التقاعد المنتج
(أخبار الخليج)-14/09/2026
*بقلم: عدنان أحمد يوسف
يرتبط التقاعد في الوعي الاجتماعي بانتهاء الحياة الوظيفية والانتقال من دائرة الإنتاج إلى الراحة والاعتماد على المعاش. غير أن هذا التصور أصبح أقل ملاءمة للتحولات الديموغرافية والاقتصادية في دول الخليج العربي؛ فارتفاع متوسط العمر وتحسن الصحة يعنيان أن أعداداً متزايدة من المتقاعدين تستطيع مواصلة العطاء سنوات طويلة بعد مغادرة الوظيفة الرسمية.
وتكمن المفارقة في أن الاقتصادات الخليجية تنفق مبالغ كبيرة على التعليم والتدريب والاستشارات الخارجية، بينما يفترض أن تركز بصورة أكبر على خبراتها الوطنية. فالمصرفي الذي أمضى أربعين عاماً في إدارة المخاطر والائتمان، والمهندس الذي شارك في المشروعات الكبرى، والطبيب والقانوني والمعلم والإداري، لا يفقد خبرته في اليوم الذي يتقاعد فيه؛ بل يفقد غالباً القناة المؤسسية التي تتيح له توظيفها.
ولا تتمثل قيمة هؤلاء في الشهادات والمعلومات المكتوبة فقط، وإنما في «المعرفة الضمنية» الناتجة عن مواجهة الأزمات واتخاذ القرارات وفهم المؤسسات والأسواق. وعندما يغادر أصحاب الخبرة، لا تفقد المؤسسات موظفين فحسب، بل تخسر جزءاً من ذاكرتها، ثم قد تعوض هذا النقص بالتعاقد مع مستشارين من الخارج بتكاليف مرتفعة، رغم وجود الخبرة المطلوبة داخل المجتمع.
وفي هذا المجال، حققت البحرين خطوة مؤسسية مهمة بتدشين «المنصة الوطنية لخبراء البحرين «خبراء» في مارس 2023، ضمن مبادرات الخطة الوطنية لتعزيز الانتماء الوطني وترسيخ قيم المواطنة «بحريننا». ونفذت المنصة وزارة العمل بالتعاون مع هيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية، بهدف حصر الكفاءات البحرينية وتوثيق سيرها العلمية والمهنية وإبرازها وتسويقها داخليا وخارجيا.
وتضم المنصة خبرات في ستة قطاعات رئيسية هي: المال والمصارف والتأمين، والصحة، والهندسة، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والصناعة، والعقارات. كما تخضع طلبات التسجيل للمراجعة والاعتماد وفق شروط مهنية محددة، بما يجعلها قاعدة موثوقة للخبرات الوطنية وليست مجرد موقع مفتوح للسير الذاتية.
وتمثل هذه المبادرة أساسا مهما يمكن البناء عليه للانتقال من مرحلة حصر الخبرات والتعريف بها إلى مرحلة أكثر تقدماً تتمثل في تشغيل الخبرة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية. ويمكن تطوير المنصة لتصبح سوقاً منظمة تتيح للمؤسسات الصغيرة والجامعات والجهات الحكومية ورواد الأعمال التعاقد مع الخبراء من بينهم المتقاعدون، لإنجاز مهمات محددة مثل مراجعة الخطط، وتقييم طلبات التمويل، وإعداد أنظمة الحوكمة، وتدريب الموظفين، وتقديم الإرشاد للمشروعات الناشئة.
ولا يعني التقاعد المنتج إعادة المتقاعد إلى الدوام الكامل أو مزاحمة الشباب على الوظائف. المطلوب عمل جزئي ومرن ومحدد بالمهمة. وبذلك تصبح العلاقة بين الأجيال تكاملية؛ فالشاب يمتلك الأدوات الرقمية والطاقة، بينما يمتلك المتقاعد الحكم المهني والخبرة والذاكرة المؤسسية. ويمكن اشتراط أن تتضمن بعض عقود الخبراء تدريب موظف شاب أو توثيق المعرفة في دليل عملي، لضمان انتقالها إلى الجيل الجديد.
ويمكن إعطاء قيمة اقتصادية أكبر لهذه المبادرة عبر تطويرها من منصة وطنية إلى منصة خليجية مشتركة للخبرات. فاقتصادات دول الخليج العربي تمثل أسواقاً واسعة ومتنوعة، تشهد توسعاً كبيراً في المشروعات المالية والصناعية والتقنية والصحية والعقارية، وتحتاج باستمرار إلى خبرات مهنية متخصصة. وقد لا يجد الخبير فرصاً كافية داخل سوقه الوطنية، بينما تكون خبرته مطلوبة في دولة خليجية أخرى، ولا سيما من قبل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي لا تستطيع تحمل كلفة بيوت الاستشارات العالمية.
ويمكن للمنصة الخليجية أن تتيح للمؤسسات والجهات الحكومية والجامعات ورواد الأعمال البحث في قاعدة موثقة للخبراء الخليجيين والتعاقد معهم لتنفيذ مهمات محددة، حضورياً أو عن بُعد، مثل مراجعة الخطط، وإعداد أنظمة الحوكمة، وتقييم المشروعات، وتدريب الموظفين، ونقل الخبرة إلى القيادات الشابة. ويتطلب ذلك توحيد معايير اعتماد الخبراء، والاعتراف المتبادل بالمؤهلات المهنية، وتنظيم العقود والمدفوعات والمسؤولية المهنية، مع وضع قواعد واضحة بشأن تأثير الدخل الإضافي في المعاش التقاعدي.
إن تحويل منصة «خبراء البحرين» إلى نواة لشبكة خليجية لا يوسع فرص الخبراء البحرينيين والمتقاعدين فحسب، بل يعزز أيضاً جهود تكامل أسواق العمل الخليجية وحرية انتقال الكفاءات الوطنية بين دول المجلس. فالتكامل الاقتصادي لا يتحقق بحركة السلع ورؤوس الأموال وحدها، وإنما كذلك بتداول المعرفة والخبرة.
ويمكن للبحرين، انطلاقاً من تجربتها القائمة، أن تقترح هذا المشروع على المستوى الخليجي، ليصبح خطوة عملية نحو سوق عمل خليجية أكثر تكاملاً، وأداة لتحويل الخبرات الوطنية المتراكمة إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مشتركة.
