شهادة دولية على صمود الاقتصاد الأردني
(الدستور)-31/08/2026
أكد خبراء اقتصاد أن تثبيت وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني السيادي للأردن عند مستوى (BB-) مع نظرة مستقبلية مستقرة، يشكل مؤشراً مهماً على قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، ويحافظ على ثقة المستثمرين والمقرضين بالسياسات الاقتصادية والمالية والنقدية للمملكة. وأضافو في لقاءات مع «الدستور» أن توقيت تثبيت التصنيف يمنحه دلالة إضافية؛ إذ يأتي في مرحلة يشهد فيها الاقتصاد العالمي مستويات مرتفعة للغاية من عدم اليقين والمخاطر الجيوسياسية، ولا سيما مع تصاعد التوترات والصراعات في منطقة الشرق الأوسط. وجاء تثبيت التصنيف الائتماني للأردن للمرة الثانية خلال عام 2026 من قِبل وكالة ستاندرد آند بورز (S&P Global Ratings) عند مستوى «BB-» مع نظرة مستقبلية مستقرة.وكانت الوكالة نفسها قد ثبتت التصنيف عند ذات المستوى ونفس النظرة المستقرة في مراجعتها الدورية الأولى للعام في شهر شباط الماضي، ويأتي هذا التأكيد المزدوج من وكالات التصنيف العالمية (حيث ثبتت وكالتا فيتش وموديز أيضاً تصنيف المملكة خلال العام الحالي ما يؤكد قدرة الأردن على مواصلة النمو الاقتصادي . وأشار الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد عبدالقادر إلى أن تثبيت وكالة ستاندرد آند بورز (S&P) للتصنيف الائتماني السيادي للأردن عند -BB مع نظرة مستقبلية مستقرة يمثل مؤشراً مهماً على قدرة الاقتصاد الأردني على المحافظة على الاستقرار والمرونة في مواجهة سلسلة من الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية المتعاقبة، ويعكس في الوقت ذاته ثقة مؤسسة تصنيف دولية كبرى بقدرة السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية في المملكة على التعامل مع بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
وأكد عبدالقادر أن أهمية القرار لا تقتصر على تثبيت الدرجة الائتمانية بحد ذاتها، وإنما تكمن أيضاً في المبررات التي استندت إليها الوكالة، وفي مقدمتها مرونة الاقتصاد الأردني في مواجهة التطورات الإقليمية، والتقدم المحرز في مسار الإصلاحات الاقتصادية والمالية والنقدية، وارتفاع مستويات الاحتياطيات الأجنبية، إلى جانب استمرار الدعم الذي يحظى به الأردن من الشركاء الدوليين.
وبيّن أن التقييم له وزناً مهماً في الأسواق المالية الدولية، باعتباره واحدة من أكبر ثلاث وكالات للتصنيف الائتماني في العالم، وتشكل تصنيفاتها إحدى المرجعيات الرئيسية التي يعتمد عليها المستثمرون والمؤسسات المالية في تقييم المخاطر السيادية وتسعير أدوات الدين.
ولفت إلى أن ارتفاع المخاطر الجيوسياسية يفرض بطبيعته ضغوطاً أكبر على التصنيفات الائتمانية للدول، ولا سيما الدول الأكثر انكشافاً جغرافياً واقتصادياً على مناطق الصراع، وهو ما يجعل المحافظة على التصنيف الائتماني في مثل هذه الظروف نتيجة ذات أهمية، وليست مسألة تلقائية.
وأكد أن النظرة المستقبلية المستقرة للتصنيف الأردني تكتسب أهمية خاصة مع انتقال المملكة إلى مراحل أكثر تقدماً في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي والمشاريع الاستثمارية الكبرى المنبثقة عنها، إذ يسهم استقرار التصنيف السيادي في تعزيز الصورة الائتمانية للمملكة أمام المستثمرين الدوليين، ويدعم قدرتها على الترويج لمشاريعها واستقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر والوصول إلى مصادر التمويل الدولية ضمن مستويات أكثر قبولاً من علاوة المخاطر.
وأشار إلى أن التصنيف الائتماني لا يمثل العامل الوحيد الذي يحدد تكلفة الاقتراض، إلا أنه يشكل أحد المؤشرات الأساسية التي تدخل في تقييم المخاطر السيادية وتحديد العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاستثمار في السندات الحكومية، ولذلك فإن المحافظة على التصنيف والنظرة المستقرة تحمل انعكاسات مهمة على قدرة الأردن على التعامل مع أسواق الدين الدولية.
وختم عبدالقادر بأن التحدي في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يقتصر على المحافظة على التصنيف الحالي، بل يجب أن يتمثل في البناء عليه من خلال الاستمرار في الإصلاحات الاقتصادية، ورفع معدلات النمو الحقيقي، وتعزيز تنافسية الاقتصاد، وتحسين مؤشرات المالية العامة، ووضع المديونية العامة على مسار أكثر استدامة، بما يمهد تدريجياً للانتقال من مرحلة المحافظة على التصنيف إلى مرحلة تحسين التصنيف والاقتراب من الدرجة الاستثمارية.
بدوره أكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن تثبيت وكالة ستاندرد آند بورز التصنيف الائتماني السيادي للأردن يحمل رسالة مهمة تتجاوز بقاء التصنيف عند مستواه الحالي، وهي أن استقرار السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية أصبح أحد عناصر القوة التي يستند إليها تقييم الاقتصاد الأردني، رغم استمرار حالة عدم اليقين في المنطقة وارتفاع كلف الطاقة والنقل والتجارة عالمياً.
وأوضح الحدب أن أحد أهم ما يستحق التوقف عنده في تقرير الوكالة هو توقعها أن تستفيد المملكة خلال السنوات المقبلة من إعادة توجيه جزء من حركة التجارة الإقليمية عبر الأردن، ولا سيما من خلال ميناء العقبة، مشيراً إلى أن هذه الفرصة يمكن أن تشكل أحد محركات النمو الجديدة إذا جرى التعامل معها باعتبارها نشاطاً اقتصادياً متكاملاً وليس مجرد عبور للبضائع.
وأشار إلى أن المؤشرات على الأرض بدأت تعكس هذا التحول، إذ ارتفع عدد حاويات الترانزيت عبر ميناء حاويات العقبة خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة 177%، من نحو 13.1 ألف حاوية نمطية إلى أكثر من 36.4 ألف حاوية. وأكد أن هذه القفزة تضع أمام الأردن فرصة لتعزيز موقعه كمركز للنقل والتوزيع وإعادة التصدير يخدم أسواق المنطقة.
وأضاف أن بيانات التجارة الخارجية تعطي مؤشراً إضافياً على هذه الفرصة، حيث ارتفعت قيمة إعادة التصدير خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 بنسبة 31.3% لتصل إلى نحو 1.39 مليار دينار، بينما ارتفعت الصادرات الوطنية بنسبة 5.8%، لتسجل الصادرات الكلية نمواً بلغ 11.6%. وأوضح أن التفريق بين المؤشرين مهم؛ فارتفاع الصادرات الوطنية يعكس قدرة القاعدة الإنتاجية الأردنية على البيع في الخارج، بينما يعكس النمو القوي في إعادة التصدير توسع الدور التجاري واللوجستي للمملكة.
وأشار الحدب إلى أن هذا الأداء ترافق مع انخفاض عجز الميزان التجاري خلال الفترة ذاتها بنحو 621 مليون دينار، أو ما نسبته 17.1%، وهو تطور مهم لأن تحسين الميزان التجاري لا يعتمد فقط على خفض المستوردات، وإنما يصبح أكثر استدامة عندما يأتي أيضاً من زيادة قدرة الاقتصاد على التصدير وإعادة التصدير وتقديم الخدمات المرتبطة بالتجارة الإقليمية.
وأكد أن المطلوب في المرحلة المقبلة هو الانتقال من مفهوم «ممر الترانزيت» إلى مفهوم «ممر القيمة المضافة»، من خلال جذب مراكز التوزيع الإقليمية، ومستودعات التخزين الحديثة، وأنشطة التجميع والتعبئة، والخدمات اللوجستية الرقمية، والصناعات التي تعتمد على إعادة التصدير.
وأوضح الحدب أن الجانب المالي في تقرير ستاندرد آند بورز لا يقل أهمية، لأن المحافظة على الاستقرار المالي يجب أن تسير بالتوازي مع حماية الإنفاق الذي يرفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
ولفت إلى أن إشادة الوكالة باستمرار برنامج الإصلاح المدعوم من صندوق النقد الدولي تتزامن مع نجاح الأردن في استكمال المراجعة الخامسة للبرنامج، وتحقيق معايير الأداء الكمية وتنفيذ المعايير الهيكلية المطلوبة للمراجعة، وهو ما يعزز عنصر الاستمرارية والمصداقية في السياسة الاقتصادية.
وأكد الحدب أن الدعم الدولي الذي يتمتع به الأردن يمكن أن يحقق عائداً اقتصادياً أكبر إذا جرى استخدام جزء متزايد منه لتحفيز الاستثمار الخاص في المشاريع الكبرى، من خلال التمويل الميسر والضمانات والشراكات التي تخفض مخاطر المشروع أمام المستثمر. وأوضح أن أحد مؤشرات النجاح التي يمكن اعتمادها مستقبلاً هو قياس حجم التمويل والاستثمار الخاص الذي يتم تحفيزه مقابل كل دينار من الإنفاق أو التمويل التنموي العام.
وأضاف أن المرحلة المقبلة يجب أن تستهدف تحويل موقع الأردن الجغرافي والاستقرار المؤسسي والإصلاحات الاقتصادية إلى ميزة تنافسية قابلة للقياس، بحيث تصبح زيادة حركة التجارة عبر المملكة مدخلاً لاستثمارات جديدة وصادرات أعلى وفرص عمل ودخل أكبر، وهو المعيار الحقيقي لوصول أثر الاستقرار الاقتصادي إلى المواطن.
من جانبه قال الخبير الاقتصادي وجدي مخامره ان تثبيت تصنيف الأردن في هذا التوقيت يحمل دلالة كبيرة لأنه يأتي في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، وفي وقت كانت فيه الضغوط على السياحة والطاقة والتجارة والمالية العامة مرتفعة في الأردن . والأهم أنه جاء للمرة الثانية خلال عام 2026؛ إذ سبق أن ثبتت وكالة ستاندرد آند بورز ( S&P) التصنيف عند BB- في شباط الماضي.
كما انني أرى أن التوقيت إيجابي ومهم جداً لثلاثة اسباب أهمها ان الوكالة تختبر قدرة الاقتصاد على الصمود وليس فقط مؤشرات ما قبل الأزمة.
لذلك فان التقييم الجديد يأخذ بعين الاعتبار تداعيات التطورات الإقليمية، وبالتالي فإن تثبيت التصنيف يعني أن S&P ترى أن الضغوط الحالية لم تتحول إلى تراجع ملحوظ في قدرة الأردن على الوفاء بالتزاماته المالية.
بل إن بعض المؤشرات الخارجية أظهرت قدرة الأردن على التكيف؛ فقد أشارت S&P إلى ارتفاع حركة الشحن عبر العقبة بنحو 16% على أساس سنوي، وزيادة تحويلات العاملين 14.3% خلال النصف الأول من 2026.
كما ان التوقيت يرسل رسالة ثقة للأسواق والمستثمرين.
ففي ظروف إقليمية طبيعية، كان يمكن أن يُنظر إلى BB- على أنه مجرد تصنيف ائتماني قائم. أما في الظروف الحالية، فإن عدم خفض التصنيف بحد ذاته يمثل شهادة على متانة الاستقرار النقدي والمالي في الأردن .
اضف إلى ذلك فان التوقيت يؤكد أن الإصلاحات بدأت تتحول إلى عنصر هام في تقييم المخاطر السيادية.
فصندوق النقد الدولي أكد في حزيران أن الأردن حافظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي، وأن البرنامج الإصلاحي يسير وفق المسار المخطط، مع تحقيق الأهداف الكمية وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية.
أن دلالة التثبيت الثاني يعني أن الوكالة لا ترى أن التطورات التي حدثت خلال الأشهر الماضية تستوجب تغيير نظرتها الأساسية إلى الاقتصاد الأردني . اي ان الأردن دخل عام 2026 بتصنيف BB-، ومرّ بظروف إقليمية وضغوط اقتصادية إضافية، ومع ذلك خرج منها بالتصنيف نفسه والنظرة المستقرة. وهذا يعزز فكرة استمرارية السياسة الاقتصادية، وهي نقطة مهمة جداً بالنسبة للمستثمرين وحملة السندات.
أما الأثر المتوقع لهذا التقييم فيتمثل في خفض مخاطر الاقتراض الخارجي حيث ان التثبيت يساعد الأردن عند الدخول إلى أسواق رأس المال الدولية، لأنه يعطي المستثمرين والمؤسسات المالية مرجعاً مستقراً لمستوى المخاطر السيادية. وهذا ولا يعني ذلك بالضرورة انخفاض تكلفة الاقتراض فوراً، لكن استمرار التصنيف وتثبيت النظرة المستقبلية يساعدان في الحد من علاوة المخاطر مقارنة بسيناريو خفض التصنيف.
كذلك دعم ثقة المستثمر الأجنبي حيث ان المستثمر الأجنبي لا ينظر فقط إلى حجم السوق أو الحوافز؛ بل يهتم بدرجة كبيرة بالاستقرار النقدي، والقدرة على تحويل الأرباح، واستقرار النظام المصرفي، وقدرة الحكومة على خدمة الدين، والدعم الدولي، والاتجاه المستقبلي للسياسات الاقتصادية.
كما اننا نرى عدة مسارات أساسية في هذا السياق أهمها تحويل الاستقرار إلى نمو أعلى حيث تتوقع الوكالة نمواً يبلغ 2.5% في2026 ثم متوسطاً يقارب 3.2% خلال 2027-2029.
