صندوق النقد يدعو لتشديد السياسة النقدية.. فهل يستجيب “المركزي” المصري؟
(العربية)-17/08/2026
أثارت دعوة صندوق النقد الدولي إلى تشديد السياسة النقدية في مصر لاحتواء الضغوط التضخمية، بالتزامن مع تسارع معدل التضخم العام في يوليو إلى 14.9% بعد 3 أشهر من التباطؤ، تساؤلات حول مسار أسعار الفائدة في مصر خلال الأشهر المتبقية من العام الحالي.
وأظهرت وثائق المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، التي كشف عنها صندوق النقد الدولي، الجمعة الماضية، توقعات الصندوق بارتفاع معدل التضخم العام في مصر إلى نحو 17% بحلول سبتمبر 2026، مدفوعاً بارتفاع تكاليف الإنتاج وتعديلات أسعار الطاقة.
ومنذ بداية العام الحالي، خفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة مرة واحدة، بواقع 1% خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية في فبراير الماضي، لتصل إلى 19% و20% للإيداع والإقراض على التوالي.
وفي أبريل الماضي، قرر “المركزي المصري” تعليق قرارات خفض الفائدة بعد دورة تيسير نقدي استمرت عام كامل وأسفرت عن خفض الفائدة بنحو 8.25% عبر 6 اجتماعات بدأت أبريل 2025.
تضخم مؤقت أم موجة مستدامة؟
من جانبه، استبعد العضو المنتدب ورئيس قطاع البحوث بشركة “سي آي كابيتال”، منصف مرسي، أن يجري البنك المركزي المصري تغييراً في أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقبل على الأقل، مشيراً إلى أن معدلات التضخم الحالية والمتوقعة لا تمثل في الوقت الراهن عاملاً حاسماً بدرجة كافية لدفع البنك المركزي إلى تغيير توجهاته بشأن الفائدة.
واتفق معه رئيس قطاع البحوث بشركة “بريميير القابضة”، محمد عبد الحكيم، والذي استبعد أيضاً استجابة البنك المركزي في الوقت الحالي لدعوات رفع أسعار الفائدة، موضحاً أن التركيز سينصب على تقييم مدى استدامة موجة التضخم الحالية.
وقال عبد الحكيم لـ”العربية Business” إن وصول التضخم إلى مستويات تقترب من 17% لا يعني بالضرورة الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة، إذ إن العامل الأكثر أهمية بالنسبة للبنك المركزي يتمثل في تحديد ما إذا كان الارتفاع ناتجاً عن صدمات مؤقتة أم يعكس اتجاهاً تضخمياً مستداماً.
ورجحت محللة الاقتصاد الكلي في “ثاندر”، إسراء أحمد، الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية خلال الأجل القريب، موضحة أنه لا توجد في الوقت الراهن حاجة ملحة إلى تشديد السياسة النقدية، في ظل عدم كفاية التطورات الحالية لتبرير رفع عاجل للفائدة.
وأضافت أحمد لـ”العربية Business” أن تراجع فائض السيولة لدى الجهاز المصرفي قد يحد من الضغوط النقدية، بما يدعم عدم الحاجة إلى تشديد إضافي في الوقت الحالي، مع استمرار متابعة تطورات التضخم والسيولة وسعر الصرف وأسعار الطاقة.
جاذبية الفائدة الحقيقية
أشار عبد الحكيم إلى صعوبة تشديد السياسة النقدية في مصر خلال الفترة الحالية، خاصة مع وجود تأثير متباين لرفع أسعار الفائدة.
وأضاف: “رفع سعر الفائدة سيرفع العائد على أدوات الدين المصرية ويزيد جاذبيتها أمام المستثمرين الأجانب، لكن في الوقت نفسه سيرفع تكلفة الاقتراض على الحكومة، في ظل ارتفاع احتياجاتها التمويلية وأعباء خدمة الدين”.
وقال عبد الحكيم إن البنك المركزي المصري كان يستهدف، قبل تصاعد التوترات الجيوسياسية الأخيرة، خفض أسعار الفائدة بنحو 5 إلى 6% خلال 2026، إلا أن ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء وبعض الخدمات أدى إلى تعطيل مسار خفض الفائدة.
من جانبه، قال مسؤول خزانة بأحد البنوك الكبرى، إن الفائدة الحقيقية على المدخرات بالجنيه لا تزال جاذبة، وتتراوح بين 4 و7%، إلا أن ارتفاع التضخم إلى 16 أو 17% مع ثبات أسعار الفائدة الاسمية سيؤدي إلى تآكل جزء من هذا العائد الحقيقي، بما قد يحد من جاذبية الأصول المقومة بالجنيه أمام المستثمرين الأجانب.
وأضاف المسؤول الذي فضّل عدم ذكر اسمه، أن استقرار سعر الصرف وهدوء التوترات الجيوسياسية سيظلان عاملين داعمين لجاذبية الاستثمار بالجنيه.
متى يصبح رفع الفائدة ضرورياً؟
اتفق الخبراء الأربعة الذين تحدثوا مع “العربية Business” على أن استمرار ارتفاع التضخم أو ظهور صدمات جديدة في الأسواق قد يغيّر حسابات البنك المركزي المصري بشأن رفع الفائدة خلال الاجتماعات المتبقية من العام الحالي.
وقال منصف مرسي إن استمرار ارتفاع أسعار النفط خلال الفترة المقبلة قد يمثل أحد أبرز العوامل القادرة على التأثير في مسار التضخم، وبالتالي في قرارات السياسة النقدية.
واتفق معه عبد الحكيم، والذي رجّح انعكاس أي زيادات جديدة في أسعار البنزين والوقود بصورة مباشرة على معدلات التضخم، بما يزيد الضغوط على البنك المركزي لرفع الفائدة.
ويرى عبد الحكيم أن اللجوء إلى رفع الفائدة لمواجهة هذه الضغوط سيكون مكلفاً، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة خدمة الدين واحتياجات الحكومة التمويلية.
وأضاف: “وصول التضخم إلى مستويات تدفع البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة، بالتزامن مع اتساع الفجوة التمويلية وارتفاع تكلفة خدمة الدين، سيكون سيناريو بالغ الصعوبة”.
في المقابل، قال محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، إن تجاوز التضخم مستوى 18% قد يدفع البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة، ليس فقط بهدف احتواء الضغوط التضخمية، لكن لدعم الجنيه في مواجهة الدولار.
وأضاف أنيس لـ”العربية Business” أن استقرار التضخم بين 16% و18% ثم دخوله في مسار هبوطي قد يعني استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
واستبعد أنيس بدء البنك المركزي المصري في خفض أسعار الفائدة مجدداً قبل تراجع التضخم إلى نحو 11% على الأقل، وهو ما قد يحدث في الربع الأول من 2027.
وأشار إلى أن الحفاظ على معدلات عائد حقيقية موجبة يظل أمراً مهماً خلال المرحلة الحالية، لا سيما مع اقتراب انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي، والذي يستدعي قدراً أكبر من الحذر في إدارة السياسة النقدية وتحركات أسعار الفائدة.
أما إسراء أحمد، فاعتبرت أن رفع الفائدة يظل “احتمالاً قائماً”، لكنه يرتبط بحدوث صدمة تضخمية أكبر من المستويات الحالية، خاصة إذا شهدت أسعار المحروقات زيادات كبيرة أو تعرض الجنيه لتراجع ملحوظ أمام العملات الأجنبية.
