حين يصبح الخوف قوة اقتصادية
(العربية)-01/09/2026
*م. عبدالله عودة الغبين
في خريف عام 1933، وفي بلدة أوكسفورد الصغيرة بولاية ميسيسيبي، تفتح الروائية كاثرين ستوكيت في عملها الجديد “رابطة النكبة” (The Calamity Club)، التي برزت كأحد أفضل الروايات الصادرة هذه العام . الرواية تفتح نافذة على ثلاث نساء يواجهن قسوة الكساد الكبير كل بطريقتها الخاصة: ميغ ليفلور، الفتاة اليتيمة التي هجرتها أمها ليلة عيد الميلاد وتعلمت منذ الصغر ألا تعتمد على أحد؛ وبيردي كالهون، الشابة العزباء صريحة اللسان التي تصل إلى أوكسفورد طلبًا للمساعدة من أختها الثرية بعد أن تركت عائلتها تغرق في الفقر؛ وتشارلي، المرأة الثالثة التي تكتمل بها الرواية وتجمعها بميغ وبيردي في مصير واحد وسط فقر الكساد ونفاقه الاجتماعي وقيوده الخانقة. الرواية في جوهرها، كما تقدمها الناشرة والمراجعات، ليست دراسة اقتصادية مباشرة، بل قصة عن الصداقة والقدرة على الفعل والظلم الاجتماعي والخيارات القاسية التي يفرضها الفقر. لكن يمكن للقارئ أن يستخرج منها، كقراءة إضافية لا كأطروحة معلنة للكاتبة، شيئًا أعمق: أن الخوف من الغد، لا واقع الحاضر وحده، هو ما يعيد تشكيل قرارات الإنسان اليومية حين تنهار الأرضية التي كان يقف عليها.
وما يلفت النظر في هذه الرواية هو غوصها في تحولات السلوك النفسي وتصرفات أفراد المجتمع عند حدوث أزمة اقتصادية؛ كيف يفكرون، وكيف يتعاونون، وكيف تعيد الشدة تشكيل علاقتهم ببعضهم البعض. وبنظرة أقرب إلى واقعنا وتاريخنا، يمكن أن نستحضر كيف كان يتصرف الأجداد عند حلول الكوارث الاقتصادية، كالمجاعات والأوبئة وانحباس القطر ونفوق أنعامهم وهلاك زروعهم. ففي عام الرمادة، إلى جانب ما قام به عمر بن الخطاب رضي الله عنه من فتح بيت مال المسلمين وتقسيم مخزون الدقيق وطلب المعونة من الأمصار ومنع الاحتكار، تمثلت صور التكافل في فتح أهل المدينة بيوتهم لأهل البادية الأكثر تضررًا، وتقاسمهم الطعام معهم حتى انكشاف الغمة. وفي هذا المشهد التاريخي، كما في رواية ستوكيت، يظهر الدرس نفسه: أن الأزمة الاقتصادية لا تُواجَه بالأرقام والموارد وحدها، بل بما يفعله الخوف والتكافل في نفوس الناس وسلوكهم الجماعي.
هذه الفكرة بالذات تجد صدى مثيرًا في أزمة أقرب إلينا زمنيًا: الأزمة المالية العالمية لعامي 2008 و2009. فحين ننظر إلى بيانات تلك الفترة، نجد لغزًا محيرًا للوهلة الأولى: لماذا يقلل المستهلكون من إنفاقهم إذا لم يتغير دخلهم المتاح؟ فالدخل المتاح للأمريكيين لم يتراجع بشكل حاد في الأشهر الأولى من الأزمة، بل ارتفع قليلًا في الربع الأول من عام 2008. ومع ذلك، ظل الاستهلاك الكلي ثابتًا لفترة قصيرة ثم بدأ بالانخفاض، بل تجاوز انخفاضه انخفاض الدخل نفسه بمقدار ثلاث نقاط مئوية بحلول عام 2009 مقارنة بعام 2008. والأكثر دلالة من ذلك هو ما حدث لاستهلاك السلع المعمرة، أي تلك السلع التي يمكن للناس تأجيل شرائها مثل السيارات والأجهزة المنزلية: فقد انهار هذا النوع من الاستهلاك بشكل حاد خلال الربع الثالث وخاصة الرابع من عام 2008، بنسبة 10% مقارنة بالربع الأول من العام نفسه، قبل أن يتعافى جزئيًا في مطلع 2009 ثم ينتكس مجددًا لاحقًا.
جزء مهم من الجواب على هذا اللغز يكمن فيما يمكن وصفه بالذاكرة الجماعية للخوف. ففي الخامس عشر من سبتمبر عام 2008، أعلن بنك ليمان براذرز إفلاسه المدوي، وبدا في الأسابيع التالية أن النظام المالي بأكمله يقف على حافة الانهيار. ورغم أن غالبية الناس لم يفقدوا وظائفهم بعد، وظلوا يستلمون رواتبهم الشهرية كالمعتاد، فإن ما كانوا يقرؤونه يوميًا في الصحف من عناوين مرعبة أعاد إلى أذهانهم قصص الكساد الكبير القديمة. ولعل أوضح دليل إحصائي على هذا الأثر النفسي هو ما تكشفه بيانات “غوغل ترندز” لعمليات البحث عن عبارة “الكساد الكبير” بين يناير 2008 وسبتمبر 2009: فقد قفزت هذه العمليات بشكل حاد ومفاجئ لتبلغ ذروتها في أكتوبر 2008، مباشرة بعد انهيار ليمان، ثم تراجعت تدريجيًا وبثبات طوال عام 2009. ومع ذلك، ينبغي التنبه إلى أن هذا القلق النفسي لم يكن السبب الوحيد للأزمة؛ فقد تضافرت معه عوامل أخرى لا تقل أهمية، من انهيار قيمة الثروة العقارية والمالية للأسر، إلى تشديد شروط الائتمان المصرفي، وصولًا إلى تدهور توقعات سوق العمل نفسه.
لكن الأثر النفسي، وإن لم يكن السبب الوحيد، يحمل في طياته مفارقة تستحق التوقف عندها. فحين يخاف شخص واحد من فقدان وظيفته مستقبلًا ويقرر أن يدّخر أكثر ويؤجل شراء سيارته الجديدة، فإن هذا تصرف عقلاني تمامًا من وجهة نظره الفردية. لكن حين يفعل الشيء نفسه ملايين الأشخاص في الوقت ذاته، فإن مجموع هذه القرارات الفردية العقلانية ينتج أثرًا كليًا مدمرًا: ينخفض الطلب على السلع والخدمات، فتتراجع مبيعات الشركات، فتقلّص هذه الشركات استثماراتها وتوظيفها، وقد ينتهي الأمر بأن يصبح السيناريو السيئ الذي كان الجميع يخشونه أكثر احتمالًا للوقوع، لا بسبب سوء الحظ، بل بسبب محاولة كل فرد التحوط منه على حدة. هذه هي بالضبط اللحظة التي يتحول فيها الخوف الفردي المعقول إلى قوة اقتصادية جماعية فاعلة، تُعيد تشكيل الاقتصاد الحقيقي قبل أن تتغير الأرقام الأساسية على أرض الواقع.
وهذا المنطق بالذات هو ما تجسده شخصيات الرواية حين تتكتل ميغ وبيردي وتشارلي معًا بحثًا عن أمان جماعي يعوضهن عن غياب الأمان الفردي، مؤسسات لأنفسهن ملاذًا اجتماعيًا ونفسيًا وسط عالم ينهار من حولهن، تمامًا كما فعل أهل المدينة حين فتحوا بيوتهم لإخوانهم المنكوبين في عام الرمادة. فسواء كنا نتحدث عن مستهلك أمريكي في خريف 2008 يراقب انهيار البنوك على شاشة التلفاز، أو عن ثلاث نساء في بلدة جنوبية صغيرة عام 1933 يتعلمن كيف ينجون معًا، أو عن أهل المدينة والبادية في زمن الرمادة يتقاسمون رغيف خبزهم الأخير، فإن الآلية النفسية واحدة: التوقعات بشأن الغد، لا الوقائع الراهنة وحدها، هي ما يحرك القرار الاقتصادي والإنساني معًا، وحين تتشارك جماعة كاملة التوقع ذاته، يتحول الخوف الفردي إلى مصير جماعي، وقد يتحول التكافل الجماعي أيضًا إلى نجاة مشتركة.
وما يجعل هذا التقاطع بين الأدب والتاريخ والاقتصاد مثيرًا للتأمل هو أنه يذكرنا بأن الأزمات لا تُقاس فقط بمؤشرات الناتج المحلي أو معدلات البطالة، بل أيضًا بما تفعله في العقل الجمعي للناس، وبالقصص التي يرويها الناجون منها لأبنائهم وأحفادهم، والتي تظل كامنة جاهزة للاستيقاظ عند أول بادرة خطر جديدة. فالاقتصاد لا يتحرك بما يملكه الناس اليوم فحسب، بل بما يخشون أن يفقدوه غدًا، وبما يستحضرونه من ذاكرة الماضي، سواء كانت ذاكرة كساد كبير أو عام رمادة أو نكبة روائية، لتحديد كيف يتصرفون وكيف يتكاتفون في مواجهة الغد المجهول.
