المسؤولية، بل أن لا نكرر الخطأ نفسه، فلا يجوز أن يتحمّل المودع والمصارف والإقتصاد كلفة قرارات لم يشاركوا في صنعها. ولعلّ أفضل ما يُمكن أن نخرج به من هذه المرحلة الصعبة هو منظومة قرار مختلفة تحمي القطاع المصرفي والمودعين معاً في وجه أيّ أزمة».
الأمين العام لإتحاد المصارف العربية
الدكتور وسام فتوح:
نعمل على بناء القدرات وتحفيز ثقافة الإمتثال والحوكمة وإستعادة الثقة بلبنان
وتعزيز مكانته المالية وهذا إلتزام مؤسّسي
ورأى الأمين العام لإتحاد المصارف العربية الدكتور وسام فتوح «أن المشكلة ليست في نقص الخبرات؛ فالجميع يعرف ماذا يجب أن يفعل، والمعايير الدولية واضحة والحلول معروفة، كما أن الخبرات الفنية متوافرة في لبنان مثلما هي متوافرة في معظم الدول العربية. إن السؤال اليوم ليس هل نعرف ما يجب فعله؟ بل هل نملك الإرادة السياسية الجامعة لفعل ما يجب فعله؟ ومن هنا، أقول إن التجارب الدولية أثبتت أن جميع الدول التي نجحت في بناء منظومات قوية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، أو إستعادة ثقة المجتمع المالي والدولي، إمتلكت قراراً سياسياً واضحاً وثابتاً جعل الإصلاح أولوية وطنية».
وقال د. فتوح: «لقد إخترنا موضوعات هذا المؤتمر بعناية، لأنها تتناول أبرز القضايا التي تواجه منطقتنا اليوم: الإصلاحات التشريعية، وخطط العمل الوطنية، والتقييمات المتبادلة، والعلاقات مع البنوك المراسلة، والعقوبات الدولية، وتعزيز التعاون بين السلطات الرقابية والامنية والقضائية والقطاع المالي، وغيرها من الموضوعات المهمة التي سنناقشها على مدار يومين من أعمال المؤتمر»، مشيراً إلى «أن إتحاد المصارف العربية، منصّة عربية جامعة للحوار والتعاون والشراكة، وجسر يربط القطاع المصرفي العربي بالحكومات والمؤسسات المالية الدولية. ومن هذا الدور، تأتي المؤتمرات والبرامج التدريبية والمبادرات كأدوات لترجمتها إلى نتائج عملية ومستدامة. وقد عمل الإتحاد خلال السنوات الماضية، على تبادل الخبرات وبناء القدرات، وتعزيز ثقافة الإمتثال والحوكمة بالتعاون مع المؤسسات الدولية والهيئات الرقابية».
وشدّد د. فتوح على أن «رعاية الرئيس الدكتور نواف سلام، لهذا المؤتمر، ومشاركة هذا الحشد الرفيع من القضاة والأمنيين والمصرفيين والدبلوماسيين، تحمل رسالة واضحة وقوية بأن مواجهة الجرائم المالية وتعزيز نزاهة النظام المالي مسؤولية وطنية مشتركة، وأن لبنان عازم على المضيّ قدماً في مسيرة الإصلاح وإستعادة الثقة».

ولفت د. فتوح إلى «أن عمل الإتحاد خلال السنوات الماضية على بناء القدرات وتحفيز ثقافة الإمتثال والحوكمة. ومن هذا المنطلق، نجدّد التأكيد على أن إتحاد المصارف العربية سيبقى شريكاً فاعلاً إلى جانب الدولة اللبنانية وقطاعها المصرفي، واضعاً كل إمكاناته وإرادته وشبكة علاقاته في خدمة مسيرة الإصلاح، وإستعادة الثقة، وتعزيز مكانة لبنان المالية. وهذا إلتزام مؤسسي نؤمن به تجاه لبنان، وتجاه جميع دولنا العربية».
يذكر أن الجلسات على مدار يومين تناولت محاور «خارطة الطريق لتعزيز الإمتثال والخروج من اللائحة الرمادية»، و«التقييمات المتبادلة Mutual Evaluation والإستعداد المؤسسي»، و«الإصلاحات الإقتصادية والمصرفية المطلوبة لتعزيز النزاهة المصرفية»، و«العقوبات الدولية والعلاقات مع البنوك المراسلة» و«حلقة نقاش: الدروس المستفادة في مكافحة الجرائم المالية».
وخرج المحاضرون بخلاصات أبرزها أن الثقة هي العنصر الأكثر أهمية من أجل جذب رؤوس الأموال والإستثمارات، وهي تأتي في مقدّم أي عمل مصرفي ومالي في لبنان وفي بلدان أخرى، وأن الترجمة العملية لهذه الثقة تأتي من خلال الإصلاحات التشريعية والمؤسسية وفق معايير FATF، وتنفيذ خطة العمل الوطنية ودور السلطات الرقابية والمصارف ووحدة المعلومات المالية، وتعزيز التعاون بين الجهات الرقابية والأمنية والقضائية والقطاع المصرفي، وإعتبار أن الذكاء الإصطناعي عنصراً جوهرياً لا يقل أهمية في نطاق العمل المصرفي من أجل تطويره ومواكبته للتكنولوجيا المتسارعة التطور.
