ماذا يحدث في سوق البنوك الرقمية بالبحرين؟ إيقاف خدمات «ميم» المصرفية بعد نحو 8 سنوات من إطلاقها في المملكة
(أخبار الخليج)-31/08/2026
أعلن بنك الخليج الدولي مؤخرًا حصوله على موافقة مصرف البحرين المركزي لإعادة هيكلة استراتيجيته في الخدمات المصرفية للأفراد، بما يشمل الخروج الكامل من خدمات التجزئة المصرفية التي كان يقدمها عبر «ميم» في البحرين، بعد نحو ثماني سنوات من إطلاقها رسميًّا في المملكة عام 2018.
ولا تشمل هذه الخطوة أعمال «ميم» في المملكة العربية السعودية، التي تظل من أسواق النمو الرئيسية للمجموعة، فيما سيواصل بنك الخليج الدولي عملياته الأساسية الأخرى في البحرين، بما في ذلك الخدمات المصرفية للشركات، والخدمات المصرفية للمعاملات العالمية، والخزينة.
وفي بيان حصلت عليه «أخبار الخليج»، أكد البنك أنه في إطار إعادة الهيكلة؛ سيبدأ عملية انتقال منظّمة لأعماله في قطاع الخدمات المصرفية للأفراد، وذلك ضمن الإستراتيجية الأوسع لبنك الخليج الدولي، الهادفة إلى تعزيز الكفاءة التشغيلية، ودعم النمو المستدام طويل الأجل في مختلف قطاعات المجموعة والمناطق الجغرافية التي تعمل فيها.
وشدد البنك على مكانة البحرين كمحورٍ رئيسي لعمليات بنك الخليج الدولي، في مقابل تأكيد البنك التزامه الراسخ تجاه المملكة، حيث سيواصل خدمة عملائه عبر شبكته الإقليمية، من خلال الخدمات المصرفية للمؤسسات والشركات، والخدمات المصرفية العالمية، وخدمات الخزينة. كما سيحظى عملاء (ميم) في البحرين بالدعم اللازم طوال فترة الانتقال، حيث سيتواصل البنك معهم مباشرةً في حينه لإطلاعهم على الخيارات المتاحة، وتوضيح الخطوات التالية المتعلقة بحساباتهم.
من جانبه، قال الخبير المصرفي علي الطريف إن قرار بنك الخليج الدولي إنهاء خدمات التجزئة المصرفية التي يقدمها عبر منصة «ميم» في البحرين يمثل إعادة تموضع استراتيجياً في نموذج أعمال المجموعة، ولا ينبغي تفسيره على أنه انسحاب من السوق البحرينية أو تراجع عن أهمية المملكة كمركز مالي إقليمي.
وأوضح أن هذه الخطوة تعكس واقعاً أعمق يشهده القطاع المصرفي في المنطقة، في ظل التحول المتسارع نحو الخدمات الرقمية واشتداد المنافسة بين البنوك التقليدية والأذرع المصرفية الرقمية والبنوك الناشئة.
وفي قراءة تحليلية، أشار الطريف إلى أن التطورات الأخيرة تستدعي التمييز بين نماذج الأعمال المختلفة في القطاع المصرفي الحديث، إذ لم يعد العميل يقارن بين بنك وآخر فقط، بل أصبح يقارن بين مؤسسات تعتمد نماذج مصرفية مختلفة كليًّا.
وتنقسم هذه النماذج بصورة عامة إلى البنوك التقليدية التي تعتمد على شبكة من الفروع الفعلية، والبنوك الرقمية التي تقدم خدماتها بالكامل عبر المنصات الإلكترونية لكنها تكون مدعومة عادة بمؤسسة مصرفية كبرى، إضافة إلى البنوك الناشئة التي تُبنى منذ البداية كنماذج رقمية مستقلة في الغالب.
وأوضح أن «ميم» و«بنك إلى» يندرجان ضمن فئة البنوك الرقمية، باعتبارهما ذراعين رقميين لمؤسسات مصرفية تقليدية قائمة، وليسا شركتين ناشئتين مستقلتين.
فقد تأسس بنك الخليج الدولي عام 1975 في البحرين كبنك جملة تقليدي، قبل أن يطلق ذراعه الرقمية للأفراد «ميم» في البحرين عام 2018، بعد إطلاق نموذج مماثل في المملكة العربية السعودية عام 2014.
أما بنك «ABC»، وهو بنك إقليمي تقليدي مقره المنامة، فقد أطلق «بنك إلى» في نوفمبر 2019، باعتباره بنكاً رقمياً بالكامل يعتمد على البنية السحابية، قبل أن يتوسع لاحقاً إلى السوق الأردنية عام 2022.
وقال طريف إن ارتباط البنوك الرقمية بمؤسسات مصرفية تقليدية يمنحها قوة رأسمالية وتنظيمية كبيرة، إلا أنها تبقى في الوقت ذاته جزءاً من استراتيجية أوسع للمجموعة المالكة، ويمكن أن تخضع هذه الاستراتيجية للتغيير وفقاً للأولويات والنتائج والأهداف المستقبلية.
ويرى طريف أن بناء نموذج مصرفي رقمي مربح في قطاع الخدمات المصرفية للأفراد يتطلب قاعدة كبيرة من العملاء وصبراً استثمارياً طويل الأمد قبل الوصول إلى مرحلة التعادل وتحقيق الربحية.
وأضاف أن امتلاك التكنولوجيا المتطورة أو وجود بنك تقليدي داعم لا يعني بالضرورة نجاح التجربة تلقائياً، إذ يتطلب النموذج الرقمي التزاماً استراتيجياً طويل الأجل وقدرة على الاستمرار خلال السنوات الأولى التي قد تشهد استثمارات كبيرة قبل تحقيق العوائد المتوقعة.
وقال إن خروج «ميم» من سوق التجزئة الرقمية في البحرين يجب النظر إليه في هذا الإطار، باعتباره إعادة تموضع استراتيجياً، وليس حكماً على السوق البحرينية أو على مستقبل القطاع المصرفي الرقمي في المملكة.
وفي مقابل خروج «ميم» من سوق التجزئة المصرفية في البحرين، يواصل «بنك إلى»، التابع لبنك «ABC»، تسجيل نمو في أدائه المالي.
فقد أعلن البنك تحقيق صافي ربح بلغ 940 ألف دينار بحريني خلال النصف الأول من عام 2026، بارتفاع نسبته 110% مقارنة بصافي ربح بلغ 443 ألف دينار بحريني خلال الفترة نفسها من عام 2025.
واعتبر طريف أن هذه النتائج تمثل مؤشراً على أن نموذج البنك الرقمي يمكن أن يتحول، مع مرور الوقت واستمرار الاستثمار وبناء قاعدة عملاء، من مركز تكلفة إلى مركز ربح حقيقي.
وأضاف أن التباين بين التجربتين يقدم درساً مهماً لصناع القرار في القطاع المالي، إذ إن نجاح التحول الرقمي لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بالاستمرارية، والالتزام الاستراتيجي، وقدرة المؤسسة على الصمود خلال السنوات التي تسبق تحقيق الربحية.
وأشار طريف إلى أن خروج «ميم» من سوق التجزئة المصرفية في البحرين قد يفتح المجال أمام «بنك إلى» لتعزيز حضوره واستقطاب شريحة جديدة من العملاء الباحثين عن بدائل مصرفية رقمية.
وأوضح أن العملاء الذين اعتادوا استخدام نموذج مصرفي رقمي بالكامل قد يبحثون عن خدمات مشابهة توفر لهم سهولة الاستخدام والقدرة على إنجاز معاملاتهم اليومية عبر الهاتف المحمول، الأمر الذي قد يوفر فرصة للمؤسسات الرقمية الأخرى العاملة في السوق.
وأضاف أن الزخم المالي الذي يظهره «بنك إلى» حالياً قد يمنحه أرضية مناسبة لاستيعاب شريحة إضافية من العملاء وتعزيز قاعدة مستخدميه.
كما أشار إلى إمكانية ظهور ترتيبات تجارية مستقبلية تتعلق بالمحافظ أو الأصول ذات الصلة بعملاء «ميم»، في حال سمحت الاعتبارات التنظيمية والتجارية بذلك.
وأكد الطريف أن الاختبار الأهم في عملية إنهاء الخدمات لن يتمثل في القرار نفسه، وإنما في مدى سلاسة انتقال العملاء وعدم تأثر احتياجاتهم المصرفية اليومية. وقال إن أي عملية انتقال يجب أن تراعي الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها العملاء، بما في ذلك التحويلات المالية، والرواتب، والمدفوعات المتكررة، والوصول إلى الأموال والخدمات المصرفية الأخرى.
وكان بنك الخليج الدولي قد أكد التزامه بإدارة المرحلة الانتقالية بصورة منظمة وشفافة وبالتنسيق مع مصرف البحرين المركزي، بما يضمن التعامل مع العملية وفق الأطر التنظيمية المعتمدة.
ويرى طريف أن هذا الجانب يعكس أيضاً نضج البيئة الرقابية في البحرين، والدور الذي يؤديه مصرف البحرين المركزي في حماية مصالح العملاء والحفاظ على استقرار القطاع المالي خلال عمليات إعادة الهيكلة والتحولات الاستراتيجية التي تشهدها المؤسسات المصرفية.
وفي السياق ذاته، أكد أن مكانة البحرين كمركز مالي إقليمي، إلى جانب البيئة التنظيمية التي طورها مصرف البحرين المركزي خلال السنوات الماضية، ساهمت في توفير أرضية مهمة لنمو الخدمات المصرفية الرقمية والتكنولوجيا المالية.
ومن أبرز المبادرات التي عززت هذه البيئة إطلاق البيئة التنظيمية التجريبية، وإطار الخدمات المصرفية المفتوحة، إلى جانب تطوير منصات وأطر تنظيمية تدعم الابتكار المالي والتقنيات الحديثة.
وخلص طريف إلى أن المشهد المصرفي في البحرين يدخل مرحلة جديدة من التطور، حيث لم تعد المنافسة تعتمد على حجم شبكة الفروع أو التاريخ الطويل للمؤسسات المصرفية فحسب، بل أصبحت ترتبط بشكل متزايد بقدرة البنوك على بناء نماذج أعمال رقمية مستدامة وتحقيق التوازن بين الاستثمار والنمو والربحية.
وقال إن تجربة «ميم» و«بنك إلى» تقدم مثالاً عملياً على التحديات والفرص التي تواجه القطاع المصرفي الرقمي، مؤكداً أن مستقبل المنافسة في هذا المجال سيعتمد بدرجة كبيرة على الاستمرارية والقدرة على بناء قاعدة عملاء واسعة وتحويل الاستثمار التقني إلى نموذج أعمال مستدام على المدى الطويل.
