حلم المليار .. لماذا تختار الشركات الناشئة دبي؟
(البيان)-28/08/2026
لم تعد دبي مجرد وجهة لاستقطاب رؤوس الأموال والشركات العالمية، بل أصبحت حلماً للشركات الناشئة الطامحة إلى الوصول إلى التقييم السحري البالغ مليار دولار، والدخول إلى نادي «اليونيكورن».
فمن خلال بيئة أعمال مرنة، وتشريعات داعمة للابتكار، وبنية تحتية عالمية المستوى، نجحت الإمارة في ترسيخ مكانتها منصةً تنطلق منها الشركات نحو النمو الإقليمي والعالمي، لتتحول من مركز جاذب للاستثمارات إلى مصنع حقيقي للشركات المليارية.
وتعكس قائمة شركات «اليونيكورن» المرتبطة بدبي قصة تطور اقتصاد الإمارة الرقمي؛ إذ بدأت الرحلة مع شركات التجارة الإلكترونية والنقل والمنصات الرقمية، قبل أن تمتد اليوم إلى التكنولوجيا المالية والبلوك تشين والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا العميقة.
وفي زيارة افتراضية إلى «نادي المليار»، تستعرض «البيان» أبرز الشركات التي انطلقت من دبي أو اتخذتها مقراً لها، ونجحت في بلوغ هذا الإنجاز الاستثنائي.
نبدأ بشركة فاست المتخصصة في التكنولوجيا المالية، ومقرها دبي، أحدث المنضمين إلى نادي الـ«يونيكورن» بعد تقييمها بقيمة مليار دولار،.
لكن يجب أن نعلم أولاً أن قائمة الشركات المليارية لا تعني بالضرورة أن جميع الشركات تحمل التقييم نفسه اليوم؛ إذ تعتمد صفة «يونيكورن» على وصول شركة خاصة إلى تقييم لا يقل عن مليار دولار، بينما تتغير القائمة مع جولات التمويل والاستحواذ والإدراج في أسواق المال وانتقال مقار الشركات.
نعود إلى شركة «فاست» التي جمعت 68 مليون دولار في جولة تمويل من الفئة A بقيادة مجموعة SBI اليابانية، وبلغ ما جمعته خلال العام الجاري نحو 119 مليون دولار، وأكثر من 150 مليون دولار منذ تأسيسها في 2019. وجاءت تلك الجولة بعد نحو ثلاثة أشهر من حصول الشركة على 51 مليون دولار في جولة من الفئة B.
وقد تجاوز حجم المعاملات السنوي للشركة 40 مليار دولار عبر 125 دولة. وهي تخدم أكثر من 3 ملايين محفظة رقمية وأكثر من 1000 مؤسسة وشركة عالمية، وتقدم حلول المدفوعات والخدمات المصرفية الرقمية باستخدام العملات المستقرة وتقنيات الـ«بلوك تشين» لتسهيل التحويلات العابرة للحدود.
ويمثل وصول «فاست» إلى المليار أحدث مؤشر على انتقال موجة الشركات الناشئة في دبي نحو التكنولوجيا المالية المتقدمة، بعدما ارتبط الجيل الأول من الشركات المليارية في الإمارة بصورة أكبر بالتجارة الإلكترونية والنقل والخدمات الاستهلاكية.

«كيتوبي» المليار يخرج من المطبخ
وفي أبريل الماضي سلطت غرفة دبي للاقتصاد الرقمي الضوء بصورة رسمية على «كيتوبي» و«بروبرتي فايندر» و«إكسبانسيو» باعتبارها شركات «يونيكورن» مقرها دبي، مشيرةً إلى دور البيئة التنظيمية والبنية التحتية والقدرة على جذب المواهب في نمو الشركات التكنولوجية من الإمارة نحو الأسواق العالمية.
كيتوبي، التي تأسست في دبي عام 2018، بدأت أعمالها اعتماداً على نموذج المطابخ السحابية والتكنولوجيا المستخدمة في إدارة عمليات المطاعم والتوصيل، قبل أن تتوسع أعمالها وتتحول إلى واحدة من أبرز شركات تكنولوجيا الأغذية في المنطقة.
وقد وصلت إلى «يونيكورن» خلال رحلة توسع مدعومة بجولات استثمارية كبيرة، وتشير بيانات Dealroom الحالية إلى أن مقرها في دبي وأن قيمتها المؤسسية تقدر بنحو 1.6 مليار دولار.
وتعكس تجربة «كيتوبي» قدرة الشركات التي تبدأ من سوق محلية في دبي على بناء نموذج قابل للتوسع إقليمياً، خصوصاً مع الجمع بين التكنولوجيا والعمليات التشغيلية والعلامات التجارية في قطاع الأغذية.
وقد اعتبرت غرفة دبي للاقتصاد الرقمي كيتوبي في 2026 واحداً من نماذج «يونيكورن» التي تعكس قدرة منظومة الإمارة على مساعدة الشركات الرقمية على التوسع عبر الحدود.
بروبرتي فايندر تكنولوجيا العقار
أما شركة «بروبرتي فايندر» فتمثل أحد أبرز نماذج التكنولوجيا العقارية التي خرجت من دبي؛ إذ تطورت من منصة للبحث عن العقارات إلى منظومة رقمية تعتمد بصورة متزايدة على البيانات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لخدمة الباحثين عن العقارات والوسطاء والمطورين. وتصنف بيانات Dealroom الشركة، التي تأسست في 2007 وتتخذ من دبي مقراً لها، ضمن فئة الشركات التي يتراوح تقييمها بين مليار و2.5 مليار دولار.
كما تضعها غرفة دبي للاقتصاد الرقمي صراحة ضمن شركات «يونيكورن» القائمة في دبي. وتكتسب تجربة الشركة أهمية إضافية في ظل الحجم الكبير للسوق العقارية في دبي؛ إذ أصبحت التكنولوجيا والبيانات جزءاً أساسياً من المنافسة بين منصات البحث والتسويق العقاري، بالتزامن مع النمو الذي يشهده القطاع.
«إكسبانسيو».. عدسة المستقبل
تقدم «إكسبانسيو» تقدم نموذجاً مختلفاً يقوم على التكنولوجيا العميقة والبحث والتطوير؛ ففي يوليو 2025 أعلنت الشركة التي تتخذ من دبي مقراً لها جمع 250 مليون دولار في جولة من الفئة A عند تقييم بلغ 1.35 مليار دولار، لتدخل رسمياً نادي«يونيكورن».
وتعمل الشركة على تطوير جيل جديد من العدسات اللاصقة الذكية، مع طموح لدمج وظائف الواقع الممتد والذكاء الاصطناعي والاستشعار في عدسة واحدة. وبعد الجولة التمويلية، وسعت الشركة مختبر البحث والتطوير في دبي، ووُصفت الجولة بأنها الأكبر من نوعها في المنطقة في المرحلة A.
ويقول المحللون إن صعود «إكسبانسيو» يمنح خريطة الشركات المليارية في دبي بعداً جديداً؛ إذ لم يعد الوصول إلى تقييمات ضخمة حكراً على منصات المستهلكين، بل أصبح يمتد إلى شركات تقوم قيمتها بصورة أساسية على العلوم والملكية الفكرية والتكنولوجيا المتقدمة.
«دبيزل غروب» العلامات الرقمية
أما «دبيزل غروب» فهي واحدة من أقدم العلامات الرقمية المرتبطة بنمو الإنترنت في دبي. وتطورت الأعمال التي ارتبطت بمنصة الإعلانات المبوبة والعقارات إلى مجموعة أوسع تعمل عبر عدد من الأسواق والمنصات، ومن بينها «دبيزل» و«بيوت».
وقد وصلت المجموعة، التي عُرفت سابقاً باسم EMPG، إلى تقييم مليار دولار في عام 2020 عقب صفقة جمعت أعمالها مع أصول OLX في عدد من الأسواق، لتتحول «دبيزل غروب» بذلك من منصة محلية للإعلانات المبوبة إلى مجموعة تكنولوجية إقليمية، مستفيدةً من النمو السريع للأسواق الرقمية في العقارات والسيارات والإعلانات المبوبة.
«فيستا غلوبال».. سوق الطيران الخاص
وبعيداً عن شركات التطبيقات والمنصات الرقمية، تظهر «فيستا غلوبال» بوصفها نموذجاً مختلفاً لشركة خاصة مقرها دبي؛ فقد استطاعت بناء أعمال عالمية في قطاع الطيران الخاص، وهي تعمل في خدمات طيران رجال الأعمال والرحلات الخاصة.
مستهدفةً شريحة العملاء والشركات ذات الإنفاق المرتفع في أسواق متعددة حول العالم. وإن كانت «فيستا غلوبال» تختلف عن معظم الأسماء الأخرى في القائمة في طبيعة نشاطها، فإنها تعكس في الوقت ذاته قدرة دبي على العمل كمقر عالمي لشركات خاصة كبيرة لا تعتمد أعمالها بالضرورة على السوق المحلية.
أما «أوبن بلات فورم» فقد دخلت نادي «يونيكورن» في يوليو 2025 بعد جولة تمويلية رفعت تقييمها إلى مليار دولار. وهي تعمل في منظومة البلوك تشين المرتبطة بشبكة TON وتطبيقات الاقتصاد الرقمي، وتمثل نموذجاً للشركات التي تستفيد من النمو العالمي في الخدمات القائمة على البلوك تشين والأصول الرقمية.
تضع الشركة قواعد بيانات متخصصة ضمن منظومة الشركات المليارية في دبي، ويمكن إدراجها ضمن القائمة الموسعة للشركات المليارية المرتبطة بمنظومة دبي، مع التمييز بينها وبين الشركات التي يتوافر توثيق رسمي مباشر بشأن مقرها في الإمارة.
«كريم» و«سوق دوت كوم»
لا تكتمل قصة الشركات المليارية في دبي من دون «كريم» رغم أنها لم تعد شركة «يونيكورن» مستقلة بالمعنى التقليدي؛ فالشركة التي تأسست في دبي عام 2012 بنت خلال سنوات قليلة واحدة من كبرى منصات النقل عبر التطبيقات في المنطقة، قبل أن تعلن «أوبر» الاستحواذ عليها في عام 2019 مقابل 3.1 مليارات دولار، لتصبح تلك الصفقة علامة فارقة في تاريخ الشركات الناشئة في الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب قيمتها.
وإنما لأنها قدمت نموذجاً عملياً لقدرة شركة تبدأ من دبي على التوسع عبر عشرات المدن والأسواق ثم جذب مشترٍ عالمي. ولكن على الرغم من خروج الشركة عبر الاستحواذ من تعريف «يونيكورن المستقل»، فإنها بقيت واحدة من أهم قصص الشركات المليارية التي أنتجتها منظومة دبي.
وعلى الدرب نفسه نجد «سوق دوت كوم» التي كانت من أوليات الشركات التكنولوجية في المنطقة التي أثبتت إمكانية بناء منصة رقمية ضخمة من دبي؛ حيث وصلت إلى تقييم يقارب مليار دولار في عام 2016، لتصبح واحدة من أوليات شركات «يونيكورن» في الشرق الأوسط، قبل استحواذ «أمازون» عليها في العام التالي.
لكن ما يميز تجربة «سوق دوت كوم» هو أنها سبقت التحول الكبير الذي شهده قطاع الاستثمار الجريء في المنطقة، وأسهم نجاحها في توجيه أنظار المستثمرين العالميين إلى الفرص المتاحة في التجارة الإلكترونية والاقتصاد الرقمي في الخليج والشرق الأوسط.
وما يجمع بين «كريم» و«سوق دوت كوم» هو أنها لا تدخل اليوم في تعداد الشركات الخاصة المليارية القائمة، بعدما أصبحت جزءاً من شركة عالمية، لكنها تظل إحدى أهم حالات التخارج التي خرجت من دبي.
«سويفل» الطريق إلى البورصة
في حين تمثل «سويفل» حالة مختلفة؛ إذ تأسست في القاهرة قبل أن تنتقل إلى دبي وتتخذ منها مقراً لمرحلة مهمة من توسعها الدولي. وفي عام 2021 أعلنت الشركة صفقة اندماج مع شركة استحواذ ذات غرض خاص بتقييم ضمني بلغ نحو 1.5 مليار دولار، قبل إتمام الصفقة والانتقال إلى التداول في بورصة ناسداك.
وبمجرد تحولها إلى شركة عامة، خرجت الشركة من التعريف التقليدي لـ«يونيكورن»، لكن تظل تجربتها جزءاً من تاريخ منظومة دبي التكنولوجية، خصوصاً أن الإمارة شكلت قاعدة رئيسية للشركة خلال مرحلة انتقالها من شركة ناشئة إقليمية إلى شركة مدرجة دولياً.
أما «تابي» فهي شركة تمثل حالة مختلفة عن الشركات السابقة؛ حيث ارتبطت لسنوات بمنظومة التكنولوجيا المالية في دبي، وحققت تقييمات بمليارات الدولارات.
إذا نظرنا إلى رحلة كل شركة من هذه الشركات نجدها تكشف عن تغير أعمق في موقع دبي على خريطة التكنولوجيا الإقليمية؛ ففي المرحلة الأولى برزت شركات تعتمد على نماذج ثبت نجاحها عالمياً وأعادت تطبيقها على أسواق المنطقة، كما حدث في التجارة الإلكترونية والنقل والإعلانات المبوبة.
غير أن الجيل الجديد يتحرك بصورة أكبر نحو التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي والبلوك تشين والتكنولوجيا العميقة، وهي قطاعات ترتبط قيمتها بالملكية الفكرية والبيانات والبنية التحتية التكنولوجية بقدر ارتباطها بحجم السوق المحلية.
وكل ذلك يؤكد أن البيئة التنظيمية والبنية التحتية المتقدمة والقدرة على استقطاب المواهب الدولية، المتوافرة في دبي بشكل مثالي، تمثل عوامل رئيسة في جذب وتنمية الشركات الرقمية سريعة النمو في الإمارة.
